موريتانيا في قلب معركة كسر الحصار ومواجهة القرصنة الإسرائيلية للسفن المتجهة إلى غزة



عبد الله مولود

نواكشوط –«القدس العربي»: لم يعد البحر الأبيض المتوسط مجرد ممر مائي يفصل بين الضفاف، بل تحول في الأيام الأخيرة إلى ساحة اشتباك سياسي وأخلاقي مفتوح، بعدما اعترضت قوات الاحتلال الإسرائيلي سفن «أسطول الصمود العالمي» المتجهة إلى غزة، واحتجزت عدداً من النشطاء والصحفيين المشاركين فيه، في خطوة فجرت موجة إدانات واسعة وأعادت ملف الحصار البحري المفروض على القطاع إلى واجهة الاهتمام الدولي.
وفي قلب هذا المشهد، برز الحضور الموريتاني بقوة، ليس فقط من خلال المشاركة الميدانية لعدد من النشطاء والصحفيين، وإنما أيضاً عبر حالة التعبئة الشعبية والسياسية الواسعة التي رافقت القافلة، والتنديد الحاد بما وصفته الهيئات الموريتانية بـ «الاختطاف والقرصنة البحرية» التي نفذها الاحتلال في المياه الدولية.
ولم يكن البيان الصادر عن «تنسيقية الصمود الموريتانية» مجرد موقف تضامني عابر، بل حمل رسائل سياسية واضحة تعكس حجم الارتباط الشعبي الموريتاني بالقضية الفلسطينية، وتؤكد أن المشاركة في «أسطول الصمود» تمثل، بالنسبة لقطاع واسع من الرأي العام الموريتاني، امتداداً طبيعياً لمواقف تاريخية داعمة لفلسطين ورافضة للحصار والحرب على غزة.

مشاركة لافتة

وضم الوفد الموريتاني المشارك في الأسطول كلاً من الدكتور محمد باب سعيد، والمهندس إسلم ولد المعلوم، والناشط الطلابي الشيخ ولد محمد، والصحافي أحمد ولد جدو، وهي مشاركة اعتُبرت مؤشراً على انتقال التضامن الموريتاني مع فلسطين من دائرة الخطاب السياسي والإعلامي إلى مستوى الحضور الميداني المباشر في المبادرات الدولية المناهضة للحصار. وأشادت هيئات التضامن المحلية والدولية مع غزة بالدور النشط الذي لعبه المشاركون الموريتانيون داخل القافلة، في ظل وجود صحفيين وناشطين وفاعلين مدنيين من عدة دول، سعوا إلى إيصال رسالة سياسية وإنسانية مفادها أن غزة لا تزال حاضرة في الضمير العالمي رغم الحصار والحرب. وأضفت مشاركة الصحفي أحمد ولد جدو بعداً إعلامياً خاصاً على القضية، خاصة بعد انتشار تسجيل مصور له قبيل اعتراض السفن، قال فيه:
«إذا وصلكم هذا الفيديو، فذلك يعني أنني اختُطفت من طرف قوات الاحتلال الصهيوني».
وقد أثارت الرسالة تفاعلاً واسعاً على منصات التواصل الاجتماعي في موريتانيا وخارجها، وتحول ولد جدو إلى أحد أبرز الوجوه المرتبطة بقافلة الصمود، وسط دعوات شعبية وحقوقية متصاعدة للمطالبة بالإفراج عن المشاركين المحتجزين.

تنديد موريتاني واسع

ووصفت التنسيقية الموريتانية الداعمة للقافلة ما جرى بأنه «عملية قرصنة مكتملة الأركان»، معتبرة أن اعتراض سفن مدنية في المياه الدولية واحتجاز ناشطين وصحفيين يمثل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي وحرية الملاحة.
كما دعت السلطات الموريتانية إلى التحرك العاجل من أجل ضمان سلامة المواطنين الموريتانيين المشاركين في الأسطول، وممارسة الضغوط السياسية والدبلوماسية اللازمة للإفراج عنهم، في ظل تصاعد الغضب الشعبي تجاه ما جرى.
واستنكر حزب التجمع الوطني للإصلاح والتنمية «تواصل» اعتداء الاحتلال الإسـرائيلي على أسطول الصمود العالمي الثاني في عرض المياه الدولية، مطالبا «الحكومة الموريتانية بتحمل مسؤولياتها والسعي للإفراج عن الموريتانيين المعتقلين لدى قوات الاحتلال الإسـرائيلية.
ووصف الحزب في بيان صادر عن الحزب هذا الاعتداء بـ»الجريمة الجديدة التي تضاف للسجل المروع للكيان الصـهيوني بحق المدنيين والمتضامنين مع الشعب الفلســطيني».
وأضاف «أن استهداف أسطول مدني يضم نشطاء سلميين كانوا في مهمة إنسانية لكسر الحصار عن قطاع غــزة، يكشف الطبيعة العدوانية لهذا الاحـتلال، واستخفافه المستمر بالقانون الدولي، وإصراره على مواصلة سياسة الإرهاب والتجويع بحق الشعب الفلســطيني».
وعبر الحزب عن اعتزازه بالمشاركة الموريتانية المشرفة ضمن هذا التحرك الإنساني العالمي، وتضامنه مع كافة المشاركين الذين تعرضوا للاعتقال أو الاحتجاز، محملا الاحـتلال الإســرائيلي المسؤولية الكاملة عن سلامتهم، ومطالبا بالإفراج الفوري وغير المشروط عنهم.
وناشد الحزب القوى السياسية والمدنية والنقابية الوطنية وكافة الأحرار إلى مضاعفة جهود التضامن والإسناد للشعب الفلسـطيني، كما دعا الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية والإنسانية الدولية إلى تحمل مسؤولياتها تجاه الانتهاكات المتكررة والعمل على رفع الحصار عن قطاع غــزة.

لماذا تخشى إسرائيل «أساطيل التضامن»؟

ورغم أن هذه القوافل لا تملك أي تأثير عسكري مباشر، فإنها تمثل بالنسبة لإسرائيل تحدياً سياسياً وإعلامياً متنامياً، لعدة اعتبارات: أولها أن مجرد وصول سفن مدنية إلى تخوم غزة يحمل رسالة رمزية قوية تكسر صورة العزلة الكاملة التي يسعى الحصار إلى فرضها على القطاع.
أما العامل الثاني فيتعلق بالتأثير الإعلامي، إذ تتحول كل عملية اعتراض إلى حدث دولي يعيد تسليط الضوء على الأوضاع الإنسانية في غزة، ويحرج إسرائيل أمام الرأي العام العالمي.
كما أن وجود صحفيين وبرلمانيين وناشطين من جنسيات متعددة داخل هذه القوافل يخلق ضغطاً دبلوماسياً متزايداً على الحكومات الغربية والعربية، ويدفع نحو إعادة طرح الأسئلة المتعلقة بشرعية الحصار وحدود استخدام القوة ضد السفن المدنية.

الحق في التضامن

ولم يكن ما جرى في البحر المتوسط مجرد اعتراض لسفن مدنية، بل كشف عن صراع أوسع يدور حول الحق في التضامن، وحرية الوصول إلى غزة، وحدود القوة التي يمكن أن تمارسها إسرائيل في مواجهة المبادرات المدنية الدولية.
ومع تزايد القوافل والمبادرات المشابهة، يبدو أن البحر بات جبهة جديدة للصراع، حيث لم تعد المواجهة تُقاس فقط بالسلاح، بل أيضاً بقدرة الشعوب على كسر العزلة الرمزية وإبقاء غزة حاضرة في الضمير العالمي.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *