موسيقى 2016 تعود… هل نشتاق إلى الأغاني أم إلى أنفسنا؟


تظهر خلال صيف 2026 موجة حنين إلى عام 2016، وانتشرت عبارة «2026 هو 2016 الجديد». تحولت إلى ترند عالمي وتجاوزت العودة الموسيقى إلى الأزياء والصور وطرائق استخدام شبكات التواصل، وكأن عقدا واحدا كان كافيا ليصبح زمن قريب من ذاكرة ثقافية تستحق الاستعادة.
يرتبط جانب واضح من الظاهرة بجيل زد، الذي عاش طفولته أو مراهقته في تلك السنوات. وبين 2016 و2026 عبر هذا الجيل تحولات قاسية كجائحة كورونا والعزلة، والاضطرابات الاقتصادية والسياسية، وتصاعد الخوف المناخي، ثم الانتشار السريع للذكاء الاصطناعي وقدرته على صناعة الصورة والصوت والموسيقى. لذلك يمكن فهم العودة إلى 2016 كحنين إلى زمن سبق هذه التحولات المتلاحقة.
الموسيقى هي الواجهة الأوضح. فاليوم تعود إلينا أغنية «حياة مترفة» للمغنية السويدية زارا لارسون حضورا واسعا بعد نحو عقد من صدورها، وعادت معها أعمال مثل «أقرب» لفرقة «ذا تشين سموكرز» بمشاركة هالسي، و «رقصة واحدة» لدريك، و«آسف» لجاستن بيبر، و«باندا» لديسايغنر و«ملكة الفخ» لفيتي واب. كما استعاد فنانون ومشاهير صورهم وأزياءهم ومرشحات الصور التي ميزت تلك المرحلة.

لكن لماذا 2016 ؟

ربما أصبح ذلك العام في الذاكرة الرقمية حدا رمزيا بين عالمين. كانت الهواتف والمنصات حاضرة بقوة، لكن الذكاء الاصطناعي التوليدي، لم يكن يدفعنا إلى التساؤل يوميا: هل هذه الصورة حقيقية؟ هل هذا الصوت بشري؟ كانت الأغنية التجارية تخضع لصناعة وتسويق واسعين، لكنها لم تكن تواجه كل يوم سيلا هائلا من المقاطع القصيرة والمحتوى سريع الاستهلاك. لا يعني ذلك أن 2016 كان زمنا مثاليا؛ فقد عرف الحروب والانقسامات والأزمات. الذاكرة تنتقي ما تحتفظ به: تبقى أغنية وصداقة وصورة حفلة أو لحظة سعيدة وتتراجع أخبار وأحداث كانت تملأ الشاشات في وقتها.
هنا يلتقي الحنين الموسيقي بخيبة أوسع. جيل شاهد احتجاجات وثورات وحركات شبابية، ورأى حكومات تسقط وآمالا كبيرة تولد في بلدان مختلفة، ثم تابع تعثر تجارب كثيرة وتبدد وعود وعودة قوى قديمة بأشكال جديدة وأصبحت العنصرية واقعا يعاش. وفي أماكن أخرى تحققت بعض المطالب، لكن لحظة الاحتجاج لم تتحول دائما إلى تغيير طويل الأمد. ليس لجيل زد تجربة سياسية واحدة، غير أن المسافة بين أحلام شبابه والعالم الذي يعيشه اليوم تبدو جديرة بالتأمل.
جاءت كورونا فصنعت قطيعة أكثر حادة وقاسية. أغلقت المدن، وأصبحت الدراسة والعمل والصداقة والفن تمر عبر الشاشات. بالنسبة إلى شاب كان في الثالثة عشرة أو الخامسة عشرة عام 2016، تحمل الأغنية القديمة اليوم شيئا من زمن كان فيه الخروج عاديا، والعناق طبيعيا، والحفل الموسيقي تجمعا لا تحيط به ذاكرة الإغلاق والخوف. ثم دخل الذكاء الاصطناعي التوليدي حياتنا بسرعة هائلة. أصبحت الصورة تُصنع دون كاميرا، والصوت يُستنسخ، والأغنية تُنتج بمشاركة الآلة، والوجه يُجمّل أو يُشوّه ويوضع في مشاهد لم يدخلها صاحبه وحتى القصيدة تُصنع. صرنا نسأل عن أصل ما نراه ونسمعه: من صنعه؟ هل الصوت حقيقي؟ هل الصورة حدثت أصلا؟
أمام هذه الالتباسات تبدو أغنيات 2016 آتية من عالم كان الحد الفاصل فيه بين الإنسان والآلة أوضح. ومع أنها خرجت من صناعة موسيقية تجارية ضخمة، فإنها ترتبط في الذاكرة بزمن كان المستمع فيه أكثر اطمئنانا إلى حقيقة الصوت والصورة.
وكانت لموسيقى تلك المرحلة خصائص تساعدها على العودة. ازدهرت الموسيقى الراقصة والإلكترونية، وانتشرت الأغنيات القائمة على لحن مباشر ولازمة سهلة الحفظ. امتزج الغناء الشعبي الغربي أحيانا بإيقاعات أفريقية وكاريبية، فعبرت بعض الأعمال بين ثقافات وجماهير مختلفة. الإيقاع واضح، واللحن سريع الالتصاق بالذاكرة، واللازمة تبقى سنوات. وربما لهذا تستعيد هذه الأغنيات حياتها بسهولة بعد عقد.
وعندما عادت زارا لارسون إلى الواجهة بأغنيتها القديمة، بدا الجمهور كأنه يعيد اكتشاف ذاكرته المنهوبة من خلالها. وفعل مشاهير ومؤثرون ما يفعله ملايين الناس، عادوا إلى صور 2016 وأزيائها وملامحها. قد يفتح أحدنا أرشيف هاتفه، يرى وجهه قبل عشر سنوات ويسأل: أين ذهب ذلك الشخص؟ ويضيف المناخ معنى آخر لهذا الحنين. كانت أزمة المناخ قد بدأت قبل 2016، لكن آثارها أصبحت أكثر حضورا وقسوة؛ فموجات حر، وحرائق، وفيضانات، وجفاف، وأرقام قياسية متلاحقة للحرارة.
الصيف الذي ارتبط في كثير من الأغنيات بالعطلة والبحر والحب أصبح يحمل أيضا الخوف من الحرائق والحر الشديد ونقص المياه.
لهذا تحمل عبارة «2026 هو 2016 الجديد» شيئا من المفارقة. فالأغنية لن تعيدنا إلى العالم السابق أو الماضي الجميل، ولن تُوقف سرعة الذكاء الاصطناعي، ولن تجعل الطقس يكون لطيفا. لكنها ربما تجعلنا نستحضر لحظة مضت وتكشف مقدار ما تغير خلال عقد واحد. ربما قد لا نشتاق إلى أغنيات 2016 لكننا نشتاق بالتأكيد إلى أنفسنا عندما سمعناها؛ إلى زمن سبق الخوف وهيمنة الخوارزميات.
لم تبقَ موجة الحنين إلى 2016 حبيسة شبكات التواصل، فقد ناقشتها صحف ومجلات عالمية مثل «واشنطن بوست» و«ذا ويك» و«فانيتي فير»، وتفاعل معها فنانون ومشاهير. وهكذا تحولت استعادة الأغنيات والصور والأزياء القديمة إلى ظاهرة ثقافية تطرح سؤالا أوسع عن علاقة جيل كامل بذاكرته وزمنه وتحولات عالمه.

كاتب يمني



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *