بيروت ـ «القدس العربي»: سيطر هدوء حذر في جنوب لبنان تزامناً مع المفاوضات الأمريكية الإيرانية في سويسرا، ولم تُسجَّل غارات أو هجمات إسرائيلية في لبنان، وأفادت إذاعة الجيش الإسرائيلي بحصول تغيير كبير في سياسة العمليات العسكرية عبر تقييد شبه كامل للقصف في جنوب لبنان، كما لم ينفذ «حزب الله» بدوره أي عمليات عسكرية.
وصدر عن مركز عمليات طوارئ الصحة التابع لوزارة الصحة العامة اللبنانية بيان، أعلن «أن غارات العدو الإسرائيلي على بلدة سحمر في البقاع الغربي أدت إلى استشهاد 5 من بينهم طفل وامرأة ومسنان اثنان وجريح».
وأدت الغارة على الرشيدية قضاء صور إلى سقوط شهيدين من الجنسية الفلسطينية. كما استشهد شاب في غارة لمسيرة إسرائيلية على دراجة نارية في بلدة زبدين، واستشهد شاب آخر في غارة على دراجة نارية في بلدته كفرصير. بينما أعلنت الإذاعة الإسرائيلية مقتل 6 جنود بينهم ضابط كبير وإصابة أكثر من 20 في هجمات «حزب الله» في لبنان منذ الخميس الماضي.
تلة علي الطاهر
وكانت الجبهة الجنوبية شهدت سباقاً محموماً بين التصعيد العسكري والجهود الدبلوماسية، حيث سُجّل السبت انتهاك جديد لمذكرة التفاهم بين أمريكا وايران، وإستمر التصعيد في الجنوب والبقاع، وواصل الجيش الإسرائيلي عملياته البرية الهادفة إلى السيطرة على مرتفعات علي الطاهر في ظل تبادل اطلاق النار بين «حزب الله» وإسرائيل وتبادل إطلاق الاتهامات حول البادىء بخرق الهدنة الهشة.
وقد دفعت تطورات الجنوب بالخارجية الإيرانية إلى اصدار بيان اعتبرت فيه ان على أمريكا إلزام إسرائيل بوقف مهاجمة لبنان، وإلا فإنها ستواجه مشكلات.
وأوردت قناة «المنار» في نشرتها الاخبارية أنه «دفاعًا عن لبنانَ وشعبِهِ، وصونًا لسيادتِهِ ودماءِ أهلِهِ، الجمهورية الإسلامية الإيرانية تعيدُ إغلاقَ مضيق هرمز، وتفتح الخياراتِ على كل الاحتمالاتِ ـ كما أكدَ بيانُ مقرِ خاتمِ الأنبياءِ، مستندةً إلى مذكرةِ التفاهمِ مع الأمريكيينَ وبندِها الأولِ الملزمِ للجميعِ بوقفِ الحربِ على جميعِ الجبهاتِ، ومن ضمنِها لبنان».
وكان جيش الاحتلال شنّ حوالى مئة غارة على عشرات القرى والبلدات الجنوبية وبعض قرى البقاع الغربي، مرتكباً مجازر جديدة بحق المدنيين، منها في بلدة قناريت في قضاء صيدا، حيث استشهد 7 مواطنين وأصيب 13 آخرون، كما استشهد 4 من عائلة واحدة في بلدة باريش.
«المناطق التجريبية» في صلب جولة المفاوضات… وهيكل: وفود الجيش لا هوية طائفية لها
وتمثل التطور الميداني في ادعاء الجيش الإسرائيلي «ان العشرات من مقاتلي «حزب الله» محاصرون في أنفاق تحت تلة علي الطاهر في جنوب لبنان».
وأعلنت إذاعة الجيش الإسرائيلي «أن منطقة علي الطاهر تضم مجمعاً مركزياً تابعاً لـ«حزب الله» تحت الأرض، إضافة إلى المقر الرئيسي لوحدة بدر».
وأوضحت «أن العملية التي قُتل خلالها طاقم دبابة وقائد كتيبة كانت تهدف إلى السيطرة على أنفاق في منطقة علي الطاهر، ضمن العمليات العسكرية الجارية هناك».
كما أفادت «يديعوت أحرونوت» نقلاً عن مصادر أمنية، «أن العمليات القتالية تدار في القطاع الجنوبي انطلاقاً من موقع علي الطاهر حيث يجري تفعيل أنظمة النيران وتخزين كميات كبيرة من الأسلحة، ونظراً لعمق الموقع وتحصيناته، فمن الصعب للغاية استهدافه بضربات جوية فحسب».
تدمير مبنى مصرف لبنان عمداً
واستهدف الطيران الإسرائيلي مبنى مصرف لبنان في النبطية ما أدى إلى تدميره، وقد أدان المصرف هذا الاستهداف بأشد العبارات، ورأت وحدة الإعلام والعلاقات العامة في المصرف «أن هذا الاستهداف لم يكن عرضياً أو نتيجة أضرار جانبية، بل كان إصابة مباشرة ومتعمدة لمبنى رسمي تابع لمصرف لبنان، وهو جزء لا يتجزأ من مؤسسات الدولة اللبنانية». وقد أجرى حاكم مصرف لبنان كريم سعيد اتصالات مباشرة مع أعلى السلطات في الدولة اللبنانية، وفي مقدمها رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء، لوضعهما في صورة ما جرى والعمل على تصعيد هذه القضية عبر القنوات الرسمية. وبفضل الجهود التي بذلتها السلطات اللبنانية وسفارات لبنان المعنية، تم تقديم شكوى رسمية إلى الآلية المختصة، تتضمن إدانة هذا الاعتداء والمطالبة بالتحقيق فيه واتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع تكراره.
وقف العمليات
ووفق مسؤول رفيع المستوى في الجيش الإسرائيلي «يُحظر الانسحاب من ذلك الموقع (علي الطاهر) فهذه مهمة أخلاقية تهدف إلى حماية سكان الشمال». وقد خلق هذا التصعيد الإسرائيلي أجواء ملبدة على مسار التفاهم بين طهران وواشنطن، وجرت اتصالات على أكثر من صعيد لوقف الاعتداءات والغارات الإسرائيلية، لا سيما بعد الموقف الإيراني. واعلنت وسائل الإعلام الإسرائيلية بأن رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، ووزير الحرب يسرائيل كاتس وجّها الجيش الإسرائيلي بوقف اطلاق النار، ووقف كل عملياته في جنوب لبنان من دون الانسحاب من المواقع التي يحتلها. وذكرت «ان هذه التوجيهات جاءت بعد تنسيق بين القيادة السياسية الإسرائيلية والادارة الأمريكية».
وأصدر رئيس الاركان الإسرائيلي تعليمات بوقف إطلاق النار في جنوب لبنان، في ختام اجتماع تقييم للوضع الامني. واكد مسؤول إسرائيلي بأن «الجيش الإسرائيلي لا يزال يسيطر على الشريط الأمني ويتمتع بحرية عمل كاملة داخل الخط الأصفر من أجل تطهير المنطقة من البنى التحتية التابعة للتنظيمات المسلحة». وأفادت هيئة البث الإسرائيلية، نقلاعن مصادر أمنية، بأن «إسرائيل سترد بقوة في حال تعرضها لأي اعتداء من «حزب الله»».
وفي وقت لاحق، أكد نتنياهو، «أن إسرائيل ستبقى في جنوب لبنان طالما اقتضت الضرورة الدفاع عن حدودها الشمالية» وفقاً لبيان صادر عن مكتب نتنياهو زعم أنه «رداً على هجمات «حزب الله» خلال اليومين الماضيين، شن الجيش الإسرائيلي غارات على 300 هدف، وقضى على نحو 100 عنصر».
«حزب الله»: مزاعم الاحتلال
في المقابل، أكد «حزب الله» في بيان أنه «في ظل الادعاءات والأكاذيب التي يواصل العدو الإسرائيلي ترويجها بشأن مزاعم خرق «حزب الله» لاتفاق وقف إطلاق النار، في محاولة لتبرير اعتداءاته المتواصلة على لبنان والمجازر التي يرتكبها بحق المدنيين، تؤكد العلاقات الإعلامية في «حزب الله» أن هذه المزاعم عارية تمامًا من الصحة، وتندرج في إطار محاولات العدو المستمرة لتضليل الرأي العام، وفي سياق محاولته الواضحة والمفضوحة لتخريب الاتفاق بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والولايات المتحدة الأمريكية».
وقال «لقد تجاوزت حصيلة انتهاكات وخروقات العدو الإسرائيلي منذ فجر يوم الجمعة 300 خرقٍ واعتداءٍ موثّقٍ، تنوعت بين الغارات الجوية من الطائرات الحربية والمسيرات، والقصف المدفعي من مختلف العيارات، وإطلاق القذائف الفوسفورية، على أكثر من 25 بلدة وقرية، من بينها مدينة النبطية، وقد أدت هذه الاعتداءات إلى سقوط أكثر من 111 شهيدًا و176 جريحًا. فيما تشير المعلومات الأولية إلى استخدام العدو للقنابل العنقودية المحرمة دوليًا».
عينُ جيش الاحتلال على تلة «علي الطاهر»… و«حزب الله» رد على أكاذيبه مسجّلاً 180 اعتداء
أضاف البيان: «بلغت حصيلة الانتهاكات والاعتداءات منذ صباح السبت ما لا يقل عن 180 اعتداءً، وأسفرت عن سقوط أكثر من 28 شهيدًا بينهم ثلاثة شهداء من الجيش اللبناني و35 جريحًا. ومن الثابت أن هذا العدو الكاذب والغادر لم يلتزم يومًا بمندرجات اتفاقات وقف إطلاق النار، لا في 27-11-2024 و 08-04-2026، ولا بعد إعلان التوصل إلى مذكرة التفاهم بين إيران وأمريكا بتاريخ 14-06-2026، ولا حتى يوم الجمعة 19-06-2026، بل واصل انتهاكاته وخروقاته للسيادة اللبنانية عبر الاعتداءات الجوية والقصف وتدمير البيوت وترويع المواطنين وقتل المدنيين». واكد «حزب الله» أن «هذه الوقائع الجلية أمام العيان تُبيّن بصورة لا لبس فيها الجهة التي تنتهك اتفاق وقف إطلاق النار وتقوّض التفاهمات القائمة، بل إنا ما يرتكبه العدو الإسرائيلي من اعتداءات ومجازر لم يعد مجرد خرقٍ لاتفاق وقف إطلاق النار، بل يشكل عدوانًا موصوفاً واستكمالاللحرب بكل ما للكلمة من معنى. وعليه، فإن المسؤولية الكاملة تقع على عاتق الاحتلال الإسرائيلي الذي يصرّح مسؤولوه علنًا وبصورة متكررة رفضهم للاتفاقات القائمة ورفضهم الانسحاب من الأراضي اللبنانية المحتلة، وعلى جميع الدول والمسؤولين وفي مقدمتهم الولايات المتحدة الأمريكية ممارسة الضغط على الكيان المحتل لإلزامه بتنفيذ الاتفاقات ووقف الإعتداءات، بدل رمي الاتهامات يمينًا وشمالا». وختم البيان: «يؤكد «حزب الله» أن من حق لبنان وشعبه ومقاومته الدفاع عن أرضهم وسيادتهم في مواجهة الاعتداءات والخروقات الإسرائيلية المستمرة، ولا يحق لأي أحد أن يسلبه هذا الحق الذي تكفله كل الشرائع والقوانين الدولية، وأن ما يسعى العدو لتثبيته من حرية الحركة للاستمرار باعتداءاته أمر مرفوض ولن يمر دون رد، وأن طرد الاحتلال من أرضنا هي مسألة وقت».
مفاوضات واشنطن
أفادت مصادر مطلعة بأن الجلسة الخامسة من المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية الجديدة التي ستعقد غداً الثلاثاء وتمتد ليومي الأربعاء والخميس المقبلين سيكون عنوانها «المناطق التجريبيّة». وقالت مصادر صحيفة «الديار» اللبنانية الأحد، إن فكرة ما يسمى بالمناطق النموذجية والانسحاب منها ليست واضحة، وان الجيش اللبناني مستعد للانتشار في المناطق التي تنسحب منها القوات الإسرائيلية من دون تنسيق أو تعاون مباشر.
