نرفض تشكيل حكومة في المنفى وندعو الجزائر لاحترام نضال التونسيين من أجل الحرية


تونس- “القدس العربي”: عبّر هشام المشيشي، رئيس الحكومة التونسية السابق، عن رفضه تشكيل حكومة في المنفى، مؤكدا أنه يقوم بمعارضة الرئيس قيس سعيد بوسائل مشروعة ولا يبحث عن “غطاء سياسي” من الخارج.

كما دعا النظام الجزائري إلى احترام نضال التونسيين من أجل الحرية والكرامة وعدم الاصطفاف مع نظام سعيد، الذي اعتبر أنه بات عبئا على تونس.

وقال في حوار خاص مع “القدس العربي”: “مبادرتي لتجميع الطيف السياسي والحقوقي تلتقي مع عديد المبادرات الأخرى التي قام بها العديد من الشخصيات الوطنية سواء داخل تونس أو بالمنفى. وهذه المبادرة لا ترمي إلى الوصول إلى تكوين جسم أو هيكل سياسي على شاكلة حزب أو جبهة حزبية بقدر ما ترمي إلى جعل الشخصيات المعارضة التي تعمل بأشكال منفردة تجلس مع بعضها وتنخرط في عمل شبكي تنسق من خلاله أنشطتها على نحو يقوم فيه كل طرف بما يحسن القيام به في إطار الهدف الموحد والجامع وهو غلق قوس قيس سعيد وانقلابه واستعادة المسار الديمقراطي وإعادة بناء مؤسسات البلاد”.

دعا المشيشي النظام الجزائري إلى احترام نضال التونسيين من أجل الحرية والكرامة وعدم الاصطفاف مع نظام سعيد، الذي اعتبر أنه بات عبئا على تونس

وأكد أن “الشخصيات الحقوقية في إطار هذه الشبكة تتولي التعريف بالمظالم المسلطة على التونسيين وحشد المناصرة لقضاياهم، والشخصيات السياسية تتولى الإعداد للتحركات السياسية وصياغة البيانات والورقات السياسية وعقد اللقاءات لتقريب وجهات النظر والإعداد لمرحلة ما بعد قيس سعيد”.

وأضاف المشيشي: “نحاول وفي هذا العمل قدر الإمكان، تحييد كافة أشكال الاصطفاف الأيديولوجي أو الاختلاف السياسي، فنحن في منطق مقاومة ولسنا في منطق توحيد المعارضة في جبهة سياسية مشتركة تتقدم للحكم. سيأتي وقت للحديث عن التنسيق بين الأحزاب والتيارات السياسية المعارضة والمتقاربة فكريا، ولكن الأولوية الآن هي للعمل المشترك في سبيل تحقيق الهدف الذي سيسمح بتحقيق الانفراج السياسي والاجتماعي والاقتصادي في تونس وهو إزاحة قيس سعيد ومنظومته وإعادة بناء مؤسسات الدولة”.

أخطاء الانتقال الديموقراطي

واستبعد المشيشي إمكانية ترؤسه لحزب سياسي جديد أو حكومة في المنفى، معتبرا أن تونس “ليست في حاجة إلى حزب سياسي جديد بقدر ما هي بحاجة إلى ترتيب وضعها السياسي وإعادة تنظيمه وبنائه بعد استخلاص الدروس من أخطاء فترة الانتقال الديمقراطي ومن تجاوزات منظومة قيس سعيد”.

وأضاف: “مع احترامي الكبير للأحزاب السياسية وإيماني بأن الديمقراطية لا تبنى إلا بأحزاب سياسية مهيكلة، لا أرى نفسي ضمن هذه التنظيمات فأنا رجل مؤسسات، نشأت وطورت مساراتي ضمن مؤسسات الدولة فيصعب عليا الآن أن أغير ميكانيزمات التفكير عندي وتعديلها على آليات العمل الحزبي. ثم أعتقد أنني وبعد كل هذه التجارب التي مررت بها فإن مساحات الفعل السياسي المتاحة خارج الأطر الحزبية هي أوسع بكثير ممّا لو كنت داخلها”.

كما أكد المشيشي رفضه فكرة ترؤس حكومة في المنفى. وأوضح بالقول: “أنا أرفضها لمسألة مبدئية وهي أنني أحارب قيس سعيد بوسائل شرعية ومشروعة وسلمية خلافا لما يقوم به هو في خصومته من استباحة لمعارضيه باستعمال كافة الوسائل غير المشروعة من تنكيل وترهيب وحتّى هتك للأعراض”.

وأضاف: “نحن لسنا جماعة انشقّت عن الدولة أو مجموعة مقاتلة تبحث لنفسها عن غطاء سياسي من خلال مكتب سياسي أو حكومة في المهجر، نحن مجموعة من رجالات الدولة ومن الشخصيات السياسية الوازنة والمؤثّرة في المشهد التّونسي والدّولي ومن مناضلين ونشطاء سياسيين وجدوا أنفسهم في غياهب السّجون بالنّسبة للبعض، وفي المنفى القسري بالنّسبة للبعض الآخر نتيجة وقوفنا في وجه انقلاب غاشم على مؤسّسات الدّولة ودفاعنا عن مبادئ الحرية والدّيمقراطية الّتي نعتقد أنّها تليق بالتّونسيين”.

وتابع المشيشي: “أنا شخصيا لا تهمّني المناصب بقدر ما يهمّني أن أرى بلادي تسترجع ديمقراطيتها وأن يسترجع شعبها كرامته، فلو كنت حريصا على البقاء في السّلطة ومتمسّكا بمنصب رئيس الحكومة لكنت سايرت قيس سعيّد في جنونه ولكنت استبحت مؤسّسات الدّولة وألقيت بالسّياسيين في السّجون منذ 2020 تحت هتافات شبّيحة المنظومة وبعض السّياسيين من أصحاب الحسابات الضيّقة والخاطئة”.

أكد المشيشي رفضه فكرة ترؤس حكومة في المنفى. وأوضح بالقول: أنا أرفضها لمسألة مبدئية وهي أنني أحارب قيس سعيد بوسائل شرعية ومشروعة وسلمية

وكان المشيشي اعتبر في مقال بموقع الجزيرة الإنكليزي أن تجربة الرئيس قيس سعيد الاقتصادية فشلت في تونس، وخاصة في التعويل على الذات واسترجاع الأموال المنهوبة والشركات الأهلية.

وعلق على هذا الأمر بالقول: “إنّ ما يسمّى “تجربة قيس سعيّد” الاقتصادية تحمل داخلها كلّ عناصر الفشل، هذا إن سلّمنا باستعمال مصطلح التجربة الاقتصادية من باب الاستعارة اللّغوية”.

فشل منظومة سعيد

وأضاف: “الرّجل لا يحمل فكرا اقتصاديا أو سياسيا ولم يسبق له أن عرض رؤية أو فكرة للنّقاش ولم نقل حتّى النّقد أو المكافحة. ولم يعرض في حياته ورقة سياسية أو مقالا بيّن فيه تصوّره لما يمكن أن يحدث ديناميكية اقتصادية تستجيب لحاجيات المجتمع. ولم تكن له تجربة قيادية لا في مؤسّسسة اقتصادية ولا إدارية ولا مالية ولا أيّ من مؤسّسات الدّولة فضلا عن أنّه وخلافا لكلّ من يرشّح نفسه لقيادة بلد ما، لم يقدّم أيّ برنامج ولم يكلّف نفسه حتّى بالاشتغال على برنامج مع الخبراء والكفاءات الاقتصادية حتّى يفهم على الأقل تعقيدات الحكم وتعقيدات إدارة الدّولة”.

واعتبر أن سعيّد “اكتفى بإطلاق الشّعارات الموغلة في السّطحية والتّبسيط والمستلهمة من الأساطير الشّعبية التي تصوّر القائد الثّائر العادل الذّي يفتكّ أموال الأغنياء ليوزّعها على الفقراء (أموال رجال الأعمال الأكثر فسادا توزّع على المناطق الأكثر فقرا!)، أو المستلهمة من بعض التصوّرات الشّيوعية الإقصائية أو الفوضوية الطوباوية الّتي تعد ببناء “المجتمع الفاضل” أو “المدينة الفاضلة” الّتي يمتلك سكّانها وسائل الإنتاج ويأكلون ممّا ينتجون ويلبسون ممّا يحيكون وما إلى ذلك من التصوّرات الطّفولية الّتي سرعان ما تصطدم مع تعقيدات الحياة الواقعية ومع حاجيات المجتمع، فتتصادم معه عوضا عن أن تلبّي حاجياته. ويصبح هذا التّصادم عنيفا خاصة حين يتمكّن أصحاب هذا الطّرح من مفاصل الدّولة ومن وسائل القوّة”.

وأكد المشيشي أنه “بعد سبع سنوات من حكم قيس سعيّد، من بينها خمس سنوات من الحكم المطلق، يجد التّونسيون أنفسهم في مواجهة أسوء الأزمات الّتي مرّت بها البلاد في تاريخها. فقد قضّىوا صائفة 2026 على وقع الانقطاعات اليومية للوقود والكهرباء والماء، حتّى أنهم أصبحوا يقضون الساعات الطّويلة أمام المتاجر في القيظ أملا في الحصول على قارورة ماء. ووصل الأمر حتّى إلى نهب شاحنات نقل المياه عند مرورها بالطّريق العام في مشاهد تحيلنا إلى بعض الدّول المفلسة أو التي تعاني من الحروب أو من الكوارث الطّبيعية. وسجّلت العديد من الوفيات نتيجة انقطاعات الكهرباء، لمرضى كانوا مرتبطين بأجهزة تنفّس سواء في بيوتهم أو في بعض المستشفيات”.

كما انتقد المشيشي استخدام سعيّد لـ”أجهزة الدعاية الرسمية وأبرزها الصفحة الرسمية لرئاسة الجمهورية، والكثير من الروبوتات الإلكترونية التي تسيّر آلاف صفحات التواصل الاجتماعي الافتراضية، والتي يجب أن تكون أولى ملفّات البحث والتقصّي في تمويلها وفي هوية الأجهزة التي تشرف عليها، عندما يرحل نظام سعيّد”.

وفسر تمسّك سعيّد باتّهام المعارضة وأطراف مجهولة بالتسبّب في الأزمات بالرّغم من سيطرته على جميع مفاصل السّلطة بعدة أسباب.

ويتعلق السبب الأول في أنّ سعيد “لا يملك أو لا ينتمي إلى منظومة فكرية عقلانية تمثّل الأرضية أو الخلفية لتصوّره للحكم أو للإشكاليات الاقتصادية والاجتماعية التي يجب تناولها والآليات التي يجب اعتمادها لحل تلك الإشكاليات. وهو لا يمتلك القدرة على الفهم الصحيح لإشكاليات إدارة الدّولة ولا يؤمن بالخبرة أو بالكفاءة ولا يلجأ إلى الاستشارة ولا يعترف بمستشارين، فمن الطبيعي إذن ألا تكون له قدرة على فهم الإشكاليات الحقيقية للطاقة والنقل والتزوّد بالمواد الأولية، ومسالك التّوزيع والصحة… ولا القدرة، بطبيعة الحال، على تصوّر الحلول العقلانية الممكنة لتلك الإشكاليات، وهو ما يمثّل العمل الفعلي والحقيقي للحاكم الذّي يدير شؤون الدّولة والسّبب من وجوده”.

صورة الرجل النظيف

أما السبب الثاني فيتمثل بـ”النّجاح النّسبي لسردية الرّجل النّظيف الذّي جاء من خارج “منظومة الفساد” لإرساء العدالة وإعلاء راية الشّعب وتمكين المهمّشين، والذّي تكتّلت عليه قوى الشّر من الخونة وممّن لا وطنية لهم من أجل الإطاحة به واستبعاده حتّى تعيد الاستحواذ على مقدّرات الشّعب، وهي مستعدّة من أجل ذلك لحرق البلاد حتّى تستعيد مصالحها”.

في المحصّلة، قيس سعيّد لا يملك برنامج حكم ولا يسعى حتّى لوضع برنامج عملي وواقعي لأنّه ليس سوى مشروعا ذاتيا يعمل لخاصة نفسه ولا يسعى إلاّ للبقاء في الحكم

لكنه اعتبر أن صورة الرّجل “النّظيف” المحارب للفساد التي اعتمد عليها سعيد “قد تكون مغرية عند الترشّح للحكم خاصة عند فترات التأزّم السياسي والاجتماعي التي رافقت تونس خلال الانتقال الدّيمقراطي، لكنّ الحكم وإدارة الدّولة يحتاجان إلى الإنجاز وإلى توفير مقوّمات العيش الكريم للمواطن من مرافق عمومية وصحّة وتعليم وبيئة سليمة، لأنّ الحاكم يحتاج إلى سردية تروي المنجز وتعد بالمزيد لا إلى سردية تبرّر للفشل”.

وأضاف: “في المحصّلة، قيس سعيّد لا يملك برنامج حكم ولا يسعى حتّى لوضع برنامج عملي وواقعي لأنّه ليس سوى مشروعا ذاتيا يعمل لخاصة نفسه ولا يسعى إلاّ للبقاء في الحكم مستعملا لذلك شعاراته الشّعبوية التي لا قدرة لها إلا على تحشيد البسطاء، والأجهزة الصّلبة للدّولة”.

من جانب آخر، علق على “حنين” عدد كبير من التونسيين إلى العشرية الماضية التي كان بعضهم يلقبها بـ”العشرية السوداء” وقال إن مردّه الأساسي بؤس الحاضر.

 وأوضح بالقول: “التّونسيون الذين هلّل عدد منهم للانقلاب في 25 تموز/يوليو 2021 تسليما لوهم الرّجل النّزيه المنقذ والمخلّص من أدران “العشرية السّوداء” التي تفنّن الإعلام في شيطنتها رغم أنّه كان أبرز المنتفعين بمناخاتها، اكتشفوا، وكان ثمن هذا الاكتشاف باهظا جدّا، أنّ الانقلابات لا تأتي سوى بالخراب، وأنّ صراخ الشّعبويات والشّعارات الفضفاضة لا تبني دولا ولا تسيّر مرافق عامة ولا تحلّ إشكاليات الحكم”.

ضعف الثقة السياسية

وأضاف المشيشي: “لقد اختبر التّونسيون بدورهم هذه الحقيقة بالرّغم من أنّها حتمية تاريخية وسياسية عاشتها العديد من المجتمعات. ولعلّ ضعف الثّقافة السّياسية والدّيمقراطية وضعف مستوى الوعي العام لدى شريحة كبيرة من التونسيين جعلهم يقعون في “فخّ” قيس سعيّد ومن دفع به إلى المشهد العام في تونس. فمن الطّبيعي جدّا وبعد “الدرس التّطبيقي” لنتائج الانقلابات، وخاصة عندما تقودها شخصية مثل قيس سعيّد، أن يحنّ التّونسيون إلى العشرية الماضية، بل حتّى إلى فترة الرّئيس الرّاحل بن علي أو الزّعيم بورقيبة رحمهما الله”.

واعتبر أن العشرية الماضية و”بالرّغم من كلّ الأخطاء التي رافقتها وترافق عادة كلّ فترات الانتقال الديمقراطي، كانت عشرية عرف فيها التّونسي معنى الحرية ومعنى المواطنة فكان ينتخب بكلّ حرية ممثّليه ويراقب أداءهم وينتقدهم بكلّ شدّة دون أن يخشى السّجون والمعتقلات. وعرفت هذه العشرية تعدّدية سياسية غير مسبوقة أثّثت الفضاء العام وجعلت النّقاش والإفتاء في الشّأن العام متاحا حتّى لمن لم يعرف للمدرسة طريقا في حياته. وتعدّدت الفضاءات الإعلامية بغثّها وسمينها دون أن تخشى رقابة ولا تدخّلا في الخطّ الإعلامي وتكرّس لفائدتها الحقّ في النّفاذ إلى المعلومة”.

واعتبر أنه “من الطبيعي أن يدرك التّونسيون حجم الخطأ الذّي وقعوا فيه بانتخاب قيس سعيّد كرئيس للبلاد وخاصة حجم الخطأ الذّي ارتكبوه في حقّهم وفي حقّ أبنائهم بمباركة انقلابه على مؤسسات البلاد في 25 يوليو 2021. والأدلّ على ذلك أنّه لم يبق من مساند له سوى حفنة من البسطاء والهامشيين الذّين يتمّ استجلابهم لملء مدارج المسرح الوطني بشارع الحبيب بورقيبة في بعض المناسبات حتّى يعطوا انطباعا بالتّعبئة، فلا يعطوا سوى انطباع ببؤس وضحالة منظومة قيس سعيّد”.

وفيما يتعلق بالتقارب النسبي أخيرا بين “أعداء الأمس” (الدساترة والإسلاميون)، قال المشيشي: “التّقارب الوحيد الذي أراه بينهما هو في المصير الذي تخصّهم به منظومة قيس سعيّد من سجون وتنكيل ونفي. فلا يوجد لا تقارب سياسي ولا توحيد للصّفوف ولا للسّاحات كما يحلو القول للعديد من الملاحظين في استحضار لمصطلحات شرقية بعيدة عن الواقع السّياسي التّونسي. وفي الحقيقة أجد هذا الأمر عاديا ففي مواجهة قيس سعيّد لا توجد معارضة بالمعنى التّقليدي للكلمة أي جبهة سياسية مهيكلة تعارض مشروعا سياسيا وتطرح نفسها أو مشروعها كبديل للمشروع القائم وتستعدّ أو تعمل على الوصول إلى حكم بطرق شرعية خلال الموعد الانتخابي القادم. بل توجد معارضات أو بالأحرى معارضين تصدّوا لمقاومة الظّلم والتّنكيل الذّي يرتكبه قيس سعيّد ومنظومته في حقّ البلاد”.

واستدرك بالقول: “الأصحّ هو أن نتحدّث عن المقاومة. والمقاومة، خلافا للمعارضة، لا تعمل من أجل كسب ودّ الشّارع فهي لا تسعى إلى “استدراجه” للتّصويت لها في الانتخابات القادمة، بل تعمل على استنهاض همم المواطنين ودفعهم إلى التصدّي للظّلم والدّفاع عن حقوقهم وإزاحة الدكتاتور الذي استبدّ بالبلاد والعباد وجعل من حياتهم جحيما يوميا. ولا تسعى بالضرورة إلى توحيد الرؤى حتّى نتحدّث عن تقارب. المطلوب من هذه المقاومة هو توحيد الهدف المتمثّل في إزاحة الاستبداد وبناء أرضية مشتركة للعمل السياسي قوامها الإقرار بحق الجميع في الوجود والعمل السياسي تحت سلطة القانون وفي ظل قضاء مستقل”.

فشل المعارضة باستمالة الشارع

وحول “فشل” المعارضة في كسب ثقة الشارع التونسي، قال المشيشي: “التركيز على مدى استجابة تحركات الشارع لدعوات أطراف سياسية ما ربّما يستقيم في مناخ سياسي سليم وديمقراطي، لكنّه لا يؤدي نفس المعنى في الحالة التونسية، حيث عادت البلاد مجدّدا إلى مربّع الخوف من السّجون والملاحقات من أجل الكلمة الحرّة. ثم لا يجب أن ننسى أنّ جميع القيادات السياسية التي من شأنها أن تأطّر التحرّكات الشّعبية وتبلور مضامينها موجودة إمّا في السّجون أو في المنافي، فلا أظنّ والوضع على ما هو عليه أن أعداد المحتجّين في الشّارع يمكن أن تجعلنا نستخلص النتائج حول مدى مقبولية المعارضة السياسية أو مدى شعبية قيس سعيّد”.

أعتقد أنّ من يدعو التونسيين إلى “عصيان مدني” حقيقة هو قيس سعيّد، بالنظر لما أوصل إليه وضع البلاد من بؤس وتردٍ

وأضاف: “المؤكّد أن التونسيين ومهما كانت توجّهاتهم الفكرية أو السياسية قد ضاقوا ذرعا بالشّعارات التي يطلقها قيس سعيّد والتي لم يقابلها على أرض الواقع سوى المزيد من الفقر والمزيد من ضنك العيش”.

وكان الرئيس السابق منصف المرزوقي دعا التونسيين قبل أيام إلى “عصيان مدني” لاستعادة النظام الديموقراطي في البلاد.

وعلق المشيشي بالقول: “أعتقد أنّ من يدعو التونسيين إلى “عصيان مدني” حقيقة هو قيس سعيّد، بالنظر لما أوصل إليه وضع البلاد من بؤس وتردٍ ووضع التونسيين من ظلم وهوان وخصاصة، وخاصّة بالنظر إلى انسداد أي أفق لتسوية سياسية مرنة تعيد الأمل في إصلاح ما دمّره هو ومنظومته. فمن يعتقد أنّ قيس سعيّد سوف يغادر الرئاسة بانتخابات تأتي بغيره، أو بمقتضى ترتيب أو توافق سياسي يتنحّى بمقتضاه ليفسح المجال لإعادة ترتيب البيت التونسي هو واهم ولم يفهم بعد الميكانيزمات التي تحدّد تفكير قيس سعيّد وتحركات المنظومة التي تمسك به”.

وأكد أن سعيد “يعتبر الحوار تآمرا وخيانة. ويعتبر أنّه صاحب رسالة تبشيرية وكلّ من يجادله أو ينتقده خائن ومكانه السّجن. فهو لا يتمثّل مهمّته بمنطق سياسي يقتضي المرونة والقدرة على إدارة الاختلاف، ويقتضي المسائلة والمحاسبة على المنجز، بل يعتبر نفسه في مهمّة “دينية” مستعدّ “للاستشهاد” في سبيلها. كما أنّه أوصل الخلاف والاحتقان داخل البلاد إلى مرحلة اللاعودة. وهو بذلك يدرك أنّ تراجعه خطوة إلى الوراء سيعجّل بنهايته وسيفتح الباب لمحاسبته هو وجماعته. لذلك فإنّ تمسّكه بالسّلطة رغم كلّ الفشل وكلّ البؤس الذّي تسبّب فيه للتّونسيين لم يعد مجرّد تمسّك بمغريات ومزايا الحكم، بل أصبح بالنّسبة إليه وإلى جماعته مسألة حياة أو موت”.

نزع الشرعية عن النظام

واعتبر المشيشي أن “أخطر ما ارتكبه قيس سعيّد ضد الدّولة ككيان قانوني هو أنه تسبّب في نزع الشّرعية عن السّلطة الحاكمة. فالنّظام الحالي في تونس فاقد للشّرعية وللمشروعية وهو ما يفسّر في جانب منه عزلته الدّولية. هو فاقد للشّرعية انطلاقا من 25 يوليو 2021 يوم خرق الدستور واستعمل المؤسسة العسكرية في غير ما أحدثت من أجله، ودفع بها إلى الخروج عن القانون واستعملها لمحاصرة المؤسسات الدستورية وحلّها ومن ثمّ ملاحقة القائمين عليها. ليتأسس بذلك حكمه على انقلاب مكتمل الإركان. وهو كذلك فاقد للشرعية بناء على بطلان الانتخابات التي أجراها في تشرين الأول/ أكتوبر 2024 والتي لم تحترم أدنى معايير النّزاهة والشّفافية”.

وأضاف: “يكفي النّظر إلى وضعية التّونسيين بعد خمس سنوات من الانقلاب لنفهم أنّ هذا النّظام لا مشروعية له. فحتّى أكثر المتملّقين والانتهازيين يعجز عن ذكر منجز إيجابي وحيد غيّر حياة التّونسيين نحو الأفضل”.

وتساءل: “هل يستحقّ هذا النّظام من التّونسيين أيّ احترام؟”.

وأجاب بقوله: “إنّ واجب احترام القانون والانصياع له المحمول على المواطن وعلى أجهزة الدّولة مرتبط أساسا بشرعية النّظام الذّي يدير الدّولة وبشرعية مؤسّساته، ثمّ في مقام ثان بمشروعيته أي بمقبوليته المستندة إلى منجز اقتصادي أو اجتماعي أو تاريخي، والمستندة إلى ما يقدّمه من مواطنين من خدمات وما يوفّره لهم من رعاية. وهذان العنصران هما اللذان يؤسّسان لاحتكار الدولة لوسائل القوة الشرعية ولاستعمالها طبقا للقانون من جهة، ومن جهة أخرى للواجب المحمول على المواطنين في احترام قوانين الدّولة وتراتيبها، وفي تمويلها عن طريق الضّرائب والأداءات التي يدفعونها”.

وأضاف: “لكنّنا في تونس ومع قيس سعيّد أصبحنا إزاء نظام فاقد للشّرعية وفاقد للمشروعية وجعل من حياة التّونسيين جحيما بحرمانهم من أبسط مقوّمات العيش الكريم، ومع ذلك يواصل التّنكيل بهم في السّجون والمحاكم! هل في مقابل هذا يدفع التّونسيون ضرائبهم؟ هل يدفع التّونسيون من أموالهم رواتب رئيس افتكّ كافة الصّلاحيات في البلاد واحتكر كلّ السّلطات ليشتكي لهم قلّة الحيلة أو ليستهزأ بهم ويحدّثهم عن جرير والفرزدق عندما يموت أبناؤهم اختناقا بالتلوّث أو غرقا في عرض البحر أو عندما يموت مرضاهم لعدم توفير الدّواء؟”.

العصيان المدني في ظلّ هذه الأوضاع هو أرقى سبل الاحتجاج السّلمي والتّعبير عن رفض التّونسيين لأن يقع التّنكيل بهم والاستهانة بمصيرهم والاستهزاء بهم

واعتبر المشيشي أنّ العصيان المدني في ظلّ هذه الأوضاع هو “أرقى سبل الاحتجاج السّلمي والتّعبير عن رفض التّونسيين لأن يقع التّنكيل بهم والاستهانة بمصيرهم والاستهزاء بهم. وهو إحدى الوسائل المشروعة لتنحية قيس سعيّد والقطع مع منظومته الّتي لم ير معها التّونسيون سوى الفقر والخراب. أمّا الّذين ينتظرون انفتاحا من هذه المنظومة أو يسعون إلى التّفاوض لتحسين ظروف الاستبداد، فأدعوهم إلى أن يستيقظوا من أوهامهم وأن يقرؤوا التّاريخ جيّدا وأن يقرؤوا نفسية الرّجل قراءة متمعّنة ليتأكّدوا أنّه لا أفق لتونس إلاّ بإزاحة قيس سعيّد واقتلاع منظومته ومحاسبتهم”.

