من ليبيا إلى قلب أوروبا.. مداهمات ألمانية تكشف شبكة لتهريب مئات السوريين


برلين- “القدس العربي”: لم تكن المداهمة التي نفذها 240 شرطيا في مدينة زاربروكن، غربي ألمانيا، مجرد حملة محلية على بضعة منازل ومتاجر. فخلف ستة عناوين، بينها مستودع واسع، ظهرت أمام المحققين خريطة تهريب عابرة للقارات: قوارب تنطلق من الساحل الليبي نحو جزيرة لامبيدوزا الإيطالية، وسيارات وشاحنات تعبر طريق البلقان، ومنسقون في صربيا، ووجهة تتكرر في نهاية الرحلتين هي ألمانيا.

العملية التي نُفذت بالتزامن في ألمانيا وصربيا في الخامس من آب/أغسطس الجاري، أعادت ملف تهريب المهاجرين إلى الواجهة من زاوية أكثر خطورة. فبحسب التحقيقات الألمانية، لا يتعلق الأمر بطريق واحد أو مجموعة صغيرة، بل ببنية دولية يُشتبه في امتدادها إلى ميليشيا ليبية، وبشبكات نقلت أكثر من 900 مهاجر، معظمهم سوريون، مقابل آلاف اليوروهات عن كل شخص.

وفيما أعلنت مديرية الشرطة الاتحادية في ميونيخ تنفيذ ثلاث مذكرات توقيف رئيسية وستة أوامر تفتيش، ذكرت “تاغس شاو” أن شخصا رابعا أوقف في ساربروكن بموجب مذكرة منفصلة صادرة من ولاية هيسن. وأُلقي القبض على المشتبه بهم الرئيسيين في ساربروكن وبلغراد بعد تحقيقات سرية بدأ بعضها عام 2022.

من مستودع ألماني إلى ساحل ليبيا

الخيط الألماني الأبرز يقود إلى سوري يبلغ 26 عاما، أوقف في زاربروكن، وتصفه النيابة العامة في تراونشتاين بالمشتبه به الرئيسي في ملف التهريب عبر البحر المتوسط. وفتشت الشرطة مساكن ومحال تجارية ومستودعا واسعا تعتقد أنه مرتبط بأنشطة المجموعة، لكنها لم تعلن بعد ما عُثر عليه داخله.

ووفق البيان المشترك للنيابة والشرطة الاتحادية، يُشتبه في أن المجموعة نظمت، منذ تشرين الأول/أكتوبر 2024، خمس رحلات نقلت خلالها ما لا يقل عن 125 شخصا، غالبيتهم من السوريين، من الساحل الليبي إلى جزيرة لامبيدوزا الإيطالية، قبل أن يكمل بعضهم الطريق إلى ألمانيا.

وأوقفت الشرطة الألمانية سوريا يبلغ 26 عاما، تصفه النيابة العامة في تراونشتاين بالمشتبه به الرئيسي في ملف التهريب عبر البحر المتوسط، كما اعتقلت شخصا آخر بموجب مذكرة توقيف منفصلة صادرة من ولاية هيسن، من دون أن تكشف جنسيته أو تفاصيل الاتهامات الموجهة إليه.

وبالتزامن مع ذلك، اعتقلت وحدة خاصة من الشرطة الصربية في بلغراد سوريين يبلغان 31 و32 عاما بموجب مذكرتي توقيف ألمانيتين. وتقول السلطات الألمانية إن المشتبه به الأول، البالغ 31 عاما، ينتمي، وفق تسمية السلطات الألمانية، إلى “عشيرة الصراوي”. وتقول النيابة إنه كان يتولى استقطاب الراغبين في العبور والتفاوض معهم، ثم تنظيم مراحل الرحلة. وقد صُنّف ضمن فريق العمل الذي تنسقه “يوروبول” باعتباره “هدفا عالي القيمة”، بسبب موقعه المفترض داخل الشبكة.

وتنسب التحقيقات إليه المسؤولية عن 17 عملية تهريب بين نيسان/أبريل وتشرين الثاني/نوفمبر 2022، شملت 152 مهاجرا على الأقل، معظمهم سوريون. وكان بعضهم يُنقل عبر عدة محطات على طريق البلقان حتى الوصول إلى ألمانيا.

أما المشتبه به الثاني، فتقول الشرطة الاتحادية إنه أدى دورا مركزيا في 37 عملية نُقل خلالها ما لا يقل عن 625 شخصا بين حزيران/يونيو 2023 وحزيران/يونيو 2024. وكانت الشبكة تتقاضى بين ألفي يورو و10 آلاف يورو للشخص، لتنقله من صربيا إلى المجر، أو من البوسنة والهرسك إلى كرواتيا، ثم عبر سلوفاكيا والتشيك وبولندا أو النمسا باتجاه ألمانيا.

ميليشيات ليبية

ووفق الشرطة، استُخدمت سيارات خاصة وحافلات صغيرة وشاحنات، فيما تولى منسقون جمع المهاجرين في صربيا وتسليمهم إلى مجموعات أخرى قرب الحدود. وكانت عملية منسقة سابقة عام 2025 قد انتهت باعتقال خمسة أعضاء آخرين في ألمانيا وهولندا والبوسنة والهرسك.

التفصيل الأكثر حساسية في القضية جاء في بيان النيابة الألمانية، التي قالت إن المشتبه بهم قد يكونون جزءًا من بنية إجرامية دولية لها صلات بميليشيا تعمل في ليبيا. ولم تسمِّ النيابة تلك الميليشيا، كما لم تحدد إن كانت العلاقة تتعلق بتوفير القوارب أو الحماية أو تسهيل الحركة على الساحل.

ولا تشبه الرحلات ما توحي به الأسعار الباهظة التي دفعها المهاجرون. فالنيابة العامة في تراونشتاين تقول إن القوارب لم تكن صالحة للإبحار، وإن ما يصل إلى 61 شخصا حُشروا في القارب الواحد من دون ستر نجاة أو وسائل أمان، بينما تراوحت كلفة الرحلة بين 6500 و7800 يورو للفرد.

وبحسب حسابات المحققين، حققت المجموعة من خمس رحلات فقط عائدات لا تقل عن 875 ألف يورو. وتقول الشرطة الاتحادية إن المنظمين قبلوا عمدا تعريض حياة الركاب للخطر من أجل تحقيق الأرباح، وهو ما يحول القارب في ملف التحقيق من وسيلة عبور إلى دليل على الطريقة التي تُسعّر بها حياة المهاجرين.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *