من تغييب النكبة إلى وصاية في غزة.. كيف تعاملت الأمم المتحدة مع فلسطين؟


نيويورك-“القدس العربي”:- تأخرت الأمم المتحدة كثيراً في الاعتراف بنكبة الشعب الفلسطيني، علماً أنها كانت الحاضنة التي شرعنت قيام كيان غريب مستورد في أرض فلسطين، واعترفت به دولة مستقلة في أيار/ مايو 1949، حتى بعد أن تبيّن أن هذا الكيان لم يلتزم بقرار التقسيم 181، الذي اعتمد في 29 تشرين الثاني/ نوفمبر 1947، ولا بقرار حق العودة 194، الذي اعتمد في 11 كانون الأول/ ديسمبر 1948.

لقد تغاضى المجتمع الدولي، في ظل غياب وتآمر عربي رسمي، عن ضم عشرين في المئة من الأرض التي خُصصت للدولة الفلسطينية، كما تم رفض عودة اللاجئين إلى ديارهم التي هُجّروا منها، وبالتالي استوعب الجسم العربي نكبة فلسطين وأغلق ملفها. كما طُوي ملف القضية الفلسطينية في الأمم المتحدة بعد عام 1951، ولم يبق منها إلا ما يتعلق بمسألة اللاجئين ووكالة إغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “أونروا”، التي تناقش سنوياً في اللجنة الرابعة كمسألة إنسانية فقط. ويتم التصويت مرة وراء مرة على حق العودة دون أن يثير ذلك أي نقاش. وكانت الدول جميعها تصوت عليه إلا إسرائيل.

وبعد أكبر هزيمة عربية في العصر الحديث عام 1967، وقيام إسرائيل باحتلال ما تبقى من فلسطين، اعتمد القرار 242 في 22 تشرين الثاني/ نوفمبر 1967، والذي تجاهل تماماً أي ذكر لفلسطين، مشيراً إلى ضرورة إنهاء معاناة اللاجئين دون تحديد هويتهم عبر “حل عادل”. وسار على هديه القرار 338 عام 1973 بعد حرب تشرين الأول/ أكتوبر.

الاعتراف الأممي بالنكبة جاء متأخراً 74 عاماً، فيما بقي تغييب القضية الفلسطينية سياسة دولية مستمرة بأشكال مختلفة

العودة إلى مركز الاهتمام

بعد حرب تشرين الأول/ أكتوبر 1973، أصبحت المجموعة العربية من أقوى المجموعات في الأمم المتحدة. وأصبح هناك اهتمام عالمي بالعرب دولاً وشعوباً وسياسات، وخاصة بعد صدمة النفط.

وبرزت إلى السطح “منظمة التحرير الفلسطينية” ممثلاً للشعب الفلسطيني بكل تنويعاته في الداخل والخارج ودول اللجوء والشتات. واعترفت “حركة عدم الانحياز” بـ”منظمة التحرير الفلسطينية” في قمة الجزائر عام 1973، وأقرت القمة العربية في الرباط عام 1974 بأن “منظمة التحرير الفلسطينية” هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني. وعاد بند فلسطين إلى جدول أعمال الجمعية العامة في تشرين الثاني/ نوفمبر عام 1974 بعد غياب زاد عن 23 سنة.

انتخب عبد العزيز بوتفليقة رئيساً للجمعية العامة في دورتها التاسعة والعشرين عام 1974. وشعر العرب بقوتهم وتأثيرهم، حيث قطعت العديد من الدول الأفريقية علاقاتها مع إسرائيل، خاصة أن علاقاتها مع نظام الأبرتهايد في جنوب أفريقيا كانت قوية وحميمية. وقد اعتمدت الجمعية العامة مجموعة من القرارات التاريخية، أهمها القرار 3236 في تشرين الثاني/ نوفمبر 1974، الذي يفصل الحقوق الوطنية الفلسطينية ويقر بحق العودة وتقرير المصير والدولة المستقلة والحق في النضال ضد الاحتلال. ودُعيت المنظمة لتأخذ مقعدها كأول حركة تحرر تمنح هذه الوضعية. ثم اعتمد عام 1975 القرار التاريخي 3379، الذي وصم الصهيونية بأنها حركة عنصرية وشكل من أشكال التمييز العنصري.