تدخل الجزائر في تونس

وكان الرئيس الجزائري عبد المجيد أكد في وقت سابق أن الجزائر ستتصدى لأي محاولة لجلب الإرهاب إلى جارتها الشرقية، وهو ما اعتبره سياسيون تونسيون تدخلا في الشأن الداخلي.

وعلق المشيشي بالقول: “لم أتفاجأ بهذه التّصريحات بقدر ما تألّمت للهوان الذّي أوصل إليه نظام قيس سعيّد تونس حتّى جعل منها ملفّا تتناوله أنظمة أجنبية وتستعمله في حسابات تموقعاتها الجيوسياسية وفي سعيها إلى دور إقليمي يضع تونس ضمن مجال نفوذها كما لو كانت دولة منزوعة السّيادة أو شعبا هائما على حدودها الشّرقية يبحث له عمّن يحميه ويضعه تحت جناحه. لم يفاجئني هذا التّصريح بما أنّ حضور الشّأن التّونسي في تصريحات الرّئيس تبّون والعديد من المسؤولين الجزائريين البارزين أصبح متواترا بشكل ملفت”.

وأضاف: “كنت سأرحّب بموقف الرئيس الجزائري لو كان في اتّجاه اعتبار الاعتداء على أمن تونس هو اعتداء على أمن الجزائر، وهو موقف كان من الممكن تفهّمه بالنّظر إلى ما يجمع البلدين والشّعبين من روابط تاريخية وجغرافية وثقافية. كما كنت سأثمّن موقف الرّئيس الجزائري لو أكّد على ضرورة التّعاون في مواجهة الإرهاب وكلّ أشكال التّهديدات الأجنبية الّتي تستهدف منطقتنا. لكنّني أرفض وبشدّة منطق الوصاية الذي تحدّث به عن تونس والذي يستنقص من سيادتها ويضعها في موضع القاصر الذي يحتاج إلى الحماية”.

وأكد المشيشي أن هذا الموقف للنّظام الجزائري يأتي عقب “سلسلة من التّصريحات التي تتضمّن إشادة ودعما مباشرا لنظام قيس سعيّد الذي قوّض مسار الانتقال الدّيمقراطي وتميّز عهده بقمع شديد وتضييق واسع على الحرّيات وظلم وتنكيل طال العديد من الشخصيات الوطنية والسياسية التي تحظى بالاحترام حتّى في الجزائر نفسها”.

وأضاف: “مع التّأكيد على رفضي المبدئي والقاطع لكلّ أشكال التدخّل في الشّأن التّونسي، أرى أنّ الجزائر وإن كان لا بدّ لها من موقف تجاه الشّعب التّونسي قد تحتّمه ربّما روابط الأخوّة الّتي طالما جمعت الشّعبين، فإنّه يجب أن ينتصر لقيم الدّيمقراطية والعدالة والحرّية ويشجّع على إنصاف المظلوم، لا أن يناصر نظاما مستبدّا نكّل بالتّونسيين وجعل من حياتهم جحيما”.

وحول حديث تبون عن القضاء عمّن يحاول أن يجلب الإرهاب إلى تونس، قال المشيشي: “لنكن صرحاء. من أين كان يدخل الإرهاب لتونس لعدّة سنوات؟ ألم يعشّش الإرهاب على حدودنا الجبلية مع الجزائر؟ من كان أبرز القياديين في المجموعات الإرهابية المتمركزة على الحدود بين تونس والجزائر وأكثرهم دموية ؟ ما كانت جنسيتهم؟”.

تصريحات تبون خارج السياق

وأضاف: “أعتقد أنّ تصريحات الرّئيس تبّون كانت خارج سياق العلاقات الأخوية التي تجمع الشّعبين التّونسي والجزائري، لذلك فقد جوبهت برفض واسع لدى شريحة هامة من التّونسيين الذّين يرفضون أن تداس كرامتهم وأن يتدخّل في شؤونهم نظام يسعى إلى بسط نفوذه في المنطقة بكلّ السّبل. فتونس وبالرّغم من مشاكلها الدّاخلية هي دولة ذات سيادة حتّى وإن أصابها الوهن بسبب سوء إدارتها السّياسية الحالية، وهي تعوّل على شعبها وعلى قوّات أمنها ومؤسّستها العسكرية للتصدّي للإرهاب ولكافة محاولات السّيطرة على مصيرها واستقلال قرارها”.

أعتقد أنّ تصريحات الرّئيس تبّون كانت خارج سياق العلاقات الأخوية التي تجمع الشّعبين التّونسي والجزائري، لذلك فقد جوبهت برفض واسع لدى شريحة هامة من التّونسيي

واستدرك بالقول: “لكن بقدر ثقتي في الشّعب التّونسي وفي مؤسّساته الأمنية والعسكرية للتصدّي لأيّ محاولات للتدخّل الأجنبي، فإنّني على يقين من أنّ قيس سعيّد ونظامه لن يتردّد في الاستقواء والاستنجاد بالنّظام الجزائري، حليفه الوحيد ونصيره المعلن، لو أحسّ أنّ وجوده أصبح مهدّدا بسبب عجزه و فشله وبسبب تصاعد الاحتجاجات ضدّه. فأنا أعرف أنّ قيس سعيّد وحين يتعلّق الأمر ببقائه في كرسيه مستعدّ لكلّ التنازلات، فلا تغرّنكم شعاراته الكاذبة وصراخه المسرحي بعبارات السيادة والرّاية الوطنية، فقد تكسّرت هذه الشّعارات وبان زيفها عند أوّل امتحان عندما سارع بسحب مشروع قانون تجريم التّطبيع من مجلس النّواب”.

واعتبر أن النّظام التّونسي أو الجزائري لن يحتاجا للاتّفاقية المزعومة التي تبيح للجيش الجزائري التدخّل لحماية النّظام التّونسي، “فقد سبق للبرلمان الجزائري أن أدخل تعديلا دستوريا يسمح بمقتضاه للقوات العسكرية الجزائرية بالتدخّل خارج حدودها، ودخلت هذه العقيدة الجديدة للجيش الجزائري حيّز التّطبيق في 30 أغسطس من هذه السّنة بإرساله تشكيلة عسكرية جوية إلى النّيجر لدعم السّلطة العسكرية القائمة هناك في مواجهة محولة انقلاب عسكري”.

وأضاف: “فيكفي أن يتعلّل قيس سعيّد كما يفعل دائما بالمتآمرين الذّين يريدون اغتياله وأن يتعلّل النّظام الجزائري بوجود تهديد إرهابي على حدوده الشّرقية حتّى يحسم الأمر. وتأكّد أنّه لو حصل ذلك، فستجد في تونس ممّن باركوا تصريحات الرّئيس تبّون من سيهلّل للتدخّل الجزائري ويطلق كليشيهات التّبرير المعتادة من قبيل الأخوّة ووحدة المصير والشّقيقة الكبرى وما إلى ذلك من مصطلحات جوفاء أثبتت المصالح السياسية زيفها”.

واستدرك بقوله: “لكنّ المؤكّد أنّ تونس ليست النّيجر. ولن يقبل شعبها إلا بالحرّية ولن يفرّط في سيادته لأيّ كان، ولنا في التّاريخ عِبَر. فقد كسرت إرادة التّونسيين الأحرار كلّ محاولات التدخّل الخارجي من أحداث قفصة في 1980 إلى أحداث بن قردان في 2016”.

 لكنه اعتبر أن استقرار تونس والجزائر لا ينفصل أحدهما عن الآخر، “إلا أن هذا الاستقرار لا يبنى إلا على دول وأنظمة ديمقراطية وقوية بمؤسسات وتحترم إرادة شعوبها وحرّيتها وسيادتها”.

ودعا النظام الجزائري إلى “احترام نضالات التونسيين من أجل الحرية والكرامة وعدم الاصطفاف مع نظام أضحى عبئا على تونس ولم يعد له من أفق سوى مزيد من التّنكيل والظّلم قبل السّقوط المدوّي آجلا أو عاجلا. وستعود تونس إلى مسار الحرية والعدالة وستبقى على عهدها في احترام روابط الأخوّة التّاريخية مع الشّعب الجزائري الشّقيق ومع كلّ شعوب المنطقة ودول الجوار”.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *