نواكشوط – “القدس العربي”: في خضم التحولات المتسارعة التي تعيشها مالي، لم تعد أحداث الشمال، خصوصاً في أزواد، مجرد تطورات ميدانية عابرة، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لجدوى الخيارات الاستراتيجية التي تبنتها باماكو في السنوات الأخيرة.
فبعد الرهان على مجموعة “فاغنر”، ثم الانتقال إلى الفيلق الإفريقي الروسي، على أمل تحقيق حسم عسكري سريع واستعادة السيادة، كشفت الوقائع عن مشهد أكثر تعقيداً، يتأرجح بين نجاحات محدودة وتراجعات مقلقة.
وفي ظل هذا الواقع، يطفو إلى السطح السؤال الجوهري: هل كان البديل الروسي أكثر نجاعة من الشراكة العسكرية والأمنية مع الغرب، أم إن التجربتين أثبتتا معاً محدودية الاستفادة من “الأمن المستورد”، ليبقى الرهان الحقيقي معقوداً على بناء قدرات ذاتية تحمي السيادة وتعيد تعريف معادلة الأمن والكرامة؟
وفي مشهدٍ يتسم بتناقض الروايات وتسارع الوقائع، تتكشف في مالي ملامح مرحلة مفصلية في مسار الشراكة الأمنية مع موسكو، حيث يتقاطع خطاب رسمي يشيد بفعالية الدعم الروسي مع معطيات ميدانية توحي بتراجع استراتيجي مقلق، خاصة في شمال أزواد.
الترتيبات تقضي بانسحاب روسي تدريجي من الأراضي المالية، مع ترجيحات بإعادة انتشار نحو قواعد في ليبيا
وتشير تطورات المشهد الأمني في مالي إلى ملامح مقاربة روسية مزدوجة تثير تساؤلات متزايدة حول حقيقة تموضعها العسكري والسياسي. ففي العلن، تواصل موسكو إظهار دعمها لسلطات باماكو بقيادة أسيمي كويتا، وهو ما حرصت على إظهاره من خلال لقاء سفيرها يوم الثلاثاء، محاطاً بضباط روس مع الجنرال كويتا، وهي مع ذلك تعلن عبر بيانات رسمية إحباط محاولات انقلاب وعمليات مسلحة، بما يعكس حضورًا ظاهريًا حازمًا.
غير أن المعطيات الميدانية توحي بصورة مختلفة، إذ تتحدث مصادر متقاطعة عن تسليم تدريجي لقواعد وثكنات عسكرية، بل ومدن استراتيجية، دون مواجهات تُذكر. هذا التباين بين الخطاب الرسمي والواقع العملياتي يعزز فرضية وجود تفاهمات غير معلنة، يُعتقد أنها تمت بوساطة إقليمية بين الجانب الروسي وحركات حركات تحرير أزواد التي تخوض في المرحلة الراهنة تحالفًا ظرفيًا مع جماعات متشددة تنشط في الساحل.
وحسب هذه القراءة، فإن الترتيبات تقضي بانسحاب روسي تدريجي من الأراضي المالية، مع ترجيحات بإعادة انتشار نحو قواعد في ليبيا، في سياق إعادة تموضع أوسع في المنطقة. ويأتي ذلك في ظل تراجع فعالية نموذج “الحماية مقابل الذهب”، الذي تبنته موسكو، لا سيما عبر شركة فاغنر، كبديل عن الشراكات الأمنية التقليدية مع فرنسا والغرب في مواجهة تنظيمي داعش والقاعدة.
وتعكس التطورات الأخيرة، في جوهرها، تعثر الاستراتيجية الروسية في الساحل الإفريقي، خاصة بعد محاولة استبدال نموذج المرتزقة بقوات أكثر رسمية تحت مظلة ما يُعرف بـ”الفيلق الإفريقي” التابع لوزارة الدفاع الروسية.
وبين خطاب الدعم العلني ومؤشرات الانسحاب الميداني، تبدو موسكو أمام معادلة معقدة تتمثل بالحفاظ على النفوذ دون الانخراط في كلفة أمنية متصاعدة، في بيئة إقليمية تتسم بتعدد التحالفات وتداخل الفاعلين.
في خضم هذه التطورات، أشاد النائب المالي، علي تونكارا، بأداء القوات الروسية، معتبراً أن تدخل الفيلق الإفريقي الروسي كان حاسمًا في مواجهة الهجمات الأخيرة. وتؤكد موسكو هذا الخطاب، إذ شددت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا، على استمرار عمليات مكافحة الإرهاب “بنشاط”، في وقت أعلنت فيه وزارة الدفاع الروسية إحباط ما وصفته بمحاولة “انقلاب عسكري” شارك فيها نحو 12 ألف مسلح استهدفوا مدنًا كبرى ومنشآت سيادية، بينها القصر الرئاسي في باماكو.
وتتحدث الرواية الروسية عن حصيلة عملياتية ثقيلة، تشمل مقتل مئات المسلحين وتدمير عشرات العربات، مدعومة بضربات جوية نفذتها طائرات “سو-24″، إلى جانب تأمين مواقع حساسة كمطار موديبو كيتا وقاعدة كاتي العسكرية.
انسحاب وتموضع جديد
غير أن هذه الصورة تتزامن مع معطيات ميدانية مختلفة، أبرزها انسحاب قوات الفيلق الإفريقي الروسي من مدن استراتيجية في الشمال، من بينها كيدال وتسليت وأقلهوك وميناكا، في عملية وُصفت رسميًا بأنها “إعادة انتشار” بالتنسيق مع السلطات المالية، بينما يؤكد فاعلون أزواديون أنها تمت في إطار تفاهمات سمحت بانسحاب آمن بعد اشتباكات عنيفة.
وتشير تقارير ميدانية إلى أن هذه الاشتباكات جاءت نتيجة تنسيق بين الحركات الأزوادية وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين بقيادة إياد أغ غالي، ما يعكس تحولًا نوعيًا في طبيعة التهديدات التي تواجهها القوات المالية وحلفاؤها.
تتزايد القراءات التي تتحدث عن أدوار غير مباشرة لقوى دولية في تعقيد الوضع، عبر دعم أو توظيف أطراف محلية
منذ دخول مجموعة فاغنر إلى مالي، رُوّج لوعود بحسم عسكري سريع واستعادة السيادة على الشمال، لكن التحول لاحقًا إلى نموذج الفيلق الإفريقي الروسي الأكثر ارتباطًا بوزارة الدفاع الروسية، كشف عن تغير في العقيدة العملياتية، من الهجوم المباشر إلى إدارة الصراع وتقليص الخسائر.
في هذا السياق، لم تنجح التكتيكات القائمة على القوة النارية والضربات الجوية في بيئة معقدة كصحراء أزواد، حيث تتداخل الجغرافيا الوعرة مع شبكات اجتماعية وقبلية عابرة للحدود، ما جعل من الصعب تحقيق سيطرة مستدامة.
في المقابل، يبدو أن مركز الثقل العسكري يتجه نحو العاصمة باماكو، حيث عززت القوات الروسية وجودها في المواقع الحيوية، في ظل تقارير عن محاولات للسيطرة على منشآت سيادية واغتيال وزير الدفاع في تفجير استهدف مقر إقامته. كما كشفت معطيات عن تصدع داخل المؤسسة العسكرية، بعد اجتماع برعاية روسية بين قادة بارزين، بينهم الجنرال مالك جاو والجنرال عمر جارا، انتهى دون توافق، وسط دعوات للتخلي عن الرئيس عاصمي كويتا الذي يواجه ضغوطًا متزايدة داخليًا وخارجيًا.
جدل الفعالية
هذا التباين بين الخطاب الرسمي والواقع الميداني يطرح سؤالًا جوهريًا حول جدوى الشراكة مع موسكو. فبينما تشير بعض المؤشرات إلى نجاحات تكتيكية مثل صد هجمات أو تأمين العاصمة، فإن الصورة الأوسع تعكس صعوبات في تثبيت السيطرة على الشمال، ومنع تحالفات معادية جديدة، وتجنب الانزلاق إلى حرب استنزاف طويلة. ويرى محللون أن هذه الشراكة قامت ضمن معادلة “الأمن مقابل الموارد”، خاصة في قطاع الذهب، ما يثير تساؤلات حول أولويات التدخل الروسي وحدوده.
وفي خضم هذا المشهد، تتزايد أيضًا القراءات التي تتحدث عن أدوار غير مباشرة لقوى دولية في تعقيد الوضع، عبر دعم أو توظيف أطراف محلية، غير أن هذه الفرضيات تبقى في غياب أدلة قاطعة ضمن دائرة التقدير السياسي أكثر من كونها حقائق مثبتة.
نحو أي سيناريو؟
مع استمرار الضغط على مدن كبرى مثل تمبكتو وتراجع الحضور في الشمال، تبرز مخاوف من إعادة تشكل واقع ميداني جديد، قد يعيد طرح سيناريوهات قديمة مثل صعود كيان أزوادي بحكم الأمر الواقع، أو على الأقل ترسخ انقسامًا جغرافيًا أمنيًا بين الشمال والجنوب.
تطورات الأحداث في مالي كشفت عن مفارقة لافتة تتمثل في دعم عسكري روسي مكثف لم يمنع تدهور الوضع الأمني
وتبقى الخلاصة هي أن تطورات الأحداث في مالي كشفت عن مفارقة لافتة تتمثل في دعم عسكري روسي مكثف لم يمنع تدهور الوضع الأمني، بل تزامن مع انتقال الصراع من أطراف البلاد إلى قلب العاصمة.
وبينما تؤكد موسكو وحلفاؤها أن العمليات مستمرة، وأن التهديدات تحت السيطرة، توحي الوقائع بأن الشراكة الحالية لم تحقق الهدف الأساسي المعلن وهو استعادة الاستقرار والسيادة، بل إن مالي تجد نفسها اليوم أمام معادلة أكثر تعقيدًا، حيث يتداخل الأمني بالسياسي، والمحلي بالدول