جندي الاحتلال الإسرائيلي أثناء تنفيذ مداهمة في قرية “بدو” شمال غرب القدس، 21 أيلول 2026
ينبغي لتقرير إليزابيت تسوركوف في ملحق “هآرتس” (25/9) أن يشكل نداء استيقاظ. تسوركوف، الباحثة في شؤون سوريا والشرق الأوسط، التي اختطفت في العراق واحتجزت لنحو سنتين ونصف في أسر ميليشيا عراقية مؤيدة لإيران، تحدثت في الأشهر الأخيرة مع العشرات من سكان جنوب سوريا ممن يسكنون الأرض التي احتلتها إسرائيل قبل قرابة سنتين. وتصف تسوركوف سجل كارثة معروفة مسبقاً: إسرائيل تقيم نظام احتلال في سوريا، وتنسخ إليه أساليب السيطرة التي طورتها على مدى عشرات السنين في الضفة الغربية. إذا لم تتراجع إسرائيل عن هذا الطريق الآن، فربما تخلق بكلتا يديها التهديد الذي تسعى لتدافع عن نفسها منه.
وجه الشبه مع الضفة ينشأ من كل وصف تقريباً. فالجيش الإسرائيلي يحوز في جنوب سوريا تسعة استحكامات ويعمل في مساحة نحو 600 كيلومتر مربع وفيها عشرات القرى. كما هو حال الضفة تماماً، أقام الجيش الإسرائيلي حواجز، يفحص هويات، يصور السكان، يجري تفتيشات، ويقتحم المنازل ليلاً، يفتشونها، يدمرون الممتلكات ويعتقلون أهلها. ويبلغ السكان عن تجنيد عملاء وعن وشايات. وفي جنوب سوريا أيضاً، يمس الاحتلال برزق السكان المحليين. ويكتشف المزارعون والرعاة أنهم لن يستطيعوا الوصول إلى أراضيهم.
إن آلية الاعتقالات معروفة على نحو مخيف من واقع الضفة. فحسب المعطيات التي جمعتها تسوركوف، فقد اعتقل الجيش الإسرائيلي 248 سورياً بداية أيلول، أكثر من 60 منهم نقلوا إلى معتقل في إسرائيل، واليوم يحتجز فيه 39 معتقلاً سوريا يعرف بهم المحامي الذي يقتبسه التقرير الصحافي. في بعض الأحيان، لا تكون لعائلات المعتقلين أي اتصال بهم.
بعض المعتقلين الذين نقلوا إلى “سديه تيمان” احتجزوا أشهراً طويلة دون لائحة اتهام، وبينهم معتقلون شهدوا بأفعال عنف.
إن تأثير الاحتلال على العلاقات مع السكان يمكن تشخيصه الآن. فقبل أقل من عقد، وصف سكان في جنوب سوريا إسرائيل ممن تلقوا منها المساعدة في زمن الحرب الأهلية بأنها “دولة إنسانية” ودولة صديقة، هكذا قالوا لتسوركوف، أما اليوم فتمتلئ هذه المناطق بالخوف والعداء. في بيت جن، التي تلقى سكانها سابقاً مساعدة من إسرائيل، فتحت الآن النار على قوة إسرائيلية جاءت لتنفيذ اعتقالات. بالضبط مثلما في الضفة: الاحتلال يولد مقاومة المحليين، ومقاومتهم تشكل دليلاً على الحاجة لتعميق الاحتلال، وتعميق الاحتلال يخلق المزيد من المقاومة وهكذا دواليك.
لقد سبق لإسرائيل أن دفعت ثمناً باهظاً على فكر مشابه في جنوب لبنان. وتقتبس تسوركوف خبراء يحذرون من نشوء آلية مشابهة على نحو مخيف في جنوب سوريا. بدلاً من استغلال سقوط نظام بشار الأسد لبناء علاقات مع الحكم الجديد، قد أن تساعد إسرائيل إيران على توسيع نفوذها جنوبي سوريا. على إسرائيل إنهاء احتلالها لجنوب سوريا قبل أن يصبح بكاء للأجيال.
أسرة التحرير
هآرتس 28/9/2026