واشنطن ـ «القدس العربي»: في مشهد يعكس تصاعد التوترات الدولية وتآكل الدبلوماسية متعددة الأطراف، دخلت الولايات المتحدة مجددًا في صراع مباشر أو شبه مباشر في الشرق الأوسط، هذه المرة مع إيران، في سياق يوصف بأنه حرب «وقائية» بلا أهداف واضحة وبكلفة سياسية وإنسانية متزايدة. وبينما تتصاعد التحذيرات من انزلاق المنطقة إلى حرب أوسع، يرى محللون أن ما يجري ليس حدثًا معزولًا، بل استمرارا لمسار طويل من التدخل الأحادي وتراجع الالتزام بالقانون الدولي.
ففي 11 أيار/مايو الجاري، رفض الرئيس دونالد ترامب خلال مؤتمر صحافي أي حديث عن نجاح اتفاق وقف إطلاق النار مع إيران، واصفًا إياه بأنه «قمامة» و«في حالة إنعاش اصطناعي». هذا الموقف لم يكن، وفق مراقبين، مجرد تصريح عابر، بل انعكاسًا لنهج سياسي ثابت خلال ولايته الثانية، يقوم على تفضيل القوة العسكرية على التسويات الدبلوماسية، وتجاوز الأطر الدولية التقليدية.
وتشير التقارير إلى أن الإدارة الأمريكية تحركت عبر مسارات أحادية، من دون المرور عبر مؤسسات مثل الأمم المتحدة أو بناء توافق دولي واسع، أو حتى الحصول على تفويض واضح من الكونغرس. وبدلًا من ذلك، تعززت الشراكة الاستراتيجية مع إسرائيل، في سياق يُنظر إليه باعتباره امتدادًا لهدف طويل الأمد يقوم على احتواء إيران أو زعزعة استقرارها، وهو ما يعيد إلى الواجهة سؤالًا جوهريًا: لماذا يتم تفكيك أو تهميش الاتفاقات الدبلوماسية، رغم أن تقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية أشارت في فترات سابقة إلى التزام إيران ببنود الاتفاق النووي المعروف بـ«خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA)»؟
هذا التناقض، بحسب محللين، يعكس أزمة أعمق في النظام الدولي، حيث تتراجع الدبلوماسية متعددة الأطراف لصالح سياسات القوة والعمليات العسكرية. ويرى الكاتب تريتا بارسي أن الشرق الأوسط «يقترب مجددًا من حافة الحرب»، في ظل قناعة متزايدة لدى الأطراف بأن التصعيد قد يكون وسيلة لتحسين شروط التفاوض لاحقًا، لا تجنّب الحرب.
ومنذ نهاية الحرب الباردة، ومع تصاعد الدور الأمريكي كقوة عظمى وحيدة، ثم بعد هجمات 11 أيلول/سبتمبر وما تبعها من «الحرب على الإرهاب»، ترسخ نمط من التدخل الأحادي الذي يتجاوز القانون الدولي ويضعف المؤسسات متعددة الأطراف. وفي هذا السياق، يبدو أن نهج ترامب تجاه إيران ليس استثناءً، بل امتدادًا لهذا المسار، مع تسارع أكثر حدة في استخدام القوة خارج الأطر التقليدية.
وتشير تحليلات إلى أن العلاقة الوثيقة بين ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لعبت دورًا في إعادة تشكيل السياسة الأمريكية تجاه إيران، بما يجعلها أقرب إلى تفاهمات ثنائية بين قيادتين سياسيتين، بدلًا من كونها سياسة ناتجة عن توافق دولي واسع. هذا التحول، وفق خبراء، يعزز من تركيز القرار في أيدي عدد محدود من القادة، ما يزيد من مخاطر الانزلاق إلى صراعات مفتوحة.
وعلى الأرض، انعكست هذه التوترات في تصعيد عسكري متبادل. فقد ردّت إيران على الضربات الأمريكية والإسرائيلية عبر استهداف قواعد أمريكية في المنطقة، بينما تم اعتراض معظم هذه الهجمات. وفي المقابل، حذرت تقارير من أن أي حرب جديدة قد تتجاوز النمط التقليدي للصراع، لتشمل استهداف مصالح استراتيجية في الخليج، من بينها بنى تحتية حساسة ومراكز بيانات، إضافة إلى احتمالات تهديد الملاحة في البحر الأحمر، وهو ما قد ينعكس مباشرة على التجارة العالمية وأسواق الطاقة.
كما أُثيرت مخاوف من إمكانية استهداف كابلات الإنترنت البحرية في الخليج، ما قد يؤدي إلى اضطراب واسع في الاقتصاد الرقمي العالمي، نظرًا إلى اعتماد الأنظمة المالية والتجارية الدولية على هذه الشبكات. هذه السيناريوهات، حتى وإن كانت افتراضية، تعكس حجم المخاطر المرتبطة بتوسع رقعة الصراع.
وفي السياق نفسه، تشير تقارير إعلامية وتحليلات أمنية إلى أن الخطاب الرسمي الأمريكي يبرر التصعيد بالحديث عن «تهديد إيراني وشيك»، مرتبط ببرنامجها الصاروخي والنووي. لكن تقارير استخباراتية، من بينها تقديرات لوكالة استخبارات الدفاع الأمريكية، أشارت إلى أن إيران لا تمتلك صواريخ قادرة على ضرب الأراضي الأمريكية، كما لم تُسجل مؤشرات واضحة على نية طهران شنّ هجوم استباقي. هذا التباين بين الخطاب السياسي والمعطيات الاستخباراتية يفتح الباب أمام تساؤلات حول الدوافع الحقيقية للتصعيد.
وذهبت بعض التحليلات الإعلامية، من بينها تقارير بثتها قنوات دولية، إلى أن الاعتبارات الداخلية تلعب دورًا في هذا النهج، بما في ذلك تراجع الشعبية السياسية للرئيس الأمريكي، والضغوط المرتبطة بالانتخابات النصفية، إضافة إلى رغبة في تعزيز إرث سياسي قائم على الحزم والقوة. ومع ذلك، يظل هذا التفسير محل جدل، إذ يرى منتقدون أن استمرار الحرب، رغم كلفتها السياسية، قد يعكس حسابات أعمق تتعلق بإعادة تشكيل ميزان القوى في المنطقة.
وفي موازاة ذلك، تشير تقارير حقوقية إلى أن المدنيين يدفعون الثمن الأكبر. فقد تحدثت منظمات دولية عن استهدافات طالت مناطق مدنية، بما في ذلك هجوم أودى بحياة أطفال، ما أثار إدانات واسعة واعتبر دليلًا على الكلفة الإنسانية الباهظة للصراع. كما حذرت منظمات مثل العفو الدولية من أن استمرار العمليات العسكرية في بيئات مدنية يعمّق الكارثة الإنسانية بشكل يصعب احتواؤه.
في المقابل، يرى محللون أن إيران تستعد لسيناريوهات تصعيد أوسع، مع توسيع نطاق الردّ ليشمل أهدافًا خارج ساحات المواجهة التقليدية، وهو ما يزيد من احتمالات تحوّل الصراع إلى حرب إقليمية متعددة الجبهات. ومع استمرار التوتر، يبقى الاحتمال قائمًا بأن تتحوّل الحسابات التفاوضية إلى وقود إضافي للتصعيد بدلًا من كبحه.
في النهاية، يعكس المشهد الحالي أزمة أعمق في بنية النظام الدولي: تراجع دور المؤسسات متعددة الأطراف، وتصاعد منطق القوة، وتآكل قواعد القانون الدولي لصالح قرارات تتخذها قلة من القادة. وبينما تتداخل المصالح السياسية مع الحسابات العسكرية، يبقى المدنيون في المنطقة هم الحلقة الأضعف في صراع تتسع حدوده وتتزايد مخاطره، بدون أفق واضح لاحتوائه.