مهرجان جامع مسنود بتضامن شعبي ورسمي واسع يدعو إلى حلف وطني من أجل القضية



عبد الله مولود

نواكشوط ـ «القدس العربي»: في مشهد يعكس استمرار الحضور القوي للقضية الفلسطينية في الوجدان الموريتاني، تجددت في نواكشوط دعوات توحيد الجهود الشعبية والرسمية لنصرة الشعب الفلسطيني، عبر مهرجان جامع للهيئات الحزبية والنقابية والمدنية، والمقاومة الفلسطينية، اتسع صداه ليؤكد أن التضامن مع فلسطين يتجاوز الانتماءات السياسية والحسابات الضيقة.
ولم يقتصر الحدث على تجديد المواقف المساندة لحقوق الفلسطينيين، بل حمل رسالة سياسية ومجتمعية تدعو إلى إقامة حلف وطني من أجل القضية الفلسطينية، يوحد المبادرات ويعزز التنسيق بين مختلف القوى والهيئات، في ظل استمرار الحرب وتفاقم المأساة الإنسانية في الأراضي الفلسطينية.
وعلى منصة الخطاب وأمام الآلاف من نشطاء نصرة القضية، وضع الطبيب الموريتاني كمال ولد أحمد زيه أمامه، مستحضرًا صورة «النذير العريان»، ليحذر من فظاعة ما شاهده في غزة، وعلى المنصة نفسها، تعاقبت قيادات حزبية ونقابية ومدنية، في مهرجان جعل من الشهادة على الألم مدخلًا لتجديد التعبئة، ومن اجتماع المختلفين سياسيًا فرصة للدعوة إلى حلف وطني لنصرة فلسطين.
ونظمت الأحزاب السياسية والنقابات والمجتمع المدني والقوى الحية المهرجان الجماهيري بدار الشباب في نواكشوط، تحت عنوان «معًا من أجل الأقصى وفلسطين، هبة لوقف الإبادة وحماية الأرض والعرض»، في لقاء جمع أطرافًا من الأغلبية والمعارضة، وأعاد التأكيد على موقع القضية الفلسطينية بوصفها إحدى أوسع مساحات الإجماع الموريتاني.

حلف وطني لدعم فلسطين

وفي أبرز الدعوات التنظيمية، طالب رئيس الرباط الوطني الموريتاني لنصرة الشعب الفلسطيني، شيخاني ولد بيب، بإقامة حلف وطني لدعم فلسطين لا يستثني أحدًا، معلنًا استعداد الرباط للانخراط فيه.
وأكد أن اجتماع الأحزاب والنقابات والهيئات المدنية يتجاوز الخلافات السياسية نحو مساندة الفلسطينيين في تحرير أرضهم وإقامة دولتهم.
وأوضح ولد بيب أن طوفان الأقصى أطلق مسارًا نحو الحرية لن يتوقف قبل تحرير الأرض.
وحملت دعوته إلى الحلف محاولة لنقل التضامن من تتابع المناسبات إلى عمل جماعي مستمر، تتكامل فيه التعبئة السياسية والإسناد الإنساني والحضور الإعلامي، بما يحافظ على زخم القضية رغم طول المأساة.
وأعلن رئيس حزب الحركة الشعبية التقدمية، اخيارهم ولد حمادي، استعداد حزبه للانضمام إلى الحلف، مقترحًا أن تكون انطلاقته من مقر حزبه.

معاً من أجل الأقصى وفلسطين: هبة لوقف الإبادة وحماية الأرض والعرض

وحذر من تراجع الدفاع عن فلسطين محليًا، بينما تمتلئ ساحات غربية بالمؤيدين للحقوق الفلسطينية، داعيًا إلى تغيير الاستراتيجية مع التمسك بالثوابت، ومؤكدًا أن القضية تخص الأمة وأحرار العالم.
ومن جانب حزب الإنصاف الحاكم، استعاد نائب رئيسه محمد يحي ولد حرمه تاريخ المناصرة العربية والإسلامية لفلسطين منذ احتلالها، متوقفًا عند ما وصفه بالإبادة الجماعية والتجويع في المرحلة الأخيرة. وأعطى حضور نائب رئيس الحزب الحاكم، إلى جانب قيادات معارضة، تعبيرًا عن التقاء المواقف حول فلسطين، رغم تباينها بشأن إدارة الشأن الوطني.
أما نائب رئيس حزب التجمع الوطني للإصلاح والتنمية «تواصل»، الحسن ولد محمد، فاعتبر أن طوفان الأقصى كشف غطرسة المشروع الصهيوني وحقيقة الدعم الغربي له، وفي مقدمته الدعم الأمريكي.
وتحدث عن القتل والإصابات وتدمير المساكن وتشريد السكان، واصفًا ما تعرض له الفلسطينيون بأنه طغيان لا نظير له في التاريخ الحديث.
وفي السياق نفسه، اتهم رئيس المنتدى الإسلامي الموريتاني، الشيخ محفوظ ولد الوالد، القوى الغربية بالتواطؤ مع إسرائيل عبر إمدادها بالسلاح والمساندة السياسية، معتبرًا أن الحرب كشفت تناقض الخطاب الإنساني مع الممارسة. ووصف المختار ولد امبيريك طوفان الأقصى بأنه فرصة تاريخية لتوسيع البذل المالي، محذرًا من التطبيع والخذلان.
وبين المداخلات السياسية، قدم ممثل حركة حماس، محمد صبحي أبو صقر، شهادة إنسانية عن إقامته في موريتانيا منذ سبع سنوات، حاملًا حكاية وطن وصورًا لا تغيب.
وقال إن الموريتانيين لم يجعلوا بُعد المسافة حاجزًا بين القلوب، بل احتضنوا الفلسطيني أخًا في الدين والإنسانية والمصير، مشددًا على أن المواقف الصادقة في زمن التخلي لا تنسى.

الصحافة الفلسطينية حكاية تضحية

واستحضرت رئيسة رابطة صحافيي موريتانيا من أجل الأقصى، اخديجة المجتبى، جانبًا آخر من المأساة، واصفة الصحافة الفلسطينية بأنها حكاية تضحية.
وقالت إن أكثر من 260 صحافيًا قتلوا خلال الحرب، وإن استهدافهم لم يسكت التغطية التي تواصل نقل معاناة الفلسطينيين وتوثيقها أمام العالم.
وعاد الطبيب كمال ولد أحمد، الذي زار غزة، إلى حدود الشهادة نفسها؛ فأوضح أن مشاهدته معاناة السكان عن قرب لم تمكنه من الإحاطة بجميع آلامهم.
وأشار إلى أن الوجع تراكم عبر سنوات وعقود، قبل أن تضاعفه الأزمات، مانحًا تحذيره على المنصة معنى يتجاوز وصف مشاهد الحرب إلى التنبيه إلى عمق آثارها.
ويستند هذا الحراك إلى تضامن موريتاني شعبي ورسمي اتسع بصورة استثنائية منذ اندلاع الحرب؛ فقد تحولت المناصرة إلى تبرعات بمبالغ كبيرة، ومشاركة في قوافل كسر الحصار، وتمويل توزيع الغذاء والمياه والرعاية الصحية داخل القطاع، في بلد محدود الموارد جعل من فلسطين أولوية تتجاوز حسابات المسافة والإمكانات.
وللتذكير بحجم العطاء، فقد وصل إجمال تبرعات المبادرات القبلية الموريتانية إلى قرابة عشرة ملايين دولار.
ومع حلول الذكرى الثالثة لطوفان الأقصى، أعلنت جمعية «لبيرات للتراحم والمواساة» التبرع لأهل غزة بعشرة ملايين وخمسمئة ألف أوقية قديمة، في مؤشر إلى استمرار التعبئة المحلية.
وعلى المستوى الحكومي، فقد سبق لموريتانيا أن أعلنت خلال مؤتمر الاستجابة الإنسانية لغزة بالقاهرة، في ديسمبر/كانون الأول 2024، مساهمة قدرها ثلاثمئة ألف دولار، وطالبت بتحرك دولي عاجل لوقف العدوان، مؤكدة أهمية دور وكالة «الأونروا» في تقديم الخدمات الأساسية للفلسطينيين.
أما الرباط الوطني، فأعلن في إحدى إحصاءاته الأخيرة، أن تدخلاته شملت وجبات استفاد منها 96 ألف نازح، ومياهًا لمئتي ألف، وعلاج عشرة آلاف مريض في نقاط طبية.
وتوضح هذه المشاريع كيف انتقل جانب من التبرعات الموريتانية إلى خدمات تمس الاحتياجات اليومية للسكان المحاصرين.
وبذلك، أعاد مهرجان دار الشباب جمع خيوط موقف يتقاطع فيه الموقف السياسي والعمل الإغاثي والشهادة الإنسانية.
وتبقى دعوة الحلف الوطني أبرز ما فتحه اللقاء من آفاق: إطار يحفظ اتساع المشاركة، ويحول الإجماع إلى التزام متواصل، يقاس بما يصل إلى الفلسطينيين من إسناد، وبقدرة المناصرين على إبقاء قضيتهم حاضرة بعد انفضاض الحشود.
وبين اتساع دائرة التضامن الشعبي والرسمي في موريتانيا، والدعوات إلى تجاوز المبادرات المتفرقة نحو عمل وطني منظم، يطرح المهرجان سؤالاً جوهرياً بشأن قدرة هذا الإجماع على التحول إلى خطوات عملية ومستدامة لنصرة فلسطين.
فالتحدي، كما عكسته الدعوات إلى تأسيس حلف وطني من أجل القضية، لا يكمن في تجديد المواقف المبدئية فحسب، بل في توحيد الجهود وتنسيق المبادرات وتوسيع أشكال الدعم السياسي والإنساني والإعلامي، بما يجعل التضامن الموريتاني رافداً مستمراً لإسناد الشعب الفلسطيني في نضاله من أجل الحرية والكرامة واستعادة حقوقه المشروعة.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *