دمشق – “القدس العربي”: تطرح الهجمات المتكررة التي تستهدف عناصر الجيش السوري في دير الزور تساؤلات حول طبيعة النشاط الأمني لخلايا “الدولة الإسلامية” في المنطقة، في ظل هشاشة الوضع الأمني وتعدد الجهات والفاعلين. ويعيد استهداف جنود في بلدة جديد بكارة، السبت، تسليط الضوء على قدرة التنظيم على تنفيذ ضربات محدودة وسريعة، رغم تراجع قدرته على شن عمليات واسعة ومركبة، وسط مؤشرات على تركيزه على إعادة تنظيم صفوفه وتوسيع شبكات التجنيد والاستقطاب.
تحتفظ مناطق البادية وريف دير الزور، ولا سيما المناطق ذات الطبيعة الجغرافية المعقدة والانتشار الأمني المحدود، ببيئة تسمح لخلايا التنظيم بالحركة
وتحتفظ مناطق البادية وريف دير الزور، ولا سيما المناطق ذات الطبيعة الجغرافية المعقدة والانتشار الأمني المحدود، ببيئة تسمح لخلايا التنظيم بالحركة وتنفيذ الكمائن والاغتيالات وزرع العبوات الناسفة ثم الانسحاب، مستفيدة من الفراغات الأمنية وتداخل مناطق النفوذ. وبينما يصعب الجزم بمسؤولية تنظيم “الدولة” عن كل هجوم في ظل عدم تبنيه غالبية عملياته، فإن تكرار هذه الضربات يطرح تساؤلات حول طبيعة استراتيجيته في سوريا، وما إذا كان يعمل على استنزاف القوات الحكومية وإبقاء حالة من عدم الاستقرار.
وفي تقييمه لطبيعة الهجمات الأخيرة، لا يستبعد حسن أبو هنية، الخبير الأردني في شؤون الجماعات الجهادية، وقوف “تنظيم الدولة” وراء بعضها، لكنه يشدد على صعوبة الجزم بذلك، في ظل عدم تبني التنظيم لمعظم العمليات التي تنسب إليه، وتعدد الفاعلين فيه.
منخفضة الشدة وغياب اليقين
وقال أبو هنية لـ”القدس العربي” إن هذه الهجمات “قد تكون من تنفيذ تنظيم الدولة”، لكنه أشار إلى أن الأخير “لا يتبنى معظم هذه العمليات”، وهو ما يترك مساحة من الغموض ويجعل من الصعب تحديد الجهة التي تقف وراءها على نحو يقيني.
وفي هذا السياق، أوضح أن معظم العمليات التي شهدتها سوريا مؤخراً، سواء تمثلت في العبوات الناسفة أو بعض الكمائن أو الاغتيالات، تندرج ضمن تكتيكات منخفضة الشدة، وليست عمليات مركبة، مشيراً إلى أن مستوى هذه العمليات “منخفض الشدة نوعاً ما”.
وبالنظر إلى طبيعة المشهد السوري، أضاف أن الساحة تضم فاعلين مختلفين، وأن الوضع الحالي “معقد”، لافتاً إلى أن البلاد تجاوزت مرحلة سقوط النظام وما رافقها من احتفاء بهذه المرحلة، وأصبحت أمام استحقاقات عملية وميدانية أكثر تحديداً.
هنية: سوريا لا تزال منقسمة عرقياً وسياسياً، مع استمرار المشكلات المرتبطة بالسويداء، والتدخلات الإسرائيلية
وفي هذا الإطار، قال إن سوريا لا تزال منقسمة عرقياً وسياسياً، مع استمرار المشكلات المرتبطة بالسويداء، والتدخلات الإسرائيلية، فضلاً عن عدم حسم الملفات المتعلقة بقوات سوريا الديمقراطية والأكراد، ولا سيما ما يتصل بدمجهم في وزارتي الدفاع والداخلية، معتبراً أن “الأمور غير واضحة في سوريا حتى الآن”.
وعلى مستوى نشاط تنظيم “الدولة”، رأى أبو هنية أن التنظيم ليس، في هذه المرحلة، بصدد تنفيذ عمليات كبيرة ومركبة ونوعية، رغم امتلاكه القدرة التشغيلية والعملياتية التي تمكنه من تنفيذ عمليات أكبر بكثير.
إعادة الهيكلة والتجنيد
وفي مقابل غياب العمليات الكبرى، يركز التنظيم، حسب أبو هنية، على إعادة ترتيب بنيته الداخلية وتوسيع قدرته على الاستمرار. وأوضح أن “تنظيم الدولة منشغل حالياً بعملية إعادة الهيكلة، وإنشاء وتوسيع الولايات الأمنية، إلى جانب توسيع نشاطه في معظم مناطق سوريا تقريباً عبر الاستقطاب والتجنيد”.
وفيما يتعلق بالموارد التي تساعد التنظيم على مواصلة هذا النشاط، أشار أبو هنية إلى أنه يمتلك التمويل الكافي، بما في ذلك الأموال القادمة من مناطق أخرى في إفريقيا، ومن “مكتب الكرار” و”مكتب الفرقان” وغيرها من المكاتب الإدارية التابعة له.
وفي السياق نفسه، اعتبر أن خروج العائلات وأبنائها الذين كانوا في مخيم الهول ومخيمات أخرى “يعطي سنداً كبيراً لتنظيم الدولة”.
وانطلاقاً من ذلك، رجح أن تبقى العمليات التي ينفذها التنظيم في هذه المرحلة “مختزلة وبسيطة”، وتتمثل في الكمائن والاغتيالات وبعض العبوات الناسفة، مع بقاء مسألة تبني التنظيم لهذه العمليات من عدمه غير محسومة.
وبالتالي، يؤكد أبو هنية أن الحديث في هذه الحالة يتعلق بامتلاك التنظيم قدرة تشغيلية تمكنه من تنفيذ بعض العمليات، وليس بالضرورة بقدرته على تنفيذ عمليات كبيرة أو مركبة.
الرهان على اضطراب المرحلة الانتقالية
لكن نشاط التنظيم، وفق أبو هنية، لا يمكن فصله عن رؤيته الأوسع لمسار التحول في سوريا. فهو يرى أن استراتيجية تنظيم “الدولة” تقوم على الرهان على فشل عملية إعادة الإعمار وإعادة البناء، وكذلك إعادة هيكلة الدولة على المستويات العسكرية والأمنية والمدنية والسياسية.
وفي هذا الصدد، أشار إلى أن هناك صعوبات قائمة في سوريا، بالتزامن مع صراع إقليمي “غير مرجح أن ينتهي”، بين إسرائيل والولايات المتحدة وإيران، إلى جانب بقية الوكلاء في العراق ولبنان.
ومن هنا، قال: “أعتقد أننا أمام مرحلة من الاستقرار الهش في سوريا، وليس حالة استقرار مستدام”، مرجحاً أن يحاول التنظيم الاستثمار في الاختلالات الأمنية والسياسية والاقتصادية القائمة، والعمل على توسيع نطاق نشاطه.
وحسب أبو هنية، فإن التنظيم يراهن على فشل عملية التحول والانتقال، ولذلك يركز في الوقت الحالي على التجنيد والاستقطاب، وإعادة هيكلة “الولايات” والانتشار. ونتيجة لذلك، ستبقى عملياته موجودة، لكنها ستكون بسيطة، مثل الكمائن والاغتيالات وبعض العبوات الناسفة، ولن تكون في الوقت الحالي عمليات مركبة.
وأضاف: “التنظيم ينتظر ويراهن على الفشل وعلى الاضطراب الإقليمي والاضطراب في سوريا”.
ضمانة للاستقرار
وفي المقابل، يرى أبو هنية أن الحد من قدرة التنظيم وسائر الفاعلين على استثمار حالة الاضطراب يرتبط أساساً بقدرة سوريا على إنتاج استقرار مستدام. واعتبر أن ذلك يمثل تحدياً كبيراً، في ظل ملفات لم يتضح بعد إلى أين ستتجه، سواء في السويداء أو الساحل أو شمال شرق سوريا مع الأكراد.
كما أشار إلى ملف الفصائل وإعادة هيكلة الأجهزة، قائلاً إنه لا يزال من غير الواضح “طبيعة النفوذ والصراع”.
وبالتوازي مع ذلك، تبرز مسألة إعادة الإعمار، التي يقول أبو هنية إن آلياتها لا تزال غير واضحة في ظل غياب الميزانيات والدعم الكافي. وأضاف أن الحديث عن دعم إقليمي ودولي لسوريا بقي حتى الآن “مجرد كلام”، من دون دعم اقتصادي أو مشاريع كبرى يمكن أن تسهم في إنقاذ البلاد.
هنية: الضمان الأهم لصنع استقرار مستدام هو إعطاء الأولوية للداخل، وخلق حالة من الإجماع حول الدولة والتماسك المجتمعي
وفي ضوء هذه التحديات، يرى أن الضمان الأهم لصنع استقرار مستدام هو إعطاء الأولوية للداخل، وخلق حالة من الإجماع حول الدولة والتماسك المجتمعي.
غير أن هذا المسار، حسب أبو هنية، يتأثر أيضاً بعوامل خارجية، في مقدمتها إسرائيل وتدخلاتها في الجنوب و”تلاعبها بالمكونات كالدروز”، إضافة إلى الأكراد الذين “ستبقى لديهم أجندتهم الخاصة المرتبطة بالحلم التاريخي”، فضلاً عن الوضع في الساحل وبقاء الجماعات المختلفة.
وفي هذا المشهد المتداخل، يقول أبو هنية إن تنظيم “الدولة” هو “فاعل أو لاعب بين هؤلاء اللاعبين”، ما يجعل الملفات والأوضاع الأمنية والسياسية متشابكة.
لذلك، يشدد على أن الأولوية تتمثل في “خلق نوع من التماسك الاجتماعي والاتفاق حول الدولة”، وهو ما يتطلب من الدولة إجراءات على الصعيد الاقتصادي، وبذل جهد أكبر في المصالحة الوطنية.
أما الإجراءات الأمنية المباشرة، مثل منع وقوع الأحداث الأمنية، فيرى أنه من الصعب تحقيقها بشكل كامل في مرحلة من عدم الاستقرار، مشيراً إلى أن مناطق الفراغ الأمني ليست واضحة، وأن التعامل معها يحتاج إلى دوريات وحواجز وإجراءات أمنية مختلفة.
يؤكد أبو هنية أن الأهم هو أن تمر سوريا بعملية انتقالية “سهلة وسلسة” وأكثر وضوحاً
وفي الخلاصة، يؤكد أبو هنية أن الأهم هو أن تمر سوريا بعملية انتقالية “سهلة وسلسة” وأكثر وضوحاً، في ظل عدم وجود يقين حتى الآن بشأن الوضعين السياسي والاقتصادي، خصوصاً في إقليم يشهد تحولاً في طبيعة موازين القوى، مع وجود إسرائيل التي قال إن لديها “أهدافاً توسعية في المنطقة”.
وفي السياق الإقليمي نفسه، أضاف أنه لا يزال من غير المعروف كيف ستتطور الأمور في لبنان، وما إذا كانت الضغوط على سوريا ستزداد من خلال التدخلات، وما الذي سيفعله “الحشد الشعبي”.
ومع ذلك، يقلل أبو هنية من مستوى الخطر الذي يمثله تنظيم “الدولة” على الدولة السورية في المرحلة الحالية، قائلاً إنه “من أقل المخاوف التي تواجه النظام السوري”. وشدد على ضرورة عدم المبالغة في مخاطر التنظيم، حتى لو تمكن من تنفيذ اغتيالات أو كمائن أو بعض التفجيرات، معتبراً أن ذلك “ليس الخطر الذي يهدد كينونة الدولة السورية”، وأن الخطر الحقيقي يأتي من العوامل الأخرى التي تواجه البلاد.