مهرجان عنابة يعيد تحريك ملف جرائم الاستعمار في الجزائر بحضور ستورا.. وجدال حول “أفيش” يظهر فيه الممثل الفرنسي ديبارديو


الجزائر- “القدس العربي”:

فتحت عروض مهرجان عنابة للفيلم المتوسطي في الجزائر، قضية الذاكرة الاستعمارية من منظور سينمائي يوثق للجرائم الفرنسية التي هدفت لإخماد الثورات الشعبية المقاومة في بدايات الاستعمار الفرنسي، وتاريخ التعذيب الذي استهدف المناضلين خلال الثورة الجزائرية، من خلال أعمال تاريخية ووثائقية أعادت إحياء هذه الأحداث.

وضمن هذا التوجه، برز عرض فيلم “أحمد باي” للمخرج جمال شورجة، كأحد أبرز المحطات السينمائية في المهرجان، حيث استعاد العمل سيرة الشخصية الوطنية أحمد باي ومقاومته للوجود الاستعماري الفرنسي في بداياته بالشرق الجزائري، مقدما ملحمة بصرية ركزت على الصراع العسكري والسياسي الذي طبع تلك المرحلة، في عمل لفت الأنظار من حيث الديكور والملابس وإعادة بناء تفاصيل الحقبة التاريخية.

برز عرض فيلم “أحمد باي” كأحد أبرز المحطات السينمائية في المهرجان، حيث استعاد العمل سيرة الشخصية الوطنية أحمد باي ومقاومته للوجود الاستعماري الفرنسي في بداياته بالشرق الجزائري

وجاء الفيلم ليعيد تسليط الضوء على مرحلة مفصلية من تاريخ الجزائر، ظلت محل نقاش واسع في الأوساط الأكاديمية، خاصة ما تعلق ببدايات الاحتلال وأساليب القمع التي واجهت المقاومات الأولى، في سياق ينسجم مع دعوات مؤرخين إلى ضرورة توثيق هذه الفترة سينمائيا.

وبالموازاة مع ذلك، سجلت المجاهدة لويزة إيغيل أحريز، حضورا لافتا ضمن فعاليات المهرجان، في لحظة حملت بعدا رمزيا قويا، أعادت ربط السينما بالذاكرة الحية للثورة التحريرية، خاصة وأن شهادتها تعد من أبرز الشهادات التي وثقت ممارسات التعذيب التي تعرض لها مناضلو الحركة الوطنية خلال الاستعمار.

وتعد لويزة إيغيل أحريز من أبرز المجاهدات في الثورة التحريرية الجزائرية، حيث التحقت بصفوف جبهة التحرير الوطني في سن مبكرة، وشاركت في العمليات الفدائية خلال معركة الجزائر. وقد تعرضت للاعتقال سنة 1957 من قبل القوات الاستعمارية الفرنسية، وخضعت لتعذيب شديد وموثق داخل مراكز الاعتقال، شمل مختلف أساليب التعذيب الجسدي والنفسي بهدف انتزاع معلومات منها.

وبمناسبة هذه العروض، دعا المؤرخ الفرنسي المولود في الجزائر بنجامين ستورا، أحد ضيوف شرف المهرجان، إلى توجيه السينما للاهتمام بفترة بدايات الاستعمار الفرنسي وما صاحبها من جرائم ظلت مطموسة في الذاكرة، مؤكدا أن العودة إلى القرن التاسع عشر، بين 1830 و1900، تمثل “أصل الحكاية” التي تم تجاهلها، وهو ما يحجب فهم العنف والفظائع التي مهدت لاندلاع ثورة التحرير.

وجاءت تصريحات ستورا خلال جلسة “ماستر كلاس” ضمن فعاليات الطبعة السادسة لمهرجان عنابة للفيلم المتوسطي، نشطها الناقد السينمائي أحمد بجاوي بموقع ومتحف هيبون الأثري في عنابة، بحضور المجاهدة لويزة إيغيل أحريز، حيث شدد على أن التركيز على نهاية الاستعمار فقط لا يسمح بفهم حقيقة ما جرى، لأن “البدء بالخاتمة يمنع إدراك طبيعة الجرائم والعنف الذي طبع البدايات”.

وفي هذا السياق، أوضح المؤرخ أن غياب معالجة سينمائية لمرحلة الغزو الفرنسي يعكس امتدادا للفكر الاستعماري داخل الإنتاج الثقافي، مشيرا إلى أنه “لا توجد إلى اليوم أفلام فرنسية تتناول فترة 1830 إلى 1900″، حيث تم تغييب الجرائم المرتكبة خلالها، داعيا في المقابل السينما الجزائرية إلى استعادة هذه المرحلة ورواية مقاومة الجزائريين منذ البدايات، خاصة مع اقتراب سنة 2030 التي تصادف مرور 200 عام على انطلاق الاستعمار.

كما دعا إلى إطلاق ورشات عمل سينمائية مخصصة للقرن التاسع عشر، مبرزا أن هذا التوجه كان ضمن مشاريع اللجنة الجزائرية- الفرنسية المشتركة للمؤرخين التي أنشئت سنة 2022، قبل أن تتوقف، وكان هدفها الاشتغال على البدايات بدل النهايات لفهم تسلسل الأحداث بشكل أدق.

وبالموازاة مع ذلك، أبرز ستورا “الحتمية المنهجية والأخلاقية” لفتح الأرشيف الفرنسي بشكل كامل وغير مشروط أمام الباحثين الجزائريين، داعيا إلى إزالة العراقيل الإدارية والأمنية التي تحول دون الوصول إلى الوثائق الأصلية، ومعتبرا أن تمكين المؤرخين الجزائريين من الأرشيف العسكري والسياسي في فرنسا يمثل “الممر الإجباري الوحيد” لصياغة قراءة تاريخية منصفة.

وأكد أن بقاء أجزاء من الذاكرة المشتركة حبيسة القيود القانونية يشكل عائقا أمام تطهير الذاكرة الجماعية، موضحا أن الشفافية الأرشيفية “ليست مطلبا أكاديميا فحسب، بل فعل سياسي لتحرير الحقيقة من التوظيف”، وأن حجب الوثائق يغذي خطابات الكراهية القائمة على الفراغات التاريخية.

وأضاف أن الأرشيف ملك للشعوب وحق للأجيال القادمة، وأن حرمان الباحثين منه يعكس خللا في فهم الهوية المعاصرة، خاصة وأن تاريخ الثورة الجزائرية أصبح جزءا من التاريخ الداخلي لفرنسا، ما يستدعي رفع السرية عن الملفات الشائكة بعيدا عن الحسابات الضيقة.

دعا المؤرخ الفرنسي المولود في الجزائر بنجامين ستورا، إلى توجيه السينما للاهتمام بفترة بدايات الاستعمار الفرنسي وما صاحبها من جرائم ظلت مطموسة في الذاكرة

وفي حديثه عن السينما خلال الثورة التحريرية، أشار إلى غياب الإنتاج الفرنسي في البداية بسبب الرقابة التي فرضها الاستعمار على الصور، مقابل ضعف الإمكانات لدى الجانب الجزائري، قبل أن تبدأ بعد 1968 موجة مناهضة للاستعمار في فرنسا، من خلال أعمال مثل “أن تكون في سن العشرين بالأوراس” للمخرج روني فوتييه و”أ.ر.أ.س” للمخرج إيف بواسيه.

ولفت إلى أن السينما الجزائرية برزت بقوة في توثيق الثورة، خاصة مع أعمال المخرج محمد الأخضر حمينة، مثل “ريح الأوراس” و”وقائع سنين الجمر”. كما تطرق إلى أهمية توثيق الشهادات الحية، معتبرا أن الأرشيف الشفهي يشكل مكملا أساسيا للأرشيف المكتوب، إلى جانب الصورة، في كتابة التاريخ، مشيرا إلى أنه أجرى مقابلات مطولة مع شخصيات تاريخية تم حفظها في الأرشيف.

جدل “الأفيش”

وعلى هامش عرض فيلم “أحمد باي”، ثار جدل حول الملصق الترويجي الذي اعتمده مهرجان عنابة للفيلم المتوسطي، بعد استبدال الأفيش الرسمي بصورة أخرى أبرزت الممثل الفرنسي جيرار ديبارديو بدل بطل العمل محمد الطاهر الزاوي.

وعبرت منتجة الفيلم سميرة حاج جيلاني عن استيائها من هذا الخيار، معتبرة أن تجاهل الملصق الرسمي وإقصاء صورة بطل العمل يشكل “تجاوزا للأعراف المهنية” ويمس بالهوية البصرية للفيلم، رغم تثمينها لمشاركة ديبارديو، مؤكدة أن ذلك لا يبرر تهميش الدور الرئيسي. كما أشارت إلى ما وصفته بتجاهل إعلامي للفيلم ضمن منصات المهرجان، داعية وزيرة الثقافة والفنون إلى التدخل.

في المقابل، أوضحت إدارة المهرجان أن الصورة المتداولة ليست الأفيش الرسمي، بل “لقطة ترويجية” تدخل ضمن أسلوب معتمد على جميع الأفلام المشاركة، يقوم على استخدام صور من العمل مع عنوان بالإنكليزية وشارة المهرجان. وأكدت أن المنتجة سبق أن استخدمت نفس الصورة في حملات الترويج للفيلم خلال عروضه السابقة، معربة عن استغرابها من توقيت إثارة الجدل قبيل عرض الفيلم، مع التأكيد على وجود تنسيق مسبق معها ودعم مخصص للفيلم ضمن برنامج التظاهرة.

وتباينت الآراء حول القضية، حيث اعتبر البعض أن إبراز ممثل أجنبي واستخدام اللغة الأجنبية في الترويج لا ينسجم مع رسالة فيلم يؤرخ لمقاومة الاستعمار، ويربك دلالاته الرمزية، فيما رأى آخرون أن الأمر يندرج ضمن خيارات تقنية معتمدة في المهرجانات الدولية ولا يستهدف العمل بعينه.

وفي سيناريو الفيلم، يؤدي الممثل الفرنسي جيرار ديبارديو في فيلم “أحمد باي” دور الداي حسين، آخر حكام الجزائر في العهد العثماني قبل الاحتلال الفرنسي سنة 1830، وهو دور تاريخي محوري في سياق الأحداث التي تسبق الغزو، بينما يعود الدور الرئيسي في الفيلم إلى الممثل محمد الطاهر الزاوي الذي يجسد شخصية أحمد باي، قائد المقاومة في الشرق الجزائري.




Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *