لندن: “القدس العربي”: أكدت مجلة “إيكونوميست” (الاقتصادي) البريطانية في تقرير لها أن سياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المتشددة تجاه الهجرة تدفع الولايات المتحدة نحو مزيد من الانغلاق، محذرة من أن هذه السياسات لا تقتصر آثارها على المهاجرين، وإنما تمتد إلى الاقتصاد والأسر وطبيعة المجتمع الأمريكي نفسه.
وأشارت المجلة في مستهل تقريرها إلى أنه ينبغي الاعتراف لترامب ببعض الفضل في ملف الحدود، بعدما وعد بإعادة فرض النظام عليها وتمكن بالفعل من الوفاء بهذا التعهد. وأوضحت أن وتيرة عمليات عبور الحدود بشكل غير نظامي كانت قد بدأت في التراجع خلال عهد الرئيس السابق جو بايدن، الذي أغلق في وقت متأخر الثغرة التي كانت تسمح تقريبًا لأي شخص بالدخول سيرًا على الأقدام، وطلب اللجوء، ثم الانخراط في سوق العمل، قبل أن يأتي ترامب ويفرض إجراءات أكثر تشددًا.
وتابعت “إيكونوميست” أن الحدود الجنوبية للولايات المتحدة، التي كانت تعاني من حالة كبيرة من الفوضى خلال السنوات الأولى من رئاسة بايدن، أصبحت الآن هادئة.
ورأت المجلة أن هذا النجاح كان يمكن أن يشكل قاعدة لبناء سياسة هجرة أكثر عقلانية، موضحة أن الناخبين يحبون الشعور بأن الحكومة تسيطر على من يدخل البلاد، وهو ما جعل فكرة الجدار الحدودي التي طرحها ترامب تمنح كثيرين شعورًا بالطمأنينة. وأضافت أن شعور المواطنين بأن الحكومة تمسك بزمام الأمور يفتح مجالًا سياسيًا لمناقشة قواعد الدخول إلى البلاد والخروج منها.
سؤالان رئيسيان
وقالت “إيكونوميست” إن هناك سؤالين رئيسيين يتعين على الحكومة الأمريكية التعامل معهما؛ أولهما ما الذي ينبغي فعله تجاه الأشخاص الموجودين بالفعل داخل الولايات المتحدة بصورة غير قانونية، والثاني من ينبغي للولايات المتحدة أن ترحب بهم في المستقبل.
وأكدت أن ترامب قدم إجابة قاسية عن السؤال الأول، لكنه قدم إجابة تضر بمصلحة البلاد عن السؤال الثاني.
وأشارت المجلة إلى أن ترامب تعهد بتنفيذ “أكبر عملية ترحيل في تاريخ بلادنا”، بينما أعلن أحد المسؤولين عن إنفاذ القانون أنه يريد ترحيل 100 مليون شخص، وهو رقم يعادل تقريبًا سبعة أضعاف عدد المهاجرين غير النظاميين الموجودين في الولايات المتحدة.
وتابعت أن البيت الأبيض تفاخر بأن السلطات تعتقل “أسوأ العناصر إجرامًا”، رغم أن معظم الأشخاص الذين جرى احتجازهم لم تتم إدانتهم بأي جريمة على الإطلاق.
ولفتت “إيكونوميست” إلى أن الانتشار المكثف لعملاء الهجرة في مدينة مينيابوليس، والذين وصفتهم بأنهم ضعيفو التدريب ويتسمون بالعدوانية الاستعراضية، تسبب في رد فعل سياسي غاضب، خصوصًا بعدما جرى تصويرهم وهم يقتلون متظاهرين أمريكيين اثنين.
آلة الترحيل لم تتوقف ولكنها أكثر هدوءا
وأكدت المجلة أن حدة الاشتباكات التي تصدرت عناوين الأخبار تراجعت منذ ذلك الحين، بعد استبدال رئيس وزارة الأمن الداخلي الذي كان يميل إلى الاستعراض الإعلامي بمسؤول أكثر كفاءة.
لكن “إيكونوميست” أشارت إلى أن آلة الترحيل لم تتباطأ، وإنما أصبحت أكثر هدوءًا.
وأوضحت أن العملاء لم يعودوا يهبطون بالحبال من المباني لتنفيذ الاعتقالات، أو يوقفون الأشخاص في مواقف سيارات متاجر “وول مارت”، بل أصبحوا يتعاونون مع عناصر الشرطة المتعاونين معهم، كما يحتجزون أشخاصًا انتهت صلاحية تأشيراتهم داخل المطارات.
وأضافت أن ترامب استحدث كذلك فئة جديدة من الأشخاص الذين أصبحوا معرضين للترحيل، بعدما ألغت إدارته الوضع المؤقت الشبيه باللجوء الذي كان يتمتع به مئات الآلاف من الهايتيين والأفغان وغيرهم.
حملة الترحيل لا تحظى بتأييد شعبي واسع
وقالت المجلة إن حملة الترحيل التي ينفذها ترامب لا تحظى عمومًا بتأييد شعبي، موضحة أن معظم الأمريكيين يؤيدون طرد المجرمين، لكنهم يرفضون في المقابل تفكيك عائلات من الأشخاص الذين يعملون بجد وعاشوا في الولايات المتحدة لعقود.
لكن “إيكونوميست” أشارت إلى أن بعض مؤيدي ترامب يتطلعون إلى جعل أمريكا أقل تنوعًا، لافتة إلى أن عددًا من كبار مساعديه، ومن بينهم ستيفن ميلر، يقتربون في خطابهم من العنصرية الصريحة.
وتابعت أن هؤلاء يتحدثون عن “الأمريكيين الأصليين”، في إشارة إلى أشخاص يرون أنفسهم أكثر أمريكية من الوافدين الجدد، كما يستخدمون تعبير “عكس الهجرة”، وهو مصطلح شائع بين اليمين القومي المتطرف لوصف إعادة أشخاص من ثقافات أجنبية إلى بلدانهم الأصلية.
قيود جديدة على اللاجئين والمهاجرين
وأشارت “إيكونوميست” إلى أن هذه المواقف يبدو أنها تؤثر كذلك في سياسة الولايات المتحدة المتعلقة بقبول اللاجئين.
وقالت إن المجموعة الكبيرة الوحيدة من اللاجئين الذين جرى قبولهم خلال عهد ترامب كانت من البيض القادمين من جنوب أفريقيا، مضيفة أن مزاعم تعرضهم للاضطهاد تبدو بعيدة الاحتمال.
كما أوضحت أن الإدارة الأمريكية أوقفت إصدار جميع تأشيرات الهجرة الجديدة لمواطني 75 دولة غير غنية.
وبحسب المجلة، يعني ذلك أنه إذا تزوج مواطن أمريكي من امرأة نيجيرية، فلن يكون بمقدورهما العيش معًا في الولايات المتحدة، وهو تقييد للحريات الأمريكية يذكّر بماضٍ مظلم.
وأضافت أن محكمة قضت الأسبوع الماضي بعدم قانونية هذه السياسة، بينما تماطل الإدارة الأمريكية في تنفيذ الحكم، وربما تبحث عن مخرج من القرار.
ضغط على الاقتصاد
وأكدت “إيكونوميست” أن ترامب يعمل على تغيير المسار الديموغرافي للولايات المتحدة، مشيرة إلى أن صافي الهجرة خلال عام 2025 وصل إلى الصفر.
وقالت إن التداعيات الاقتصادية على المدى القصير تبدو قاتمة، إذ تقلص حجم القوة العاملة في الولايات المتحدة بمقدار مليون شخص منذ كانون الثاني / يناير.
وأضافت أنه بعيدًا عن تكلفة إجراءات المعالجة والتقييد والترحيل، والتي تبلغ 17 ألف دولار للفرد الواحد، تعاني شركات البناء والحانات الأمريكية من نقص حاد في العمالة.
وترى المجلة أن الآثار طويلة المدى قد تكون أكثر ضررًا، مشيرة إلى أنه رغم تصريحات ترامب المتكررة بأنه يؤيد الهجرة القانونية، ولا سيما هجرة أصحاب الكفاءات والمهنيين المهرة، فإن أفعاله تسير في الاتجاه المعاكس.
تضييق على أصحاب الكفاءات
وتابعت “إيكونوميست” أن ترامب يعرقل بصورة متزايدة القنوات التي يصل من خلالها الأجانب الموهوبون إلى الولايات المتحدة للدراسة والعمل.
وأشارت إلى تقديرات تفيد بانخفاض عدد تأشيرات الطلاب الصادرة خلال عام 2025 بنسبة 29 بالمئة مقارنة بالعام السابق.
كما لفتت إلى أن القواعد الجديدة تجعل الدراسة في الولايات المتحدة أقل جاذبية، إذ يتعين على الأجانب إكمال دراستهم خلال فترة أقصر من تلك التي يحتاج إليها الطالب العادي، ثم العثور على وظيفة خلال 30 يومًا، وإلا اضطروا إلى العودة إلى بلدانهم.
وفي الوقت نفسه، أوضحت المجلة أن الشركات الأمريكية التي ترغب في الحصول على تأشيرات “H1-B” للعاملين الأجانب من ذوي المهارات العالية ستضطر إلى دفع أكثر من 100 ألف دولار عن كل عامل عند تقديم الطلب، مع بقاء احتمال رفض الطلب قائمًا في نهاية المطاف.
وأكدت أن هذه السياسة، بدلًا من رفع أجور المتخصصين المحليين في مجال تكنولوجيا المعلومات، ستجعل من الصعب على الشركات التي توظف هؤلاء المتخصصين التوسع.
“القلعة المغلقة” تناقض روح أمريكا
وقالت “إيكونوميست” إن بعض أنصار حركة «لنجعل أمريكا عظيمة مجددً”” (MAGA) يرون أن إبعاد الأجانب من شأنه حماية الثقافة الأمريكية.
لكن المجلة أكدت أن العكس هو الصحيح، معتبرة أن جوهر الثقافة الأمريكية يتمثل في الديناميكية والإبداع، وهما سمتان تغذتا دائمًا من التدفق المستمر للقادمين الجدد من أصحاب العمل الجاد والرؤى المبتكرة.
وأشارت إلى أن المهاجرين أو أبناءهم أسسوا ما يقرب من نصف الشركات المدرجة على قائمة “فورتشن 500”.
كما تابعت أن العديد من ألمع رواد الأعمال في الولايات المتحدة، ومن بينهم إيلون ماسك، دخلوا البلاد عبر المسار الذي ينتقل فيه الأشخاص من الجامعات إلى “وادي السيليكون”، وهو المسار الذي بدأ يضيق الآن.
وأكدت المجلة أن تحويل الولايات المتحدة إلى «قلعة مغلقة» يتعارض مع الروح الأمريكية ذاتها.
لا جدوى كبيرة من مطالبة ترامب بتغيير سياسته
ورأت المجلة أن حث ترامب على تعديل سياساته المتعلقة بالهجرة لا يبدو ذا جدوى تذكر، معتبرة أن الأمل الأكبر ربما يكمن في قدرة المحاكم على الحد من الأساليب غير القانونية التي يستخدمها لتنفيذ هذه السياسات.
وأشارت في هذا السياق إلى أن ترامب لا يزال، على سبيل المثال، يزعم أن الدستور لا يعني ما ينص عليه صراحة بشأن منح الجنسية على أساس حق المولد.
ومع ذلك، شددت “إيكونوميست” على أن الديمقراطيين، في الوقت الذي يسعون فيه لاستعادة جزء من السلطة الفيدرالية، يجب ألا يفترضوا أن الرئيس كان مخطئًا في كل شيء.
نظام اللجوء
وأكدت المجلة أن ترامب محق في القول إن نظام اللجوء كان عرضة لسوء الاستخدام.
ورأت أن أي رئيس ديمقراطي مستقبلي سيكون من الحكمة أن يصر على أن يتقدم طالبو اللجوء بطلباتهم في أول بلد آمن يصلون إليه، بدلًا من إعطاء الأولوية لمن يمتلكون الموارد التي تمكنهم من الوصول إلى المكسيك ثم دخول ولاية تكساس.
وأشارت إلى أن هذا الإجراء، وليس بناء الجدار، هو السبيل لتجنب الفوضى الكبيرة على الحدود في المستقبل.
وتابعت “إيكونوميست” أن الإدارة الأمريكية المقبلة لن تتمكن من تمرير إصلاح مستنير لنظام الهجرة إلا إذا نجحت أولًا في إقناع الناخبين بأن حدود البلاد لا تزال آمنة، بدلًا من إطلاق تصريحات استعراضية بشأن إلغاء وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك “ICE”.
وأكدت أن الولايات المتحدة تحتاج بشدة إلى إصلاح نظام الهجرة، على أن يجعل هذا الإصلاح البلاد أكثر انفتاحًا أمام أفضل المواهب في العالم، وأقل استخفافًا بمسألة تفكيك الأسر.
وخلصت المجلة إلى أن مثل هذا النهج يمكن أن يجعل أمريكا “عظيمة حقًا مرة أخرى”.