نواكشوط- «القدس العربي»: لم تعد المخدرات في موريتانيا قضية شحنات تعبر الحدود أو شبكات تلاحقها أجهزة الأمن فحسب، بل بدأت تتحول إلى تحد أوسع يطرق أبواب المدارس والجامعات ويثير مخاوف متزايدة بشأن الشباب، بالتزامن مع تنوع المواد المحجوزة وتطور أساليب الترويج.
وأمام هذه التحولات، تتحرك الحكومة على أكثر من جبهة، عبر تشديد التشريع وتكثيف العمليات الأمنية وتتبع أموال الشبكات، إلى جانب توسيع الوقاية داخل المؤسسات التعليمية وإدخال العلاج وإعادة التأهيل ضمن منظومة المواجهة.
وفي أحدث خطوات هذا التحرك، صادقت الحكومة الموريتانية للتو، على مشروع قانون جديد لمكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية، يهدف إلى تحديث الإطار القانوني الوطني وتوسيع وسائل الوقاية والكشف والردع، في وقت شهدت فيه البلاد خلال الأسابيع الأخيرة سلسلة عمليات أمنية ضد شبكات التهريب والترويج.
ويتجاوز المشروع المقاربة التقليدية التي تركز على حيازة المخدرات والاتجار بها، إذ يوسع قائمة الأفعال المجرمة لتشمل الإنتاج والتصنيع والتحويل والحيازة والزراعة والاتجار، فضلا عن السلائف الكيميائية والمعدات التي يمكن استخدامها في الإنتاج غير المشروع.
كما يستهدف القانون الهيكل التنظيمي للشبكات نفسها، من خلال تجريم تأسيس الجماعات الإجرامية المرتبطة بالمخدرات وإدارتها وقيادتها وتمويلها والانضمام إليها أو تقديم الدعم لها.
ويبرز في التشريع الجديد توجه نحو نقل جزء من المواجهة إلى المجال المالي، إذ يتيح، عندما تبرر طبيعة الجريمة وظروفها ذلك، إجراء تحقيق مالي مواز للتحقيق الجنائي بهدف تحديد عائدات الجريمة وتعقبها والكشف عن المستفيدين الحقيقيين منها والوصول إلى مصادر تمويل الأنشطة غير المشروعة.
ويعزز المشروع كذلك آليات التجميد والحجز التحفظي والمصادرة للأموال والممتلكات والعائدات والمعدات المرتبطة بجرائم المخدرات.
وتكتسب هذه الإجراءات أهمية خاصة، لأن توقيف المروجين أو ضبط الشحنات لا يعني بالضرورة القضاء على الشبكة إذا ظلت مواردها المالية وقنوات تمويلها وقدرتها على إعادة تنظيم نشاطها قائمة؛ ولذلك تتجه المقاربة الجديدة إلى محاولة تفكيك اقتصاد المخدرات نفسه، وليس الاكتفاء باعتقال بعض عناصره.
ويأتي ذلك في سياق جغرافي وأمني حساس، بالنظر إلى موقع موريتانيا بين الساحل وغرب إفريقيا والمغرب العربي والمحيط الأطلسي، وهي فضاءات شهدت خلال العقود الماضية نشاط شبكات تهريب عابرة للحدود، الأمر الذي يجعل التعاون الأمني وتعقب التدفقات المالية وتبادل المعلومات عناصر أساسية في المواجهة.
ويتزامن المسار التشريعي مع تكثيف ملحوظ للعمليات الأمنية، حيث أظهرت المعطيات التي أعلنتها المصالح المختصة خلال الفترة الأخيرة تفكيك شبكات وضبط كميات من المخدرات التقليدية إلى جانب الكوكايين والمؤثرات العقلية والمخدرات الاصطناعية والأدوية المستخدمة لأغراض غير مشروعة.
ومن أبرز العمليات تلك التي نفذها الدرك الوطني الموريتاني في الثالث من أغسطس بولاية تيرس زمور شمال البلاد، حيث تم تفكيك شبكة وتوقيف سبعة أشخاص، مع حجز 7.5 كيلوغرام من صمغ القنب المصنع المعروف محليا بـ «الحجر الأسود»، و1.349 كيلوغرام من الكوكايين عالي النقاء، إضافة إلى 3200 قرص من المؤثرات العقلية.
كما ضبطت السلطات مبلغا يقارب 14 مليون أوقية قديمة وجهاز اتصال عبر الأقمار الصناعية.
ولا تكمن أهمية هذه العمليات في الكميات المضبوطة وحدها، بل في تنوع المواد التي تظهر في السوق؛ من القنب ومشتقاته إلى الكوكايين والإكستازي والمؤثرات العقلية والبريغابالين وغيرها، وهو تنوع يرفع مستوى التحدي أمام أجهزة الأمن والجمارك والصحة والقضاء.
لكن أكثر أبعاد القضية حساسية يتعلق بوصول نشاط المروجين إلى محيط المؤسسات التعليمية؛ ففي يوليو، أعلن الدرك تفكيك شبكة تنشط في ترويج المخدرات والمؤثرات العقلية في عدد من أحياء نواكشوط، وقال إن نشاطها كان يتركز خصوصا في محيط المدارس والثانويات والجامعات.
وأسفرت العملية عن توقيف أربعة أشخاص وضبط أكثر من خمسة كيلوغرامات من صمغ القنب إلى جانب مواد أخرى.
وتمنح هذه المعلومة الإجراءات الوقائية التي تنفذها الحكومة داخل المؤسسات التعليمية دلالة إضافية، إذ لم يعد التحرك مقتصرا على حملات توعية عامة، وإنما يأتي في ظل مؤشرات أمنية على اهتمام شبكات الترويج بالمحيط الذي يوجد فيه التلاميذ والطلاب.
وخلال 2025 شملت برامج الوقاية أكثر من 200 مؤسسة تعليمية في ولايات نواكشوط الثلاث؛ وفي عام 2026 تم تكوين 2100 شاب في نواكشوط وروصو وكيهيدي ونواذيبو في مجالات الوقاية ومكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية، مع نشر 600 متطوع داخل المؤسسات التعليمية.
وامتدت المقاربة إلى الداخل، حيث أطلقت السلطات في تيرس زمور على الحدود مع الصحراء الغربية، خطة جهوية لمكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية في الوسط المدرسي، تبدأ بتكوين 90 تلميذا ليكونوا سفراء للتوعية، مع توجه لتوسيع البرنامج ليشمل مؤسسات التعليم الثانوي في الولاية.
وفي ولاية غورغول جنوب البلاد أيضا، حضرت قضية مكافحة المخدرات في الوسط المدرسي ضمن اهتمامات السلطات واللجان المعنية بالتحضير للعام الدراسي.
ومع ذلك، تواجه موريتانيا مشكلة أساسية تتمثل في غياب بيانات وطنية حديثة ومنشورة تحدد بدقة نسبة انتشار المخدرات بين تلاميذ المدارس. ومن أبرز البيانات المتاحة المسح العالمي لصحة التلاميذ الذي أجري في موريتانيا عام 2010 وشمل 2063 تلميذا، وتضمنت بياناته مؤشرات على تجربة القنب بين بعض المستجوبين.
لكن مرور أكثر من خمسة عشر عاما على ذلك المسح، إلى جانب ضرورة التعامل المنهجي الحذر مع بياناته الخام، يجعل من غير الدقيق استخدام نتائجه لتحديد نسبة انتشار المخدرات بين تلاميذ موريتانيا اليوم.
والمفارقة أن هذه الفجوة الإحصائية تظهر بينما تتوسع الإجراءات الحكومية داخل المدارس وتعلن أجهزة الأمن عن شبكات تنشط في محيطها.
ولذلك قد تكون إحدى أولويات المرحلة المقبلة إجراء مسح وطني حديث يحدد حجم الظاهرة، والفئات العمرية الأكثر تعرضا، والمواد الأكثر استخداما، والفروق بين المدن والمناطق، وعلاقة التعاطي بالبيئة الاجتماعية والاقتصادية والتسرب المدرسي وغيره من عوامل الهشاشة.
وإلى جانب تشديد العقوبات، يحمل مشروع القانون بعدا علاجيا، إذ يشجع مستهلكي المخدرات على التوجه طوعا إلى العلاج المتخصص، ويتيح في حالات معينة الإيداع القضائي في مراكز مخصصة.
ويتقاطع هذا التوجه مع إطلاق موريتانيا خلال يوليو استراتيجية وطنية متكاملة ومتعددة القطاعات للصحة النفسية ومكافحة الإدمان للفترة 2026-2030، أعدت بقيادة وزارة الصحة وبدعم فني من منظمة الصحة العالمية.
وتركز الاستراتيجية على الوقاية والكشف والعلاج وإعادة التأهيل وتطوير الخدمات والموارد البشرية والتنسيق بين القطاعات الحكومية والمجتمع المدني والشركاء.
ويعكس الجمع بين التشريع الجنائي والمقاربة الصحية تحولا مهما في النظر إلى الظاهرة: تشديد الملاحقة على المهربين والمنظمين والممولين، مقابل فتح مساحة أكبر أمام علاج المستهلك وإعادة تأهيله وإدماجه.
وينص مشروع القانون أيضا على إنشاء لجنة وطنية للوقاية من المخدرات تتولى اقتراح السياسات والإجراءات الوقائية وتنسيق تنفيذها ومتابعتها، بما يفتح المجال نظريا أمام عمل مشترك بين قطاعات الأمن والعدل والصحة والتعليم والشباب.
وبهذه الإجراءات، تبدو موريتانيا بصدد الانتقال من مقاربة يغلب عليها ضبط المخدرات واعتقال المروجين إلى سياسة تحاول استهداف مختلف حلقات الظاهرة: الحدود والشبكات والأموال والتوزيع، وصولا إلى المدرسة والمستهلك والعلاج.
غير أن الاختبار الأصعب يبدأ بعد صدور القانون؛ فالتحقيقات المالية تحتاج إلى خبرات متخصصة، والمصادرة إلى قدرة على تحديد المستفيد الحقيقي من الأموال، والعلاج إلى مراكز وكوادر، والوقاية المدرسية إلى برامج دائمة تتجاوز الحملات الظرفية.
كما أن حماية المدارس تتطلب معرفة دقيقة بحجم المشكلة داخلها، وهي الحلقة التي لا تزال البيانات الحديثة بشأنها محدودة.
ولذلك لن يكون المؤشر الحقيقي لنجاح الحرب الجديدة على المخدرات مجرد ارتفاع أعداد الموقوفين أو الكميات المحجوزة، بل قدرة الدولة على منع تحول المؤسسات التعليمية إلى سوق للمروجين، وتجفيف الموارد المالية للشبكات، وخفض الطلب، وتوفير العلاج للمدمنين.
وبين قانون أكثر صرامة وعمليات أمنية متزايدة واستراتيجية صحية تمتد إلى 2030، وضعت موريتانيا الأسس لمقاربة أكثر شمولا؛ لكن السؤال الذي ستجيب عنه السنوات المقبلة هو ما إذا كانت هذه المنظومة ستتمكن من استباق تطور الظاهرة، خصوصا بين الشباب، أم أن شبكات المخدرات ستواصل تغيير موادها وأساليبها ومساراتها بوتيرة أسرع من أدوات مواجهتها.