وأوضح مصدر رسمي أن الوفدين السياسي والعسكري سيشاركان في اليوم الأول من جولة المفاوضات الجديدة، مشيراً إلى أن رئيس الجمهورية أكد لوزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، في الاتصال الهاتفي بينهما الجمعة على أولوية تثبيت وقف إطلاق النار، لأن البحث في الخطوات الأخرى يعتمد على هذا الأمر. وأعرب عن أسفه لفشل محاولتين لوقف النار سجلتا أول من أمس، لافتا إلى أنه من دون تثبيت وقف النار من غير الممكن البحث بأي شيء آخر. وأشار المصدر إلى أن الوفد العسكري في إمكانه بحث مواضيع ميدانية وعسكرية، ومنها انسحابات ممرحلة وانتشار الجيش اللبناني في المناطق التي تنسحب منها القوات الإسرائيلية. وكانت هيئة البث الإسرائيلية قالت امس السبت إن مفاوضات لبنان وإسرائيل القادمة، ستحدد مناطق تجريبية جنوبي لبنان سيتسلمها الجيش اللبناني، مشيرة إلى أن «الجيش الإسرائيلي أجرى دراسة لتحديد المناطق التي يمكن الانسحاب منها جزئياً، أي وضع دراسة لخطة انسحاب جزئي من جنوب لبنان».
وقد عقد قائد الجيش العماد رودولف هيكل اجتماعًا في اليرزة، حضره أركان القيادة وقادة الوحدات والأفواج العملانية، وعدد من الضباط، خُصص لعرض التطورات الراهنة في لبنان والمنطقة، ومتابعة الأوضاع الأمنية والعسكرية، في ظل استمرار الاعتداءات الإسرائيلية والتحديات المرتبطة بالمرحلة الحالية. وأوضح العماد هيكل «أن وفود الجيش المكلفة بالمفاوضات وسائر المهمات، لا هوية طائفية لها، وأن الجيش طائفته هي البزة العسكرية والوطن». واستهل هيكل الاجتماع بالوقوف دقيقة صمت عن أرواح شهداء المؤسسة العسكرية، مؤكدًا «أن تضحياتهم ستبقى مصدر فخر واعتزاز للمؤسسة والوطن».
وشدد على «أن القيادة تُجِل الشهداء والجرحى وتحفظ إرثهم» لافتًا إلى أنه «لمس خلال زياراته لعائلاتهم «اعتزازًا بتضحيات أبنائهم رغم الألم الكبير، وثقةً راسخة بالجيش وإيمانًا بدوره الوطني».
ثم توجه هيكل «بتحية إلى العسكريين الذين يواصلون أداء واجباتهم في مختلف المناطق، ولا سيما في الجنوب، رغم الأخطار والتحديات» مؤكدًا «أن تفانيهم وانضباطهم يجسدان القيم الراسخة للمؤسسة العسكرية». وقال: «خلال زيارتي لقيادتَي قطاع جنوب الليطاني في صور وفوج التدخل الثاني في الزهراني، استمديتُ من العسكريين المعنويات وشعرتُ باعتزازهم برسالتهم».
وتناول اجتماع القيادة المستجدات الأمنية والإقليمية وانعكاساتها على لبنان، وأكد هيكل «أن الحفاظ على الأمن والاستقرار يشكل أولوية وطنية ثابتة، ويمنع تحقيق الأهداف الإسرائيلية المتمثلة بزعزعة الأمن الداخلي، وأن المؤسسة العسكرية ستواصل تنفيذ مهماتها بحزم ومسؤولية لمنع أي تهديد للسلم الأهلي».
وفي ما خص الحدود الشمالية والشرقية، أكد قائد الجيش «أن العلاقة جيدة مع السلطات السورية في ظل التنسيق المستمر، وأنّ الوحدات العسكرية المعنية بضبط الحدود تنفذ مهماتها على أكمل وجه» مشدداً «على أهمية الحفاظ على ثقة اللبنانيين بالمؤسسة العسكرية وتعزيز وحدتها ومصداقيتها، وأن محاولات النيل من دوره أو التشكيك به لن تؤثر في عزيمة العسكريين أو التزامهم بأداء واجبهم» رافضاً «الاستغلال الطائفي والسياسي لموقف الجيش المرتبط بأوضاع الموقوفين والأحكام الصادرة بحقهم».
وتطرق الاجتماع إلى زيارات قائد الجيش إلى الخارج، داعيًا إلى «عدم إطلاق التكهنات بشأنها كونها محددة مسبقًا، وتهدف إلى تعزيز التعاون مع جميع جيوش الدول الشقيقة والصديقة لدعم قدرات الجيش، بما يمكنه من مواصلة تنفيذ مهماته الوطنية في مختلف الظروف».