نجمان وأغنيّة في سلّة النّسيان


عندما التقيت الشّاب خالد، قبل سنوات، تبادر إلى بالي الدويتو، الذي جمعه بعمرو ديّاب، فقد كان أوّل عمل يجمعه بمغنٍ من مصر، وسألته عنه فأجاب بطريقته المعهودة، بدأ الكلام بضحكة عريضة، كأنني نطقت نكتة، وقال: «بريكولة»، وهذه كلمة من العاميّة تعني: «عمل بسيط». وكأن الرّجل لم يكن راضيا عن الأغنية، قبل أن يتدارك: «عمرو دياب حبيبي». بما يوحي أن مشاعره متضاربة من التّعاون الذي جمع بينهما، والحقّ يُقال إن الثّنائية التي تشاركا في أدائها لم تؤدي إلى النتائج المرجوة منها، لم تلق بنجمين في مقامهما، فليس بالضرورة أن يجتمع نجمان خلف ميكروفون واحد ثم يخرجان بعمل يظلّ راسخًا في الأسماع.
والدّليل أن أغنية «قلبي»، التي قرّبت بينهما سرعان ما ذابت مع السنين، ولم تعتبر من الأعمال التي يعتدّ بها. بل لا يذكرها سوى من عايش تلك الحقبة، ومن المحتمل أنّها أغنية مجهولة للأجيال الجديدة.
مع العلم أننا نتحدّث عن مغنين اثنين اقتسما الشهرة في العالم العربي وخارجه، كلّ واحد منهما استوى في مرتبة الملك في بلده. وعندما اجتمعا في أستديو التّسجيل جاءت النتيجة عكس المتوقّع.
ويبدو أن أغنية «قلبي» التي تشاركا فيها، قد ولدت بشكل متسارع، من غير تخطيط محكم، وكأنها عمل جاء إثر ظرف طارئ أو بناءً على صدفة. ولا واحد منهما راهن عليها في مسيرته.
ففي عام 1999، عندما التقى الرّجلان للمرّة الأولى في مصر، كان عمرو دياب أو «الهضبة» كما يطلق عليه، قد خرج من نجاحين مبهرين، بفضل أغنيتين: «نور العين» ثمّ «عوّدوني».
كما جاء من جولة فنية في أوروبا بينما أغانيه تحوّلت إلى ريمسكات بلغات غير عربية. وكرّس اسمه كواحد من أسماء الصفّ الأوّل في البوب العربي.
بينما الشاب خالد خرج من نجاحه المرموق في حفلة «ثلاثة شموس» الشهيرة في باريس، كما أن أغانيه كانت قد طافت مصر والبلاد العربية في مجملها، لا سيما «دي دي»، «عيشة» و«الشابة». فصار يحمل بلا منازع لقب ملك الرّاي، تلك الموسيقى التي خرجت من الأرياف في الجزائر ثم احتلت الأذان خلف الحدود.
من الوهلة الأولى نظنّ أن اللقاء بين الفنّانين هو لقاء بين هرمين يقتسمان الجماهير من المغرب العربي إلى المشرق العربي، كما يقتسمان المحبيّن في أوساط الجاليات العربية في أوروبا وأمريكا.
إنّ الحدث استثناء وكان من المتوقّع أن ينجم عنه عمل يكسر الأرقام، لكن العطب الأوّل أنهما التقيا من غير تفكير في اللحن الذي سيعتمدان عليه. في الأثناء كان «الهضبة» بصدد إتمام تسجيل ألبوم «قمرين»، وأصغى خالد إلى الأغنية التي تحمل العنوان نفسه (تلحين شريف تاج)، فأعجبته وقررا أن يعيد توزيع اللحن بشكل طفيف، بعدما أدخل عليه خالد وصلات من الرّاي، مع العلم أن اللحن في المجمل استقام على تلحين أليكتروني مع إدخال آلة وترية واحدة هي الكمنجة. وهذه هي المجازفة التي رضيا بالولوج إليها، بأن يضمّ عمرو ديّاب في ألبوم واحد أغنتيين من تلحين متشابه.
فعندما نصغي إلى أغنية «قلبي» نجد أنها تتطابق إلى حدّ بعيد مع لحن «قمرين»، والتغيير يتأتى من الأداء الصوتي للشاب خالد الذي أضاف إليه نبرة من الرّاي.
تقع أغنية «قلبي» في البرزخ الفاصل بين الرّاي والبوب المصري، تودّ التقريب بينهما من غير جدوى، ويظهر أن لا واحدا من المغنين كان مرتاحًا في أثناء التسجيل، مع أن فيديو قديم يظهرهما في مرح وضحك لحظة العمل في الأستديو، لكنه مرح يضمر قلقًا من الدّاخل، لأن عمرو دياب تعوّد فيما سلف على أداء فردي لأعماله، احتكر لنفسه الصوت وقيّادة الإيقاع، بينما المغني الجزائري من جهته تعوّد مشاركة مغنين من بلده أو من فرنسا، وكانت هذه تجربته الأولى في مصر وفي المحيط العربي بالإجمال.
وحالة عدم الارتياح التي لم يكشفان عنها تتجسد بالخصوص في طبيعة اللغة التي اختاراها في الأداء، وهي كلمات بلغة عربية سهلة، لا هي جزائرية ولا مصرية بالكامل، بل أرادوا منها لغة يتيسر أن تتسرّب إلى المستعمين، بغض النّظر عن منشأهم، وهذا الأمر لا يتناسق مع مزاج خالد الذي تعوّد على عاميّة في الكلمات مع تطعيمها بلغة فرنسية من حين لآخر.
إذن انتصب بينهما حاجز اللغة، وعلى طول أربع دقائق ونصف الدقيقة مدة الأغنية كان كلّ واحد منهما يؤدي المقاطع المنوطة به وكأنما يقرأ من ورقة وليس حفظًا للكلمات، بدا عليهما وكأنهما يتحاوران، ينطق الأول بجزء ويتمّ الآخر الجزء التّالي من الجملة، وكأنهما في تحادث وليس في عمل فنّي، وكأن المتلقي مضطر أن يتقبّل هذه اللعبة بين الطرفين، من غير أن يطغى صوت واحد منهما على الآخر، بل طغى عليهما الملل. ولهذا السبب يتراءى أن «الهضبة» سرعان ما تنازل على هذه الأغنية التي راهن عليها بقوة، فلم يصوّرها في فيديو كليب من أجل الترويج للألبوم، بل فضّل أن يصوّر بدلًا عنها أغنية «قمرين»، مع أنه كان من السهولة تصوير الأغنية الأخرى بالمقاييس نفسها، بالإيقاع الراقص ذاته والمزاج نفسه في الديكور.
فعمرو دياب لم يتوان في استعادة هيمنته على أعماله، يفضل صوته منفردا في الغناء بدل أن يرافقه صوت آخر. كيف يعقل أن تنازل عن دويتو مع مغنٍ جمعه بقامة فنية في ذلك العام؟ لقد كان دياب براغماتيًا في الخيار، آثر النّوعية على الشهرة، أن يظلّ وافيًا للتقاليد التي عرفه به الجمهور قبل عام 1999.
لقد أدرك أن تعاونهما لم يكن في حجم التّوقع، وكذلك الشاب خالد لم يخطئ عندما وصف العمل بكلمة «بريكولة». ثم صدر ألبوم «الهضبة» عقب ثلاثة أشهر من تسجيل الأغنية، من غير أن يحدث الزلزال المرجو منه.
إن أغنية «قلبي» يمكن أن نصغي إليها مرّة ثم نمضي فننسى أثرها، لو أن وراءها مغنيّان آخران، ليسا في حجم الشاب خالد وعمرو ديّاب لما سمع عنها أحد.

كاتب من الجزائر



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *