طرح الممثل الأعلى لمجلس السلام في غزة، نيكولاي ملادينوف، أول أمس الخميس، «خريطة طريق» من 15 بنداً لتنفيذ «خطة السلام» التي اقترحها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن قطاع غزة «بلغة واضحة وبسيطة»، كما قال في تدوينة نشرها على موقع إكس، وذلك بعد إحاطة قدّمها أمام مجلس الأمن الدولي، بشأن تقريره الأول عن «مستقبل السلام في قطاع غزة».
أبرز ما ميّز خطة ترامب، حينها، كان استبعادها الواضح لحركة «حماس» من أي دور حاكم في المستقبل، وإعلانها انسحاب القوات الإسرائيلية إلى «خط متفق عليه»، وإبقاء خطوط القتال مجمدة حتى «تتحقق الشروط اللازمة للانسحاب التدريجي الكامل»، واعتبار غزة «منطقة خالية من الإرهاب والتطرّف»، و»إعادة تطويرها لصالح سكان غزة»، وكان ملفتا في تلك الخطة أن إسرائيل لن تحتل أو تضم منطقة كانت تضم 21 مستوطنة انسحب سكانها عام 2005، وأن أحدا من سكان القطاع لن يجبر على مغادرته، وسيسمح لمن يغادر بالعودة. تضمنت الخطة أيضا إرسال «مساعدات كاملة» إلى غزة «دون تدخل من الطرفين»، وانتقال إدارة غزة إلى «لجنة فلسطينية تكنوقراطية غير سياسية» تخضع لإشراف ومراقبة «مجلس السلام» الدولي.
قدّمت النقاط العشرون لترامب ما يمكن تسميته «شبكة دبلوماسية واسعة» تقبلها إسرائيل و»حماس» والوسطاء العرب والجهات الدولية الفاعلة، وهو ما جعلها تتسم بالغموض حول تحديد الأطراف الفاعلة، وبأي ترتيب، وتحت أي رقابة، وبعد قرابة 5 شهور من إعلان الخطة دخلت منطقة الشرق الأوسط برمّتها في خضم الحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران فخفتت الأضواء عن القضية الفلسطينية، وأعادت إسرائيل احتلال قرابة 60% من القطاع، مستأنفة الاغتيالات، والقصف، والتجويع.
وجد ملادينوف طريقة دبلوماسية لوصف هذه الإبادة المستأنفة بالقول إن وقف إطلاق النار «بعيد كل البعد عن الكمال» وإن القيود الإسرائيلية المفروضة على المساعدات الإنسانية بأنها «ليست قضايا مجرّدة» بل وحذّر أيضا من خطر أن يصبح الوضع الراهن المتدهور وضعا دائما «مع انقسام غزة، واحتفاظ حماس بالسيطرة العسكرية والإدارية».
استغرق الأمر ملادينوف للخروج بهذه الخطة التنفيذية سبعة أشهر و22 يوما. أهم ما في هذه الخطة، كما هو متوقع، جعله نزع السلاح شرطا لكل ما يلحق، فعليه تنبني الافتراضات اللاحقة: الانسحاب الإسرائيلي، وإعادة الإعمار، وثقة المانحين، ونقل السلطة إلى اللجنة الوطنية الفلسطينية. تجريد «حماس» من السلاح إذن هو الحل السحري الذي يفتح الباب أمام تنفيذ بقية الخطة، وهو يفترض أن إسرائيل ستقوم إثر ذلك بالوفاء بالالتزامات والانسحاب.
سيتم، حسب الخريطة، ملء فراغ الحكم المؤقت لغزة «بموجب قرار دولي» وهو ما سيظهر «اللجنة الإدارية»، وخصوصا إذا لم تكن ذات صلة وثيقة بقطاع غزة، كأداة قادمة من الخارج، كما أنها ستمثّل إشكالية كونها لا تملك تفويضا ديمقراطيا من الفلسطينيين أنفسهم.
العطب الأكثر وضوحا في كلا الخطتين أنهما لا تقدمان مسارا ثابتا وقابلا للتنفيذ نحو إقامة دولة فلسطينية، فخطة ترامب تؤجل المسائل إلى «محادثات مستقبلية» وتربطها بـ»إصلاح السلطة الفلسطينية» (وهو تعبير مطاط وقابل للتأويل بأكثر من اتجاه)، أما خريطة ملادينوف فتحيل موضوع الدولة الفلسطينية، والذي هو صلب المشروع السياسي الفلسطيني، إلى نواتج لاحقة تتبع نزع سلاح «حماس» والفصائل، وتجعل ذلك لازمة للانتقال للحكم المدني، في تأجيل للسيادة إلى أجل غير معلوم.
حققت خطة ترامب اختراقا دبلوماسيا أدى لإعلان وقف إطلاق النار، وهو ما تآكل تدريجيا بفعل خطط إسرائيل المواجهة، أما خريطة طريق ملادينوف فتبدو أكثر جدية كخطة للحكم والأمن لكنها تعتمد تفسير إسرائيل للأولويات، كما تعتمد على تطبيق حكومة نتنياهو لالتزاماتها، ثم قبول الفلسطينيين بسلطة انتقالية يتم إنشاؤها تحت إشراف دولي مكثّف، وبين المخرج السياسي من الحرب، الذي قدّمه ترامب، والمسار التقنيّ الذي قدّمه ملادينوف، لم يقدم الطرفان حتى الآن تسوية سياسية فلسطينية شرعية بشكل كامل.