تغييب متواصل

عادت القضية بقوة إلى المنظومة الدولية، واعتمد العديد من القرارات حول القدس والاستيطان واستخدام العنف المفرط ضد الفلسطينيين وطرد القيادات الفلسطينية وهدم البيوت وترحيل التجمعات السكنية. وحدث التفاف دولي حول القضية الفلسطينية، ورُفع مستوى التمثيل الفلسطيني، واعترف بفلسطين دولة “مراقب”، ورُفع العلم الفلسطيني إلى جانب أعلام الدول.

لكن تغييب القضية الفلسطينية وما يتعلق بنكبة فلسطين ظل متواصلاً بعد أن تشتت العرب وذهبت ريحهم بعد اتفاقيات كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل عام 1979، واتفاقية أوسلو 1993 ووادي عربة 1994. أضف إلى ذلك الحرب العراقية الإيرانية بين عامي 1980 و1988، وإقدام العراق على احتلال الكويت عام 1990، الذي ضرب مسماراً ثقيلاً في نعش التضامن العربي. بدأ التراجع العربي، ومعه الفلسطيني، ينعكس على الأمم المتحدة. فقد أُلغي قرار الصهيونية حركة عنصرية عام 1991، وتراجع الدعم العربي للقضية، وخاصة من الدول التي أقامت علاقات مع إسرائيل علناً أو سراً. واخترع الرئيس الأمريكي الأسبق، جورج بوش، وهو يحضر للحرب على العراق، “اللجنة الرباعية” عام 2002، التي أوكلت إليها مهمة تنفيذ خارطة الطريق للوصول إلى الدولة الفلسطينية، وهو ما سمي “حل الدولتين”.

تحوّل الحديث عن فلسطين من قضية تحرر وحق تقرير مصير إلى مجرد إدارة للأزمة تحت عنوان حل الدولتين

ومن يقرأ البند الأول في خارطة الطريق، فهو يضع العبء على الفلسطينيين، حيث يطلب منهم قبل كل شيء إنهاء العنف و”الإرهاب”، وهو ما تفسره إسرائيل بأنه أي عمل مقاوم أو رافض للاحتلال أو مناهض للاستيطان.

لقد أدى هذا المسار في النهاية إلى تغييب القضية الفلسطينية والاكتفاء بالحديث عن حل الدولتين، وتعددت وسائل التواصل والتطبيع مع الكيان وصولاً إلى الاتفاقيات الإبراهيمية عام 2020. وهو ما دعا الكنيست إلى أن يعرّف الدولة عام 2018 بأنها دولة يهودية فقط، وأن حق تقرير المصير لما بين النهر والبحر محصور باليهود فقط. وهذا شجع نتنياهو على أن يقف أمام الجمعية العامة في أيلول/ سبتمبر 2023 ويرفع خارطة تلغي وجود الضفة الغربية وغزة تماماً ويطلق عليها إسرائيل، ويعلن من منبر الجمعية العامة: “أعتقد أننا على أعتاب اختراق أكثر دراماتيكية: سلام تاريخي مع المملكة العربية السعودية. وهذا السلام من شأنه أن يقطع شوطاً طويلاً نحو إنهاء الصراع العربي الإسرائيلي. وسوف يشجع الدول العربية الأخرى على تطبيع العلاقات مع إسرائيل. وسوف يعزز آفاق السلام مع الفلسطينيين. وسوف يشجع على المصالحة الأوسع بين اليهودية والإسلام، وبين القدس ومكة، وبين أحفاد إسحاق وأحفاد إسماعيل”. وكأن النكبة وصلت إلى نهايتها.

الاعتراف الرسمي بالنكبة

في 30 تشرين الثاني/ نوفمبر 2022، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة لأول مرة في تاريخها قراراً بإحياء ذكرى النكبة الخامسة والسبعين في جلسة خاصة يوم 15 أيار/ مايو من كل عام. إنه الاعتراف الذي تأخر 74 سنة. وقد جن جنون البعثتين الإسرائيلية والأمريكية. وعملتا بكل قوة لإفشال القرار.

لقد وضعت إسرائيل وأمريكا ضغوطاً هائلة كي تمنعا صدور القرار، كي لا يتذكر العالم ما جرى للشعب الفلسطيني من مآس عام 1948. ولذلك لم يحصل القرار إلا على 90 صوتاً إيجابياً، بينما صوتت ضده 30 دولة، وهو رقم خطير، من بينها الولايات المتحدة وإسرائيل والمملكة المتحدة وألمانيا وكندا والسويد وإيطاليا واليونان وهولندا وسويسرا وهنغاريا والدنمارك وألبانيا والبرازيل في عهد بولسونارو، إضافة إلى عدد من دول أوروبا الشرقية وثلة من دول أمريكا اللاتينية وحفنة من الدول الجزرية الصغيرة. وصوتت 47 دولة بامتناع، معظمها من دول أمريكا اللاتينية وأفريقيا وأوروبا. وقد تغيبت عن التصويت 26 دولة. في المحصلة، هناك 103 دول لم تدعم القرار، وهو عدد كبير يثير القلق حول تآكل ما كان يسمى الإجماع الدولي أو الغالبية الساحقة من المجتمع الدولي. هكذا كان الوضع قبل طوفان الأقصى وحرب الإبادة على غزة.

طوفان الأقصى والقرارات الدولية

لقد جاءت عملية الطوفان فخلقت ديناميات جديدة على جميع المستويات الدولية. لقد أصبحت القضية الفلسطينية منذ تشرين الأول/ أكتوبر 2023 ولغاية تشرين الأول/ أكتوبر 2025 القضية الأكثر تداولاً في مجلس الأمن والجمعية العامة ومجلس حقوق الإنسان ومحكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية بلا جدال.

 لقد اعتمدت العديد من القرارات التاريخية والآراء القانونية. لكن عمليات التغييب والتهميش ظلت مستمرة، خاصة بعد قرار وقف إطلاق النار يوم 13 تشرين الأول/ أكتوبر 2025، ثم اعتماد القرار 2803 يوم 17 تشرين الثاني/ نوفمبر 2025، والذي تبنى خطة ترامب لما سمي “السلام” في غزة. إن هذا القرار الأخير من أخطر القرارات التي اعتمدتها المنظمة الدولية في تاريخها والمتعلقة بالقضية الفلسطينية. لقد تعامل القرار مع الفلسطينيين على أنهم قاصرون ولا يستطيعون أن يحكموا أنفسهم بأنفسهم، فلا دور للسلطة الفلسطينية، والشرطة الفلسطينية يمكن أن تلعب دوراً في مساعدة القوة الدولية بعد تدريب أفرادها والتحقق من ولائهم. وأنشأ القرار مجلس وصاية سمي زوراً وبهتاناً بأنه “مجلس سلام”، وتعمل تحت إمرته حكومة انتقالية تنفذ خطة ترامب، كما تعمل تحت إمرته قوات استقرار لضبط الأمن مكونة من دول انتقتها الولايات المتحدة بعناية. ويكون لهذا المجلس شخصية اعتبارية. فهو محمية بالقانون الدولي، أي لا أحد يتدخل في عمله أو يسائله إن ارتكب جرائم. يتصرف باستقلالية مطلقة دون أي اعتبار لموقف أو رأي السلطة الفلسطينية، ما قد يرسخ فصل قطاع غزة عن الضفة الغربية.

القرار 2803 لا يعالج القضية الفلسطينية بل يفتح الباب أمام وصاية دولية تعمّق فصل غزة عن الضفة الغربية

لقد أطلق القرار أيدي إسرائيل لتعمل ما تشاء فتقتل وتدمر وتقتحم يومياً، بينما أحكم الرباط على الأيدي الفلسطينية. ووضع قضية نزع سلاح المقاومة شرطاً أولياً لكل شيء، فلا انسحاب ولا محادثات سلام ولا وجود لسلطة فلسطينية إلا بعد نزع سلاح المقاومة.

بدأت النكبة الفلسطينية عام 1948 وتبعتها نكسة عام 1967 وتعززت بعد كامب ديفيد، ثم جاءت اتفاقيات أوسلو الأربعة، المبادئ العامة واتفاقية باريس الاقتصادية وأوسلو 2 في طابا 1995 واتفاقية الخليل 1998، وصولاً إلى الاتفاقيات الإبراهيمية 2020. لكن القرار 2803 يضع الختم النهائي على قضية الكيانية الفلسطينية وحق تقرير المصير والدولة المستقلة إذا لم يتم تعبئة الشعب الفلسطيني بكامله ضد الإلغاء والتهميش الذي تضمنه القرار. لقد أنيطت مسؤولية تنفيذ القرار لأعداء الشعب الفلسطيني الأربعة: كوشنر وويتكوف وتوني بلير ونيكولاي ملادينوف.

نقول أخيراً إن الشعب الفلسطيني المقاوم لن يستسلم ولن يرفع الراية البيضاء رغم كل الضغط الذي يتعرض له والتجويع والاقتحامات والعنف والتشريد. فجذوره مزروعة في أحشاء هذه الأرض، أما الغرباء ففي نهاية المطاف سيحملون أمتعتهم ويرحلون كما رحل 16 احتلالاً من قبلهم.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *