لا يمكن توقع الكثير من المخرج البريطاني ريدلي سكوت. هو اسم، مثل ستيفن سبيلبيرغ، أهم من أفلامه، وبات يصنعها بتكرار لمستوياتها من دون تخطٍّ لها بآخر جديد. قد يكون للعمر دور هنا، لكن يُحسب لسكوت، أساساً، مواصلته إخراج الأفلام في عمر 88 عاماً. لكن، وإن لم تتميز أيٌّ من أفلامه الأخيرة، بل عموم إنتاجه، فإن فيلمه الأخير «نجوم الكلب» لم يكن سيئاً، وهذا التوصيف، «أن لا يكون سيئاً» في سينما سكوت، هو رأي إيجابي.
لا يمكن تخطي اسم سكوت في الحديث عن السينما التجارية، البلوكبستر، السينما الرابحة في صناديق التذاكر، لا في المهرجانات ومحافل الجوائز. هو، في هذا المنطق، أحد المخرجين الكبار، وذلك ما يجعل أحدنا، مجدداً، يذهب إلى السينما لمشاهدة أي فيلم جديد يمكن أن يخرج له. ويبقى أحدنا، كذلك، يتحسّر على ما بدا فيلماً واحداً خارجاً عمّا طبعَ مسيرة سكوت الممتلئة بالأفلام التسطيحية. فيلم واحد هو في رأيي عنوان دائم في أي لائحة لأفضل الأفلام في التاريخ، «ثيلما ولويز» (1991).
هذا كله جعل مخرجاً مثل سكوت ينال جوائز تكريمية عدّة، عن مجمل عمله السينمائي، من دون أن تنال أعمال بعينها له جوائز معتبرة. هذا ما يجعلني أقول عنه ما قلته عن سبيلبرغ وآخرين، إنه مخرج أهم من أفلامه. لكن، يبقى في فيلمه الذي نزل إلى الصالات أخيراً، «نجوم الكلب» (The Dog Stars)، ما يمكن أن يجعل أحدنا أكثر تسامحاً معه، من دون أي إعجاب خاص.هو فيلم آخر من الأفلام القيامية، الأبوكالبتيّة، هناك حيث نهاية العالم من بعد جائحة صحية ضربت الكوكب وقضت على الجنس البشري، إلا ناجين قلائل من بينهم كان أبطال الفيلم. يعود الناس إلى غريزة القتل للبقاء، رجلان يعيشان معاً يحرس أحدهما الآخر ليلاً، أحدهما يقرر المغادرة للبحث عن أماكن أخرى للعيش، خارج الغابة التي يتمركزان فيها. يحلق مع كلبه بطائرته إلى المدينة المدمّرة الفارغة من أجل البنزين والطعام والأدوية، الآخر يصنع الرصاص بنفسه، فالبلاد، الولايات المتحدة، فرغت من الرصاص وصار الناس يتعاركون بالنصل والقوس والفأس. ثم سيطير ويقع ويجد نفسه عند ناجين آخرين، رجل وابنته، سيبقى هناك، سيغامرون إلى مكان آخر، وتتطور الأحداث في المحاولة الدائمة للنجاة.
لا بد لأي مخرج أن يفكر مراراً قبل الخوض في أفلام قياميّة، وذلك للكمية والنوعية المتوافرين لهذه الأفلام، وهي تتجانب مع أخرى كأفلام الجوائح وأفلام الزومبيز، وغيرها مما يتعامل مع فناء البشرية ونجاة البعض البادئين ربما نسلاً بشرياً جديداً.
ثم، إن ما يعيشه الكوكب اليوم، من كوارث بيئية واحتمالات حربية، نووية أو غيرها، تجعل من صنع فيلم يتناول ذلك، تحدياً في السقف الممكن له، للخيال السينمائي، أن يرفعه. وليس بعيداً عن ذلك، قدّم فيلمُ ريدلي سكوت إسقاطات سريعة للعالم الراهن. ففي شرط حياتي كهذا، يكون سهلاً فصل الأخيار عن الأشرار، بل طبيعة أفلام كهذه قد تتطلب ذلك، لتطرف الظرف الإنساني خلاله، فأمام الأخيار، وهم أربعة، يوجد ثلاثة أنواع من الأشرار: مجموعة بيضاء صلعاء أشبه بعصابات النازية الجديدة، يهجمون بكثرة الجراد وشراسة الضباع، ومجموعة من المتوحشين التقليديين، الأشبه بالهنود الحمر في إرث السينما الهوليوودية، كذلك لا يقلّون دموية وتدميراً عن الآخرين، لكن الأبرز في سير الفيلم، في انعطافته الكبرى، كان أمريكيون مدنيون وعسكريون، متحضّرون، كأنهم آخر الناجين من البشر، متمركزين في موقع عسكري، يعيشون ضمن مجتمع مغلق، محتمين كما يبدو من الوحوش الآخرين. هؤلاء الذين ذهب الناجون، الطيّار والرجل وابنته، ليحتموا عندهم، وجدوا فيهم شراً يفوق ما لدى المجموعتين المتوحشتين أو يوازيها. كان شراً، ورغبة في القتل، إنما ببدلة أنيقة وكلام منمّق. هم أقرب ليكونوا تمثيلاً لإدارات الولايات المتحدة المتعاقبة.
بمعزل عن هذا الإسقاط السياسي الراهن، في أن الكارثة القيامية يمكن أن تكون على أيدي بشر لا وحوش، أو وحوش أشبه بالنازيين الجدد، أو الوحوش التقليديين، فإن الفيلم لن يجد لنفسه مكاناً بين أفضل الأفلام القيامية، أو تلك التي تتناول فناء البشر، لكنه يبقى فيلماً جيداً، بل إنه ممتع وبمناظر جميلة، من دون تطلّب أحدنا أكثر من لحظات المُشاهدة. وهو بمتعته اللحظية، كان بإسقاطات سياسية راهنة، تساوي بين إدارة أمريكية ونازيين جدد. لا يخرج أحدنا منه منزعجاً، فإضافة إلى مَشاهد للجبال الخضراء، المناقضة لدمار المدينة الشبحية، فإن له موسيقى جيدة، وللفيلم محاولات تجديدية في تصوير القتال. لكنه يبقى فيلماً آخر حيث يقتل الفرد الخيرّ عشرات الأشرار في دقائق، وحيث مركز العالم لا يكون سوى في الولايات المتحدة، هناك حيث تهبط الكائنات الفضائية، هناك حيث ينتهي العالم، هناك حيث يكون الناجون، هناك حيث تنشأ بشرية جديدة.

كاتب فلسطيني/ سوري