يوغل الروائي والكاتب العراقي زهير الجزائري، في سنواته البعيدة، مستعيداً أياماً سلفت وانقضت، ومرّت عليها عقود وغطاها غبار الوقت ورماد الأزمنة، ولكن زهير بذاكرته الحيّة وذهنه المتوقّد يعود ليحيي تلك الأيام ويستعيد زمانه كاملاً، وكأننا به نعيش ونحيا مع تلك الفترات التي فلتت من الزمن، لتغدو نوعاً من «ماضي الأيام الآتية» بتعبير الشاعر أنسي الحاج، عنواناً لإحدى مجاميعه الشعرية. هنا الأيام تأتي من جديد، مُسجّلة عبر «موجات مرتدة»، وهو عنوان مذكراته التي صدرت عن «دار المدى»، هذا العام بثلاثة أجزاء وافية ومُلّمة بتفاصيلها الدقيقة.
حملت الأجزاء الثلاثة عناوينها الفرعيّة، التي انبثقت من «الموجات المرتدة» لبحر الزمن المتلاطم والعميق من الذكريات الحافلة بالتنوّع، تنوّع الزمان والمكان والحياة نفسها، وهنا يكمن سرّ تميزها وجاذبيتها. فالجزء الأول وحسب التدرّج الزمني لحياة الكاتب، يبدأ بعنوان «النجف والطفولة، بغداد والستينيّات»، والثاني يأخذ عنواناً أطول هو «التجربة الفلسطينية ـ الحرب الأهلية اللبنانية ـ دمشق والجواهري»، أمّا الثالث فكان بعنوان «عودة إلى البيت والسلطة».
زهير الجزائري، الذي عرفته في بغداد في مطالع السبعينيّات، وسط خضمّ الحياة الأدبية، رأيته يدوّن، دائماً كانت في جعبته دفاتر صغيرة يدوّن عليها، وحين غادر العراق إلى الشتات الكبير، إلى حيث عواصم العالم، واصل التدوين ذاته.
في بيروت حين أقمنا، كنّا نسأله ماذا تدوّن؟ فيجيب مبتسماً: «أكتب يوميّات» وحين افترقنا وذهب الى كردستان العراق، ظلّ يدوّن هناك يوميّاته، ثم واصل التدوين في العاصمة السورية دمشق ولندن حتى كلّ متنه.
زهير الجزائري كاتب مذكرات ويوميّات ومشاهدات من طراز رفيع، لما تحتويه كتاباته من معلومات ومشاهدات ودلالات ورؤى وخيال وظرف، وخفة دم، وسلاسة لغوية يندر أن تجدها في المذكرات الأخرى، وما ينقصها على نحو عام هو الاعتراف، فهو كاتب عربي أمامه محرّمات وتابوات ومحظورات، فهو ليس جان جينيه أو سارتر وأندريه مالرو وهنري ميلر، إنه عربي عراقي وله صلات وروابط وعلاقات طيبة مع أغلب الكتاب والأدباء العراقيين والعرب، وإن حاول أن يتجاوز المحظور، فإنه يجرّب الدخول الى نفسه والتطاول على شخصه بفتح ثغرة ولو صغيرة، ستطل على بعض الملامح من هذا المحرّم والمسكوت عنه في حياته الطويلة، المتقلبة في العيش في مدن عدّة.
لذلك تبقى حياة الآخرين بمنأى عن قلمه، إلا في ما ندر، ليأتي ذكرها من باب الصداقة والمحبّة والاستلطاف، حيث لا تتعداها إلى أخذ الثارات، ككشف المخبوء وتناول المستور في حياة الأصدقاء، إنما تظل تدور في وتيرة العمل والنضال المشترك، ليسود حس الفكاهة والشغب والتندّر، المستحَب بين الأصدقاء الكتّاب والشعراء الذين زامنوا ورافقوا الكاتب في بغداد، وبيروت ودمشق وكردستان.
وكعادة الكتّاب عموماً حين يسردون وقائعهم الحياتية، يسرد زهير الجزائري كل تفصيل من حياته، بدءاً بعشيرته الأسَديّة المتحدّرة من نجد الى أهوار العراق، فيصف علاقته بعد الولادة بحليب الأم الذي يسري في أعماقه، وحياة الأب ووظيفته وعمله، ثم يتعمّق في حياة الأقربين من الأخوة والأخوال والأعمام، راسماً عبر هؤلاء صورة مجسّمة للنجف، رابطاً بينهم وبين من زاملهم وساكنهم واختلط بهم، وصولاً الى المكان عبر شرائح من المجتمع النجفي، المنقسم بين الدين والتبتّل والتعبّد داخل المقامات الدينية، وبين السياسة وتعدد اتجاهاتها المتوزّعة، بين القومي والأممي، أي بين البعثي والشيوعي، بين كارل ماركس ولينين وفهد، وبين ميشيل عفلق ووديع سعادة وجمال عبد الناصر. إنها فترة الولاءات والانقسامات كذلك، فترة التنابز بالأحزاب، وسيلان الدم بين اليساري واليميني، بين البعثي والشيوعي، بين الملكي والجمهوري، إبّان فترة صعود أحزاب، وهبوط أحزاب، وتشكيل حكومات موالية، وتأسيس انقلابات متلاحقة، طاحونة تدور وتسحق الجميع والشعوب المسحوقة هي الخاسر الوحيد.
كان شاملاً وصف زهير للنجف ولـ»مقبرة السلام» الرهيبة التي راحت تتسع في المدينة. وصف الجنازات التي تأتي الى المرقد المقدّس، وصف المعممين والأفندية في تلك البلدة، وللناس كيف كانوا يعيشون، راسماً بدقّة الراوي المتمكّن حياتهم وتقاليدهم اليومية والتراثية، مهنهم ووظائفهم وطبيعتهم بين الفصول المتقلّبة، حيث النوم في الأصياف على السطوح وفي السراديب، ناشدين الهواء العليل في السطوح والبرودة السفلى التي يمنحها السرداب. وهناك إشارات حول التعليم والدراسة المدنية التابعة للدولة، والدينية التابعة للصحَن العَلَوي.
دائماً هناك سياقان متضادّان في المدينة، التديّن والانفتاح، اليسار واليمين، المعمم والأفندي، الشعر والنثر، الشفاهي والكتابي، والحياة والموت، حيث الحياة المزدحمة في الصحن العَلَوي بجانب الأموات الذين يوارون الثرى داخل أكبر مقبرة في العالم.
يعرّج زهير أيضاً على ذكر العوائل والعشائر المعروفة هناك، ولاسيّما الذين ربطته بهم ذكريات ما، من خلال النشأة والدراسة، أو العلاقة المتداخلة بين أهله وبينهم. من الفصول والأجزاء اللافتة في الكتاب فصل انضمامه إلى صفوف المقاومة الفلسطينية، وهو لم يزل في سنّ فتية، أي بعد تخرّجه من الجامعة، بادئاً بأغوار الأردن، حيث سبقه إلى هناك كل من أصدقائه الأدباء والشعراء: عمران القيسي، مؤيد الراوي، فالح عبد الجبار، وشريف الربيعي. ثم ينتقل بعد أحداث الأردن، إلى بيروت، ليعمل صحافياً في مجلة «الهدف»، التابعة لـ»الجبهة الشعبية»، وعن طريق رئيس تحريرها غسان كنفاني، الذي يعرض عليه الانضمام الى كادر المجلة، ليعيش ويسكن في بيروت، مقتسماً السكن مع أصدقائه، من بينهم الشاعر والصحافي مؤيد الراوي والرسام إبراهيم زاير الذي ختم حياته بالانتحار هناك.
في تلك الفترة يكتب زهير تفاصيل في غاية الأهمية، عن حياة المقاتلين في بيروت، مسجّلاً لحظات تلك الأزمنة النادرة، يوميات العيش والسكن والسلاح المشترك، يسلط قلمه المستكشِف كالمصباح اليدوي في اليد، على الحياة السائرة في المخيّمات وطرق عيش المقاتلين فيها، منتسباً الى ذلك العالم، العالم الذي انتسبنا إليه في يوم ما، بيروت الحرب الأهلية، بيروت التي كانت مقسّمة إلى شرقية وغربية، حيث اللون الكاكي كان هو الذي يسود الحياة، في تلك الأزمنة الرمادية.
في هذه المذكرات، كشف زهير الجزائري كل أوراقه، بادئاً بذاته وتخرّصاتها، أحزانها وأفراحها، ففيها نشهد التحوّلات الكبرى للمجتمع العراقي وللسياسة وتقلباتها، عبر أحزابها وسلطاتها، لنرى الحياة العراقية كيف تتلظى فوق نار هادئة، من قبل المتسلّطين والمستكبرين والفاشيين، أحزاب تتصدّر المشهد والحياة العامة، لتتناحر وتتكالب على السلطة والمال والنفوذ، وفي المقابل ثمة أصوات تبدع تحت هذا الظلام المُهيمن، تكتب وتنتصر لذاتها بصمت دون ضجيج.
كذلك تُرينا المذكرات عبر لغة متدفقة وهادئة الحياة العامة لدى البوليساريو والأكراد في شمال العراق، والحياة الأخرى اليسيرة والخالية من الحروب في كل من بغداد وبيروت ودمشق.
كاتب عراقي