موريتانيا على أبواب مرحلة جديدة في معالجة إرث المظالم وانتهاكات الحقوق



عبد الله مولود

نواكشوط –«القدس العربي»: أعادت الوثيقة التي وقعها 538 موريتانياً من سياسيين ووزراء سابقين وبرلمانيين وضباط متقاعدين وصحافيين وشخصيات وطنية مستقلة، ماضي ملفات المظالم وانتهاكات حقوق الإنسان إلى واجهة النقاش الوطني، لكن ذلك تم هذه المرة من زاوية مختلفة قد تجعلها واحدة من أكثر المبادرات إثارة للجدل في السنوات الأخيرة.
الوثيقة لا تكتفي بالمطالبة بمعالجة ما يُعرف في الأدبيات السياسية الموريتانية بـ «ملف الإرث الإنساني»، بل تدعو إلى مراجعة شاملة لكل الانتهاكات التي شهدتها البلاد منذ السنوات الأولى للاستقلال، معتبرة أن العدالة لا يمكن أن تكون انتقائية، وأن بناء مصالحة وطنية حقيقية يقتضي الاعتراف بجميع الضحايا، بغض النظر عن انتماءاتهم العرقية أو السياسية أو المهنية.
ويأتي صدور هذه الوثيقة في لحظة سياسية خاصة، تتسم بحديث متزايد عن الحوار الوطني وتعزيز التهدئة السياسية، كما تتزامن مع تراجع حدة الاستقطابات التقليدية التي طبعت المشهد السياسي خلال العقود الماضية. ولذلك ينظر كثير من المتابعين إلى المبادرة باعتبارها محاولة لإعادة صياغة النقاش حول الذاكرة الوطنية والعدالة التاريخية، وليس مجرد موقف حقوقي يتعلق بملفات محددة.
ومن أبرز ما يميز الوثيقة أنها تسعى إلى نقل النقاش من مفهوم «الإرث الإنساني» إلى مفهوم أوسع هو «المظالم الوطنية»، فبدلاً من التركيز على فترة بعينها أو مجموعة محددة من الضحايا، تدعو إلى إدراج جميع الانتهاكات التي تعرض لها الموريتانيون خلال العقود الماضية ضمن إطار واحد للمعالجة والإنصاف.
وتشمل هذه المقاربة، وفق ما ورد في الوثيقة، أحداثاً تمتد مما يعرف وطنيا بـ «رصاصة النعمة» سنة 1962، مروراً بأحداث الزويرات وحركة الحر والمحاولات الانقلابية وما رافقها من اعتقالات وإعدامات وتسريح من الوظائف المدنية والعسكرية، وصولاً إلى أحداث أكثر حداثة مثل ما تعرض له بعض أعضاء مجلس الشيوخ بعد حل المجلس سنة 2017.
ويعكس هذا الطرح توجهاً نحو إعادة تعريف الضحية في السياق الموريتاني، بحيث لا تبقى مرتبطة بمرحلة زمنية محددة أو بانتماء اجتماعي معين، وإنما تصبح وصفاً يشمل كل من تعرض لانتهاك من قبل الدولة أو أجهزتها خلال مراحل الأزمات السياسية والأمنية التي عرفتها البلاد.

عبر وثيقة وقعتها 538 شخصية وطنية تفتح ماضي ملفات العدالة

ورغم أن الوثيقة لا تنتقد بشكل مباشر السياسات الرسمية التي اتُّبعت خلال السنوات الماضية لمعالجة بعض الملفات الحقوقية، فإن مضمونها يحمل في طياته مراجعة واضحة للمقاربات التي اعتمدت سابقاً.
الموقعون يعتبرون أن التركيز على ملفات دون أخرى خلق شعوراً لدى فئات واسعة من الضحايا بأن معاناتهم لم تحظ بالاعتراف نفسه أو بالاهتمام نفسه الذي حظيت به ملفات أخرى. كما يرون أن الانتقائية في التعاطي مع الانتهاكات ساهمت في إبقاء الجراح مفتوحة وفي تحويل بعض القضايا الحقوقية إلى أدوات للتجاذب السياسي.
وهنا تكمن إحدى الرسائل الأساسية للوثيقة، إذ تحاول نقل النقاش من سؤال «من هم الضحايا الذين يستحقون الإنصاف؟» إلى سؤال آخر أكثر شمولاً هو «كيف يمكن إنصاف جميع الضحايا وفق معايير موحدة؟».
لكن هذا التحول ليس خالياً من التعقيدات، لأن بعض القوى السياسية والحقوقية قد تنظر إليه باعتباره محاولة لإعادة توزيع الاهتمام الرسمي والرمزي بين ملفات مختلفة، وربما تقليص خصوصية بعض القضايا التي اكتسبت خلال العقود الماضية مكانة خاصة في الوعي الوطني وفي الخطاب الحقوقي.
ولا يقل توقيت صدور الوثيقة أهمية عن مضمونها؛ فموريتانيا تعيش منذ سنوات حالة من الاستقرار السياسي النسبي مقارنة بمحيطها الإقليمي المضطرب، كما أن السلطة الحالية جعلت من الحوار والتوافق السياسي أحد محاور خطابها العام.
وفي هذا السياق، يبدو أن أصحاب المبادرة يسعون إلى إدراج ملف المظالم ضمن النقاشات المرتبطة بالإصلاح السياسي وبمستقبل الوحدة الوطنية، باعتباره ملفاً لم يُحسم بصورة نهائية رغم مرور عقود على بعض الأحداث التي يتناولها.
كما أن العدد الكبير للموقعين، وتنوع خلفياتهم السياسية والاجتماعية، يمنح الوثيقة بعداً يتجاوز الطابع الحقوقي التقليدي، ويجعلها أقرب إلى مبادرة سياسية ـ مجتمعية تسعى إلى فتح نقاش وطني واسع حول كيفية إدارة إرث الأزمات السابقة.
ومن اللافت أيضاً أن الوثيقة تركز على مسؤولية الدولة بوصفها الإطار الجامع لكل تلك الانتهاكات، بغض النظر عن الأنظمة أو الأشخاص الذين كانوا في السلطة وقت وقوعها.
وتسعى هذه المقاربة إلى تجنب تحويل الملف إلى محاكمات سياسية للتاريخ، مقابل التركيز على مبدأ الاعتراف المؤسسي والإنصاف الوطني.
وتستند الوثيقة إلى مجموعة من المبادئ التي تشكل في جوهرها عناصر أساسية لأي مسار للعدالة الانتقالية، مثل كشف الحقيقة، والاعتراف الرسمي، والاعتذار للضحايا، وجبر الضرر، وضمان عدم التكرار من خلال إصلاحات قانونية ومؤسسية.
غير أن تحقيق هذه الأهداف يطرح تحديات معقدة، فكلما اتسع نطاق الانتهاكات المشمولة بالمعالجة، ازدادت صعوبة تحديد المسؤوليات وتوثيق الوقائع وتقدير أشكال التعويض المناسبة، كما أن بعض الملفات ما تزال محل خلاف سياسي أو تاريخي بشأن طبيعة الأحداث التي رافقتها وظروف وقوعها.
ومن جهة أخرى، فإن الدعوة إلى «الطي القانوني للملف» بعد معالجته تثير بدورها نقاشاً حول التوازن المطلوب بين متطلبات المصالحة الوطنية وحق الضحايا في معرفة الحقيقة الكاملة والحصول على العدالة.
ولهذا فإن نجاح أي مقاربة شاملة سيظل مرهوناً بقدرتها على تحقيق توازن دقيق بين الإنصاف والمصالحة، وبين الاعتراف بالماضي والحفاظ على الاستقرار السياسي والاجتماعي.
وبعيداً عن المواقف المؤيدة أو المتحفظة تجاه مضمون الوثيقة، فإن أهميتها تكمن في أنها أعادت طرح ملف المظالم وانتهاكات حقوق الإنسان بصيغة مختلفة عن تلك التي سادت خلال العقود الماضية؛ فهي لا تدعو فقط إلى تعويض الضحايا، بل تسعى إلى إعادة بناء الذاكرة الوطنية على أساس الاعتراف بجميع المتضررين من ممارسات الدولة خلال مختلف المراحل، كما أنها تعكس توجهاً متنامياً داخل جزء من النخبة السياسية والفكرية نحو تجاوز المقاربات الجزئية، والبحث عن معالجة أكثر شمولاً لقضايا الماضي، انطلاقاً من قناعة مفادها أن الاستقرار الدائم لا يتحقق فقط عبر التنمية والإصلاح السياسي، بل يحتاج أيضاً إلى تسوية عادلة للملفات التاريخية العالقة.
وفي المحصلة، تبدو وثيقة الـ 538 محاولة جديدة لإعادة رسم حدود النقاش حول العدالة التاريخية في موريتانيا، فهي تطرح رؤية تقوم على توسيع مفهوم الضحية، وتعميم مبدأ الإنصاف، وربط المصالحة الوطنية بمعالجة شاملة لكل المظالم. وبينما يبقى تحويل هذه الرؤية إلى سياسات عملية رهناً بإرادة الدولة وبمستوى التوافق الوطني حولها، فإن الوثيقة نجحت بالفعل في إعادة فتح واحد من أكثر الملفات حساسية في تاريخ البلاد الحديث، واضعة سؤال الذاكرة والعدالة والمصالحة في قلب النقاش السياسي الموريتاني من جديد.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *