قبل انبثاق العصر الرقمي الذي حيّر العقول وشغل الأذهان، تحتفظ أجيال عدة من المغاربة بصور مختلفة عن «العطّار»، وهو شخص كان يجوب المدن والقرى والسهول والجبال، حاملاً على دابّته أشكالاً مختلفة من التوابل والأعشاب العطرية والطبية والمواد الغذائية التقليدية وغيرها… ويردد نداءاته من أجل جلب الزبائن لبضاعته، خاصة النساء.
«العطار» غاب اليوم من الفضاء العمومي تقريبًا، أو كاد يغيب، وبقي مجرد ذكريات يرويها السلف للخلف. لكن خبيرًا مختصًا في الزراعة والنباتات والتغذية سعى إلى إعادة بعث هذه الشخصية من مرقدها، فصار يتقمصّها بطريقة معاصرة وجذّابة، من خلال فيديوهات على منصات التواصل الاجتماعي، ليبرز منافع التغذية السليمة بالطرق والمواد التقليدية، ويدعو إلى التخلّي عن المنتجات المصنّعة، بل إنه لم يتردد يومًا في إطلاق نداء من أجل التخلي عن الثلاجة واستبعادها من المطابخ؛ غير عابئ بردود فعل الشركات المنتجة.
وأخذ الراصدون النشطاء في منصات التواصل الاجتماعي يبحثون عن لقب رفيع يليق بالشخص المذكور. لم يطلقوا عليه «العطّار»، حتى لا يلتبس الأمر مع من يحملون هذا اللقب اسمًا عائليًا، ولكنهم اختاروا له لقبًا طريفًا وجميلاً: «العشّاب»، (علمًا بأنه لا علاقة له بالمُنشّط التلفزيوني والممثل الكوميدي مراد العشابي). وسبب هذا اللقب راجع إلى كون الخبير المومأ إليه استطاع عن جدارة واستحقاق أن يضفي على هذه مهنة «العشابة» التقليدية بُعدًا عالميًا، أولاً من خلال فيديوهاته الكثيرة التي ملأت الفضاء الرقمي، وثانيًا من خلال ادّعائه المستمر بأن العلماء والخبراء والدكاترة في بلاد «العم سام» يشهدون له بالكفاءة النادرة في هذا المجال، بل لقد قال بعظمته لسانه إنه يتفوّق عليهم ويتحدّاهم طولاً وعرضًا!
وبعدما شعر «العشاب» المعاصر بأن بضاعته مهدّدة بالبوار، تحوّل إلى «تجارة» أخرى يتكسّب منها عبر عائدات «اليوتيوب» وشبكات التواصل الاجتماعي، إنها «التجارة الدينية». وحيث إن شروط مراكمة الأرباح ومضاعفتها عبر «الفيديوهات» تتطلب التجديد والإثارة باستمرار، فقد فاجأ «العشاب» مُتابعيه بتحوّل غريب بنسبة 180 درجة.
في البداية، كان خطابه يستند إلى المرجعية الدينية الإسلامية في تعزيز مطالبته بالعودة إلى ما هو تقليدي وأصيل في التغذية والتجميل وغيرها… تجلّى ذلك في «فيديوهاته» الأولى، كما تجلّى في البرنامج التلفزيوني «نخل ورمان» الذي كان يستضيفه عبر القناة «السادسة» وإذاعة «محمد السادس للقرآن الكريم». وفجأة، انقلب الرجل على كل تلك المرجعية، وصار يستهزئ بها وبرموزها، ما جعل الكثيرين يتساءلون باستغراب: تُرى، ماذا وقع للعشاب؟
حين اختلط الحابل بالنابل!
احتفلت الأسر المغربية المسلمة بذكرى مولد النبي محمد صلى الله عليه وسلم، الأسبوع الماضي، وشاهدتْ ـ عبر القنوات التلفزيونية ـ عاهل البلاد يقيم حفلاً مهيبًا في المناسبة الجليلة، حيث قُدّمتْ له نسخ من كتب دينية من ذخائر التأليف المغربي عن الرسول الكريم، الذي وجّه الملك محمد السادس بتنظيم فعاليات ثقافية ودينية تخليدًا لذكرى مرور 15 قرنا على ميلاده.
خارج هذا السياق المفعم بالروحانيات، اختار الخبير الشهير باللقب الشعبي اللطيف «العشاب» أن يحتفل بطريقته الخاصة، حيث بثّ «فيديو» سعى فيه إلى التنقيص من الصورة المثالية التي توارثتها الأجيال المسلمة عن خاتم النبيئين، واعتبرها مجرد «أباطيل» و»خرافات» و»تفاهات». سخر من القصائد التي قيلت في مدح الرسول، كما سخر من القول المأثور إنّ له «حوضًا» يوم القيامة، ولم تسلم من سخريته حتى أوصاف وملامح الرسول مثلما تناقلها صحابته الكرام الذين لم ينجوا هم أيضًا من لسانه، ونفى المعجزات التي التصقت بشخصية محمد صلى الله عليه وسلم. وأضفى الرجل على سجالاته طابع التشويق والإثارة حين ختمها بنفي الأمّية عن الرسول، مؤكدًا أنه كان يقرأ ويكتب، خلافًا لإجماع الأمّة.
ولم يتردد صاحب هذه الأقاويل في الهجوم على معارضيه وتسفيه كلامهم والانتقاص من قيمتهم، زاعمًا أن العديدين يوظّفون تصريحاته في فيديوهات مبثوثة، على سبيل النقد، في حين أن هدفهم ـ برأيه ـ هو الرفع من عدد المتابعين والحصول على عائدات مالية عبر «اليوتيوب»!
لقد هبّ الكثيرون لانتقاد «العشاب» عبر مختلف الوسائط الاجتماعية، فتراوحت الردود بين الهدوء والتعصب، واختلط العقل مع العاطفة، العلم مع الجهل. البعض فضّل مجادلة الرجل بـ «التي هي أحسن» عملاً بما جاء في «الذِّكر الحكيم»؛ والبعض الآخر صعّد من لهجته وحماسه وهدده بالويل والثبور وعظائم الأمور. فيما اختارت فئة ثالثة مناصرة «العشاب» والوقوف في صفّه إيمانًا بما اعتبرته حقًا في الرأي والتعبير، حتى وإن خدش معتقدات القوم ومشاعرهم الإيمانية.
وفي كل الأحوال، لا ينبغي أن تُنصّب «محاكم تفتيش» جديدة للاقتصاص من «العشاب»، ولا أن تُضفَى عليه «بطولة وهمية» في المقابل. فالرد على أقاويله يكون بأسلوب حضاري هادئ، بعيدًا عن طابع التشنج أو الشعبوية المصاحب لتصريحاته، وبعيدًا أيضًا عن مواجهته بالتهديدات العنيفة.
وحسنًا فعلت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، إذْ خصصت خطبة الجمعة لهذا الأسبوع للرد بشكل غير مباشر على مزاعم «العشاب» بأن النبي محمد لم يكن أمّيًا، فحملت الخطبة عنوان «الرسول صلى الله عليه وسلم مُربّيًا ومُعلمًا»، وتضمّنت الخطبة التي نُشرت في موقع الوزارة قبل يوم الجمعة «آيات دالّة على فضل العلم، وعلى إكرام الله تعالى لنبيه ﷺ بمجامع العلوم التي لم تُعط لأحد قط، مع كونه أمّيًا لا يقرأ ولا يكتب».
الظاهر أن «العشاب» دخل يَمًّا لا يتقن السباحة فيه، فلم يجد فكاكًا ولا مخرجًا منه، ولو بقي في مجال تخصصه لكان ذلك أفيد له وللناس… ولكنها جاذبية «أدسنس» وإغراءات الأرباح!
تكريم أم إهانة؟
منذ سبع سنوات، بث التلفزيون المغربي فيلمًا كوميديًا يحمل عنوان «التكريم»، يؤدي فيه النجم محمد خيي دور كاتب تلقّى دعوة لتكريمه في مدينة مغربية، فتجشم عناء التنقل إليها آملاً في أن يكون الحدث مساهمًا في إيجاد مخرج لأزمته المادية، ليفاجأ في الحفل بتسلّم هدية التكريم التي جاءت مُغايرة لتوقعاته وأحلامه الكبيرة: زربية (سجاد مغربي) وباقة ورد فقط… وفي ضوء حالة الإحباط العارمة، تسببت له «الزربية» في مشكلة عويصة، إذ وجد نفسه مطالبًا بإيجاد حل لكيفية حملها من مكان لآخر.
لقد صوّر الفيلم الذي أخرجه حميد زيان جانبًا من معاناة المثقفين والمبدعين في المغرب كما في بلدان عربية أخرى، حيث لا يلقون التقدير والاعتراف اللازمين، خلافًا لنجوم الغناء مثلاً.
تكررت قصة الفيلم، لكن على أرض الواقع منذ أيام فقط، حيث نشر حساب على «فيسبوك» صورة فوتوغرافية لأستاذة جامعية جرى تكريمها من لدن إدارة الكلية في فاس، بمناسبة إحالتها على التقاعد. وظهرت الأستاذة تتسلم هدية الحفل، التي هي عبارة عن صينية شاي (وعاء تقدّم عليه أواني الشاي) حتى بدون تغليف أو ورق هدايا. ما دفع عددًا كبيرًا من المدوّنين إلى التعبير عن استغرابهم، معتبرين أن «تكريم أستاذة أفنت سنوات في التدريس والعطاء الأكاديمي كان يستحق، في نظرهم، احتفاءً أكثر رمزية وقيمة».
الواقع أن ما حدث مع هذه المدرّسة ينطبق على العديد من نساء ورجال التعليم والفكر والإبداع الذين لا يحظون بأي اعتبار، فتتحول مشاهد «التكريم» إزاءهم إلى لحظات إهانة وصدمة نفسية!
مدير مكتب «القدس العربي» في المغرب