الرباط ـ «القدس العربي»: في سياق اجتماعي متوتر يتزامن مع اقتراب نهاية الولاية الحكومية، خرجت النقابات العمالية، الجمعة، في مختلف المدن المغربية، بمناسبة تخليد عيد العمال العالمي، فاتح مايو/ أيار، رافعة شعارات قوية ومطالب مستعجلة لتحسين الأوضاع المعيشية، في ظل ما وصفته بـ»تدهور غير مسبوق» للقدرة الشرائية واتساع رقعة الغلاء.
هذا الحراك النقابي الواسع الذي شمل مسيرات وتجمعات خطابية في عدد من المدن الكبرى، جاء ليعكس حجم الاحتقان الاجتماعي الذي تعيشه فئات واسعة من الشغيلة المغربية، وسط تصاعد الانتقادات لأداء الحكومة في معالجة الاختلالات الاقتصادية والاجتماعية.
وواكبت «القدس العربي» المسيرة التي نظمتها أهم النقابات العمّالية في العاصمة المغربية الرباط، حيث جابت شارع محمد الخامس، ومرّت أمام البرلمان ومحطة القطار الرئيسية، وتميزت بقوة الشعارات التي رددها المشاركون والمشاركات، فضلاً عن اللافتات التي تعبّر عن مطالب الطبقة العمالية والشعب المغربي عمومًا.
واتسمت مسيرة النقابات بأجواء سلمية منضبطة، حيث كانت تراقبها قوات الأمن عن بعد حرصًا على النظام العام. وانتهت في حدود الساعة الواحدة من منتصف النهار، ليقع إخلاء الشارع للحركة الاعتيادية للسيارات.
ووجّه الأمين العام لنقابة «الاتحاد المغربي للشغل»، الميلودي المخارق، رسائل سياسية واجتماعية حادة، منتقداً استمرار تدهور القدرة الشرائية وارتفاع الأسعار، ومعتبراً أن الوضع الاجتماعي بلغ مستويات «حرجة تهدد التوازنات الاجتماعية».
وأكد في كلمته أمام حشد من مناضلي النقابة في الدار البيضاء، أن الطبقة الشغيلة تعيش تحت ضغط غير مسبوق نتيجة الارتفاع المتواصل للأسعار، في مقابل ما وصفه بـ»غياب أجوبة حكومية واقعية»، مشددًا على أن التضخم لم يعد مجرد مؤشر اقتصادي، بل تحول إلى «أزمة بنيوية تمس الكرامة المعيشية للمواطنين»، وفق ما أورد مصدر محلي.
ودعا المسؤول النقابي إلى زيادات فورية في الأجور، وتفعيل السلم المتحرك للأجور والأسعار، باعتباره آلية لحماية القدرة الشرائية من التآكل، إلى جانب وضع حد لما وصفه بـ»تغول الشركات المحتكرة للأسواق، خاصة في قطاع المحروقات».
وشدد على ضرورة إقرار إصلاحات ضريبية عميقة تشمل مراجعة الضريبة على الدخل، وإقرار ضريبة على الثروة والأرباح الاستثنائية، مع إعادة تشغيل مصفاة «لاسامير» لتعزيز الأمن الطاقي وخفض كلفة المحروقات. كما حذّر من تداعيات أي رفع للدعم عن المواد الأساسية دون توفير بدائل اجتماعية واضحة.
وانتقد المخارق تعثر الحوار الاجتماعي، معتبرًا أنه تحوّل إلى مسار شكلي غير منتج، وطالب بمَأْسَسَته بشكل دائم وفعال يضمن معالجة الاختلالات البنيوية في الوظيفة العمومية والقطاعات الحيوية. كما عبّر عن رفضه القاطع لأي «إصلاحات محاسباتية» في ملف التقاعد، قد تشمل رفع سن الإحالة أو تقليص المعاشات، داعياً إلى إصلاح شامل قائم على العدالة الاجتماعية.
من جانبه، أكد يوسف علاكوش، الأمين العام لنقابة «الاتحاد العام للشغالين بالمغرب»، أن إحياء فاتح مايو/أيار ليس مجرد مناسبة احتفالية، بل محطة نضالية لتجديد المطالب والدفاع عن المكتسبات، مشدداً على ضرورة وفاء الحكومة بالتزاماتها، خاصة فيما يتعلق بإخراج المراسيم المتعلقة بالأنظمة الأساسية لعدد من الفئات المهنية.
وطالب بتسريع تسوية الوضعيات الإدارية، والتعويض عن المخاطر المهنية في قطاع الصحة، وتحسين أوضاع العاملين في النقل، وتسوية ملفات عمال شركات المناولة، لا سيما في قطاعي النظافة والحراسة، إضافة إلى المصادقة على عدد من اتفاقيات العمل الدولية، خاصة تلك المتعلقة بالحريات النقابية والصحة والسلامة ومناهضة العنف في أماكن العمل.
بدورها، نظمت نقابة «الكونفدرالية الديمقراطية للشغل» مسيرة مركزية في الدار البيضاء، سوف تليها مسيرات جهوية ابتداء من 17 مايو/ أيار، احتجاجًا على ما وصفته بتدهور الأوضاع الاجتماعية وغياب استجابة حكومية لمطالب الشغيلة.
وقال الأمين العام للنقابة، خالد العلمي الهوير، إن هذا التصعيد يأتي بعد «استنفاد كل أشكال الحوار»، مشيراً إلى أن الطبقة العاملة تعاني من تراجع حاد في قدرتها الشرائية نتيجة ارتفاع تكاليف المعيشة، في ظل غياب إجراءات فعالة لتحسين أوضاعها.
كما اعتبر أن المغرب يعيش «تناقضاً صارخاً» بين تحقيق نسب نمو وارتفاع إيرادات الميزانية، وبين عدم انعكاس ذلك على مستوى معيشة المواطنين، ما يطرح، بحسب تعبيره، إشكالية التوزيع العادل للثروة في ظل ما وصفه بتكلفة الفساد التي تصل إلى 50 مليار درهم. في المقابل، اعتبر محمد الزويتن، الأمين العام لـ «الاتحاد الوطني للشغل بالمغرب»، أن الظرفية الحالية تعكس «اختلالات صارخة في المعادلة الاجتماعية»، حيث تواصل القوى الرأسمالية مراكمة الأرباح مقابل اتساع موجات الغلاء التي تمس الكرامة الإنسانية للأجراء.
وأشار إلى أن معركة النقابة تجاوزت المطالب الفئوية لتصبح «معركة حقوقية بامتياز» تهدف إلى الدفاع عن حق المواطن في العيش الكريم، محذرًا من أن التضخم تحول إلى تهديد حقيقي للسلم الاجتماعي، في ظل سياسات اعتبرها منحازة لمنطق السوق على حساب العدالة الاجتماعية.
كما استند إلى معطيات رسمية تفيد بأن 82.2 في المئة من الأسر المغربية صرّحت بتدهور مستوى معيشتها، داعيًا إلى زيادات حقيقية في الأجور، وتسقيف أسعار المواد الأساسية، ومنح مجلس المنافسة صلاحيات زجرية لمحاربة الاحتكار والمضاربة.
على المستوى الحقوقي، سجلت «المنظمة المغربية لحقوق الإنسان» أن السياق الاجتماعي الحالي يتسم بارتفاع الأسعار وتزايد الهشاشة وتراجع القدرة الشرائية، معتبرة أن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية ما تزال تعاني من ضعف في التنفيذ الفعلي.
وأعربت المنظمة عن قلقها من استمرار ارتفاع معدلات البطالة، واتساع القطاع غير المنظّم، وتفشي توظيف العمال غير المصرح بهم، إلى جانب محدودية الحماية القانونية لهم، خاصة النساء والشباب والمهاجرين، ما ينعكس سلبًا على تمتعهم بالحقوق الأساسية. ودعت إلى مراجعة مدونة الشغل بما يتلاءم مع الدستور والمعايير الدولية، وتسريع تعميم الحماية الاجتماعية، وتعزيز دور «مفتشية الشغل» (مؤسسة لمراقبة ظروف العمل)، إلى جانب اعتماد سياسات فعالة لخلق فرص الوظائف وضمان شروط العمل اللائق.