الرئيس اللبناني جوزف عون
يركز الجنرال جوزيف كليرفيلد جهوده حالياً على إجراء المزيد من المحادثات. وما زال من الصعب التحدث عن نتائج عملية يمكن أن يقدمها هذا الشخص الذي يترأس آلية التنسيق والرقابة على وقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان، والتي يمكن أن تساهم في دفع المفاوضات قدما بين الطرفين. وصل كليرفيلد إلى بيروت الأربعاء الماضي بعد زيارة في إسرائيل، والتقى الرئيس اللبناني جوزف عون وقائد الجيش اللبناني رودلف هيكل، وعاد إلى تل أبيب في اليوم نفسه. ومن هناك، عاد إلى بيروت الجمعة لعقد عدة لقاءات مع رئيس الوزراء نواف سلام ورئيس مجلس النواب ورئيس حركة أمل نبيه بري.
تتحدث التقارير في لبنان في أعقاب هذه اللقاءات عن أجواء إيجابية، و”تفهم الولايات المتحدة لطلبات لبنان” و”تقديرها لجهود الجيش اللبناني”. مع ذلك، لم يتم حتى الآن تحديد موعد لجولة محادثات بين الوفود السياسية والعسكرية من إسرائيل ولبنان. ولا يوجد اتفاق حول المناطق التي سينسحب منها الجيش الإسرائيلي ويسمح للجيش اللبناني بالانتشار فيها. ولم يحسم بعدُ أمر الدول المشاركة في الهيئة المكلفة بفحص وتأكيد قيام الجيش اللبناني بدوره في تطهير “المناطق التجريبية” من حزب الله.
وقال محلل لبناني لـ “هآرتس” في نهاية الأسبوع الماضي، إن بيروت تشعر بأن إسرائيل والولايات المتحدة تحاولان “كسب الوقت” حتى موعد الانتخابات في الدولتين. وقال: “لا تشير التصريحات العلنية لإسرائيل إلى نيتها بالانسحاب من لبنان، سواء جزئياً أو كلياً، فالهجمات والاغتيالات لقادة حزب الله مستمرة وكأنه لا يوجد وقف لإطلاق النار؛ والولايات المتحدة نفسها تقدم الدعم لإسرائيل في هذه الأعمال، ما يقوض قدرة الحكومة اللبنانية على إحراز تقدم في العملية. إن عدم الثقة بجدية الولايات المتحدة بدأ يزداد. ويبدو الآن فجأة أن لواشنطن متسعاً من الوقت”.
وقد برزت ادعاءات رئيسية في المحادثات بين كليرفيلد ومحاوريه في لبنان:أولها أن إسرائيل تخرق وقف إطلاق النار بشكل منهجي، ولا تقدم لحكومة لبنان خطة عمل مع جدول زمني تساعدها في حملتها الداخلية ضد حزب الله. وثانياً، بدلاً من الانسحاب، توسع إسرائيل “الخط الأصفر”، وتواصل التدمير الممنهج للقرى دون هوادة. إن إقامة شبكة طرق سريعة وقواعد ثابتة تشير إلى نية تنفيذ تصريحات وزير الدفاع إسرائيل كاتس حول البقاء في لبنان لفترة طويلة، ويتم تفسير استمرار اغتيال قادة حزب الله في لبنان بأنه نية لتجديد الحرب الشاملة ضد الحزب.
تجد حكومة لبنان، التي بادرت إلى العملية الدبلوماسية، نفسها الآن عالقة بين اعتبارات إسرائيل والولايات المتحدة السياسية، وانتقادات داخلية لضعفها في المفاوضات. يأتي هذا بعد أن تبنت إسرائيل “احتكار الدولة للسلاح” كمبدأ استراتيجي. وأعلنت عن نيتها إنهاء الحرب مع إسرائيل،وبعد ذلك التوصل إلى اتفاق سلام، وجردت حزب الله من مكانته كـ “درع لبنان”.
كان من المفروض أن تشكل ساحة لبنان، إلى جانب قضية الحرب، طريقاًالتفافياً للنفوذ الإيراني. من شأن ذلك أن يقطع الصلة بين الساحات ويقوض سيطرة طهران على أهم وكلائها، ويحول حزب الله إلى منظمة تجبر على الاختيار بين أن تصبح منظمة سياسية أو ترسخ نفسها كمنظمة معادية للدولة. وبالتالي، تعتبر الحرب ضدها مشروعة. في البداية، رغم موقف إسرائيل، لم تعتبر واشنطن لبنان جبهة مستقلة فقط، حيث يمكن للرئيس أن يسجل أول إنجاز دبلوماسي له، بل أيضاً (وربما بشكل أساسي) ورقة مساومة سياسية في المفاوضات مع إيران. مع ذلك، عند ازدياد تعقد الحملة في الخليج في ظل غياب حل واضح لفتح مضيق هرمز، وتكثيف الفرع الإيراني في العراق لنشاطاته، واستمرار الحوثيين في فرض حصار فعلي على الملاحة في البحر الأحمر، يبدو أن ثقل لبنان كحاجز أمام إيران يتضاءل في نظر الإدارة الأمريكية.
في الأسبوع الماضي، صرح محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان الإيراني ورئيس وفد التفاوض، بأنه “على اتصال مباشر مع حزب الله، بما في ذلك محادثات شخصية مع القادة والمقاتلين في خط المواجهة”. وأشار إلى أنه “يعرف شخصياً كل شاب في خط المواجهة، وأنهم لن يكسروا خط المقاومة”. وفي تصريحات أخرى، أكدت إيران أن جبهة لبنان ما زالت جزءاً من الشروط التي تطرحها لاستئناف المفاوضات مع الولايات المتحدة. وحسب تقارير إعلامية عربية، تحاول طهران أيضاً تحويل الأموال للحزب عبر شبكة من مكاتب الصرافة تتجاوز الأنظمة المصرفية، أو عبر تحويلات نقدية. وغير معروف إذا كانت إيران قد نجحت في تحويل الأموال للحزب أو حجمها، لكن التقارير الواردة من لبنان تشير إلى أن الحزب يواجه صعوبة في دفع رواتب موظفيه المدنيين، وكذلك التزامه بتعويض السكان الذين تضررت بيوتهم بسبب القصف الإسرائيلي وإعادة تأهيلها، أو على الأقل دفع رسوم الإيجار لهم. وفي هذه المرحلة، رغم تهديد الأمين العام نعيم القاسم، لكنه يواصل العمل بصورة محدودة، ويبدو أن قدرته على شن حملة واسعة النطاق محدودة.
قال مسؤول في معهد أبحاث في لبنان، طلب عدم كشف اسمه، لصحيفة “هآرتس”، إن مساعي الحزب حالياً تهدف إلى تقويض شرعية تحركات الحكومة، وتصويرها كخائنة للمصالح الوطنية وخاضعة لإملاءات إسرائيل والولايات المتحدة وعاجزة عن مواجهة التحدي الإيراني. وقد تجلى هذا المسعى في الخلاف الحاد الذي نشب الأسبوع الماضي بين وزير الدفاع اللبناني ورئيس الوزراء سلام حول مناقشة قانون العفو الذي أقره البرلمان. لقد عارض وزير الدفاع عدة بنود في القانون الذي يمنح العفو للإرهابيين الذين قتلوا جنوداً لبنانيين، وطلب عرض موقف الجيش في البرلمان. ولكن رئيس الوزراء سلام منعه من المثول في البرلمان بحجة أنه لا يجوز عرض موقف الجيش أو موقف وزير الدفاع بشكل منفصل عن موقف الحكومة.
اتخذ الخلاف العلني منحى طائفياً، حيث تم الزعم بأن سلام، السني، يدعم المسلمين السنة ولا يسمح لوزير الدفاع، المسيحي، بعرض موقف مختلف. وقد أدى ذلك إلى توجيه اتهامات لرئيس الوزراء من قبل ممثلي حزب الله الذين غابوا عن جلسة البرلمان. وقالوا إن من يطلق سراح سجناء قتلوا جنوداً من الجيش اللبناني لا يحق له مطالبة الجيش بالعمل ضد حزب الله. إن مسألة ولاء الجنود الشيعة في حالة إجبارهم على مواجهة حزب الله مسألة حساسة جداً، ولا يتردد حزب الله في استغلال هذا التوتر وتأجيجه كتهديد يعرقل خطة نزع سلاحه. في مواجهة هذا التهديد، ستسعى حكومة لبنان إلى إقناع أمريكا بالموافقة على عملية نزع سلاح بالتدريج، وفي خضم ذلك توسيع انسحاب إسرائيل من المناطق التي يتوقع أن يكون فيها الصراع المباشر محدوداً. مع ذلك، بسبب تصميم إسرائيل على أن يكون أي انسحاب مشروطاً بنزع سلاح حزب، فمن المشكوك فيه التوصل إلى اتفاق يؤدي إلى انعطافة في المستقبل المنظور. ويبقى السؤال المطروح: ما نطاق المرونة الذي سيمنحه ترامب للبنان، وما الذي سيمليه على إسرائيل – وما إذا كان الرئيس سيوافق على قبول صيغة مرنة بروحية الاتفاقيات التي تم التوصل إليها لنزع سلاح حماس في غزة، أو العملية التي تقوم بها حكومة العراق حالياًمع المليشيات، الأمر الذي يسمح لحكومة لبنان بتنفيذ الأجزاء الأخرى في اتفاق الإطار.
تسفي برئيل
هآرتس 17/8/2026