من التأليف حتى ادراك الفنون البصريّة


من يقرأ كتاب الناقد المغربي بوشعيب الساوري (انفتاح النصّ الرحليّ) الصادر عن أفريقيا الشرق: المغرب 2023، سيجد مادة دسمة تتعلّق بمآلات الرحلة، وانفتاح نصّها على جملة من الأنواع الادبيّة، والممارسات الاجتماعيّة التي استطاع الناقد الجمع بينها، وبين نصّ الرحلة لصالح الكتابة الرحليّة التي وصف الناقد نصّها بالعصيّ على التحديد، لكنّه روضه لصالح الثقافة، وتعدّد المرجعيّات.
والانفتاح الذي عناه الناقد في عنوان الكتاب له دلالة التعالق بين نصّ الرحلة، ونصوص مجاورة أخرى لنكون إزاء ظاهرة تسهم في قبول النصّ الرحلي لمزيد من القراءات التي تعزّز المتن، وتجعله يتجاوز الوصف الجغرافي، والأنثروبولوجي ليكون فضاًء مفعما بالثقافة التي تنفتح على أشكال أدبيّة يمكن وصفها بالديناميّة التي تريد لنصّ الرحلة أن يكون جامع نصوص تتداخل الخطابات، والأنواع الأدبيّة، والفنيّة في متنه.
تَقرأ مقدمةَ الكتاب فتجد نصّا عابرا لما ألفناه في المقدّمات التقليديّة التي تكتفي بشرح مدلول العنوان، والعنوان الموازي، والإحالة على المنهج المتبع، وفصول الكتاب، ومباحثه، وهذا ما لم أجده في المقدمة التي قدّمت ايجازا محدودا عن فصول الكتاب، لكنّها ارتضت لنفسها أن تمهّد للإشكاليّة المضمرة بجملة من الرؤى، والتنظيرات، والحقائق التي كانت عونا معرفيّا لمن يريد أن يقرأ الكتاب، ويقف عند فصوله، ويتأوّل مضمونه، فتلك المقدّمة التي استعارت طبيعة التمهيد آثرت أن تكون عتبة مصوغة برؤى منهجيّة محكمة، ومتناسقة سبقت الفصول، وقدّمت مادة غنيّة بالإحالات الدالّة على ما في المتن الآتي من مشكلات يجب حلّها، والأخذ بما في المقدمة من تصوّرات داعمة لحضور الرحلة في فضاء الممارسة، والكتابة، والقراءة، والتفكيك، وهي خاضعة لوعي الناقد، وقدرته على المناورة، ونقل الحقائق من عتبة المقدمة إلى عتبات الفصول بهدف إشعار المتلقي بما في تلك الفصول من مادّة تستحقّ القراءة والتأويل.
في الفصل الأول (حريّة التأليف وتعدّد الأشكال) وقف الناقد عند قدرة مؤلّف الرحلة على التمتّع بالحريّة التي تجعل من قلمه جوّاب مظّان مختلفة تبتعد عن ظاهرة الثبات الشكلي للكتابة المرهونة بنمط واحد من الإبداع من خلال الانفتاح على مجموعة من الأنواع الأدبيّة مثل: الرواية، والسيرة، والرسالة، واليوميّات، وغيرها من الأنواع، والفنون التي تسمح لنصّ الرّحلة أن يكون مهجّنا في تركيب لغته، وانفتاحها على أنواع أدبيّة، وفنيّة لكلّ منها صوتها السردي الخاص الذي يتواءم فيما بعد مع شكل الرحلة ومحتواها.
ورأى الناقد الساوريّ أنّ النصّ الرحليّ يتعدد بتعدّد القصد من الرحلة، ووجهتها بين التقرير، والرواية، والرسالة، والسيرة، واليوميّات، فالنصّ في النتيجة النهائيّة متنٌ شذريٌّ يتعدّد بتعدّد غايات الرحّال التي يعلن عن أهدافها، أو يضمرها؛ تلك التي تدفعه للارتحال بعيدا عن مستقرّه، ومن ثمَّ الكتابة، وهي عادة ما تتشكّل من مجموعة من الإحالات النفسيّة، والجغرافيّة، والتاريخيّة، والماديّة التي تأخذ بيد الرحّالَ؛ لأن يطلب الترحالَ، والخوضَ في غمار الرّحلة مغامرا، ومبتعدًا عن حياتِه الاعتياديّةِ، وممارساتِه السابقةِ.
وأظهر الفصل الثاني من الكتاب (التفاعل مع النصوص السابقة) انفتاح النصّ الرحلي على مجموعة كبيرة من الإحالات، والاستشهادات، والمرجعيّات التي تجعل من نصّ الرحالة حقلا خصبا قابلا للتناص، فالنصّ الرحليّ وليد نصوص أخرى مرجعيّة، وحجاجيّة، وشعريّة، وتعبيريّة، ونقديّة تعمل على ملء ثقوب الذاكرة الخاصّة بالمؤلف، والمتلقي معا، وتُظهر الرحال متفوقا في مجال رحلته، فالتفاعل-ولا سيّما في نصّ الرحلة- انفتاح أكثر من نوع أدبيّ، أو فني في بنية أدبيّة معروفة شرطها التمازج الشكلي المؤثّر في المضمون الذي يتيح للمتلقي فرصة العثور على تفاعليّة متعدّدة سواء أكانت في الشعر أم في النثر، أم في الفنون المعروفة.
وكان الفصل الثالث (الانفتاح على التخييل) معنيّا بما يمتلك نصّ الرحلة من مادة سرديّة تتجاوز تقرير الحقائق الجغرافيّة، التاريخيّة، والاجتماعيّة إلى تخوم نصّ موشّى بمعالم التخيّل بوصفه القوّة القادرة على ابداع لغة خاصّة بالنصوص تكون المشاهدات اليوميّة جزءا من متنها ،فهي معنيّة بتحويل المرئيّ إلى مكتوب يتعمّد الموازنة بين الموجودات، أو بين تجارب الماضي، ومعطيات الحاضر، فتبدأ مجسّات الرحّال بتشغيل آليّات تسجيلها التي تعتمد على الاستقبال البصري الذي يعمل على شدّ المخيّلة إلى آلاف الحالات التي تظلّ مصدرا دائما لرقائق التحسّس التي تتلوّن بتجارب الترحال.
تُقرأ الرحلة في عصرنا الراهن وهي تمتلك دلالة تشكيل ثقافيّ ينفتح سرديّا على عوالم مختلفة تتسع إلى مزيد من التخييل الذي يأخذ المتلقي إلى أزمنة مختلفة، وأمكنة تمور بين ما هو واقعيّ، ومتخيّل يمكن رصده، والوقوف عند علاقاته، وتأثيراته التي عادة ما تكتنز بمجموعة من الأنساق التي تحضر فيها روح الثقافة؛ تلك التي تضمر في داخلها ما هو قابع تحت سلطة اللغة، وهو يحيل على ما هو خارج عناية مؤسّسات النقد الأدبي، أي ما كان خطابا، أو ظاهرة غير مقصودة الجمال لذاتها.
وجعل الناقد الفصل الرابع(الانفتاح على الذات) مصدرا للحديث عن ذات الرحال، وهي تكشف عن خصوصياته النفسيّة والثقافيّة من دون أن تتقصّد في ذاك، لقد شَغَلَ تعريفُ الـذات الذاكرة الثقافيّة بمختلف أنواعها ردحا من الزمن؛ بسبب هيمنتها على الوعي الإنساني مقرونة بنشاطات الإنسان المختلفة، والذات مركز الحياة وهامشها أيضا، وبها تأثّث الوجود، وصارت له مساحات عُمّرت بالصراعات التي كانت دليلا على وجودها والآخر في الرحلة وفي غيرها، من هنا تظهر الذات في الخطاب الرحلي من خلال سيرة الرحال نفسه مقرونة بأفكاره، وعناياته، وحضور الآخر بعدّه شريكا في الحياة، فضلا عن ظهور أهواء الرحال، وانفعالاته إزاء برنامج الرحلة ومدياته، فهو إنسان أولا وآخرا.
وجاء الفصل الخامس (الانفتاح على الآخر) معنيّا بحضور الآخر في الرحلة، وهو الطرف المتمّم لحضور الذات، فالرّحلةَ تقوم في جانب مهمّ منها على أساسِ حضورِ الآخر في المشاهدةِ، والحوار، ليكون في النهاية جزءا من خطاب الرحلة المنفتح على ثقافات مختلفة، بعيدا عن التحقير، والتسفيه، فمعرفة ممارسات الآخر الثقافيّة رؤية تفضي إلى العلم الشامل بمعطيات الرحلة، وقوانينها الفاعلة.
وحضر الفصلُ السادسُ بعنوان (الانفتاح على القرّاء) محاولة جادة لانفتاح النصّ الرحليّ على متلقين متعدّدين من خلال قدرة المؤلّف على استعارة سلطة القراءة، والتخييل، وزجهما في المسرود الرحلي الذي يبدي التناغم مع قرّاء حقيقين، وافتراضيين لهما موقف واضح من نصّ الرحلة؛ ولهذا يُعدّ القارئ أحد عناصر النصّ الرحليّ فهو متلقيه الأوحد، وبغيابه تفقد الرّحلة مسوغ وجودها؛ فهو حاضر في ذهن الرّحال، وفي متن الرّحلة، ومن أجله تكتب الآداب، وتبدع الفنون، وإذا ما دققنا النظر في النصوص الرحليّة فإننا سنجد نوعين منه:
الأول: قارئ حقيقي له شخصيّته الماديّة والثقافيّة يعمد الرّحال إلى تسميته في مقدمة الرّحلة أو في متنها، فيستحضر وجوده بشكل مباشر حين يكتب رحلته على شكل رسائل كما في رحلة أمانويل شلومبيرغر إلى المغرب التي وجهها إلى أمه، وهو ينقل إليها تجربة سفره الطريّة مخبرا إياها بترحاله في الأمكنة التي اختارها، والآخر: قارئ مفترض لا يصرّح الرحّال باسمه، ومكانته، هو من مبتكراته التي تُقرأ اليوم على وفق ما قاله (آيزر) عن قارئ ليس له حضورٌ حقيقيٌّ، فحضوره مجازيٌّ يجسّد مجموعة من التوجهات الخاصّة بـ(تخيّل) المؤلّف؛ لكي يكون (تخييل) المتلقي متمكّنا من إدراكه، أي أنّ وجوده اقترن بوجود النصّ.
وبحث الفصلُ السابعُ (الانفتاح على الترجمة) وهي تتعالق مع نصّ الرحلة، فهما فعلان تواصليان يربطان بين ثقافة وأخرى، فيكون للترجمة فعل الاطلاع على نشاط الآخر لفهم طبيعة الاختلاف الي يتمثّل في ثقافة شعوب مختلفة، فضلا عن أن الترجمة تقوم بوظائف مهمة منها: الشرح والتفسير، والمقارنة، والنفي والاثبات، والاقناع، فهي في النتيجة وجه من وجوه التبادل الثقافي بين الشعوب، وقد لوحظ على مدار التاريخ اقتران الترجمة بالرحلة، وفعل الترحال بوصفها حاجة يجد الرحال نفسه في مواجهتها ما لم يكن متمكنا من لغة المرتحل إليه ، فالترجمة فعل ثقافيّ يؤدّي أثراً مهما في استكمال الرحلة لمهمتها الأساسية، حين تلغي أسوار اللغات العالية لتسمح بحضور حوار هادف بين الألسن المختلفة، وتسهل التقارب بين المرتحل والمرتحل إليه، وصولا إلى إيجاد تواصل، يؤدي إلى فهم الآخر، فضلا عن فهم موضوعاته الملتبسة في عالم اليوم.
أمّا الفصل الثامن الأخير (الانفتاح على الفنون البصريّة) فتضمن سردا وافيا لوجود الصور التوضيحيّة، والفوتوغرافيّة، والبصريّة المرافقة لنصّ الرحلة، وهي تحاول تمثيل المعالم الحضاريّة للبلد المرتحل إليه، فهو -هنا- إمّا فنان: رسام، أو مهندس ، أو رحال مهووس يبتاع تلك الصور، والنماذج التشكيلية من مصدرها، أو هو يبتكرها، وهناك أيضا الخرائط، والمجسّمات، والاشكال؛ تلك التي تكشف عن وظائف الرحلة ونصها، تلك التي تعمل على إبراز النصّ الرحليّ بشكله الحقيقي.
إنّ ما قدّمه الناقد بو شعيب الساوري من جهد معرفيّ تساوق تماما مع من حضور الرحلة بوصفها نصّا ثقافيا فقد رأى أنّ الرّحلة:(نصٌّ سرديٌّ يتضمن معارف، ومعلومات بالدرجة الأولى، لكنّه يفسح المجال باعتباره نابعًا من الذاكرة عن تجربة مضت للخيال، والسرود، والمرويّات لتلج عالمه في إطار توافقات تتّم بين الأنساق لتحقيق ذلك من أجل خدمة الهدف التعليمي بالأساس).
في رؤية الناقد السابقة اعتراف بنصوصيّة الرحلة، وسرديّتها، وانفتاحها المعرفيّ والثقافيّ، وحضور الذاكرة بوصفها مصدرا جامعا لمشاهدات، وحوارات مختلفة، وتأملات حقيقيّة وخياليّة، وكأنّ الهدفَ الثقافيّ جوهر مقاصد الرّحلة، وفضاؤها الذي يتّسع لكلّ شيء. لقد وجد الناقدُ بوشعيب بالإحالة على عبد الله الغذامي أنّ الدراسات الثقافيّة تنظر إلى النصّ مقرونا بتفاعلاته مع المجتمع، وتقاطعه مع أنظمة الإنتاج والاستقبال، فهي تركّز على عمليّات إنتاج الثقافة، وتوزيعها، واستهلاكها، ولعلّه في كلامه السابق كان يمهّد للحديث عن الرّحلة بوصفها نصّا ثقافيّا له صلة بثقافة الرّحال والمرتحل إليه، وإنّ ادراج الرّحلة ضمن السرديّات الثقافيّة تحديث للرؤى التي تتعامل معها بوصفها نصًّا عابرًا للزمان، والمكان، والرّحلة – وهذا ما يقرّبها من السرديّات الثقافيّة- سرد متعدّد الخصائص، والخطابات، والرؤى، والتقانات يبتكره (الرحّال) في ضوء تجربته الواقعيّة، والتخيّليّة، وهو يتبارى والذاكرة من أجل إعادة تشكيل ما فيها على الورق، فهي لا تمتُّ بصلة إلى ثقافة النخب، والخطابات الرفيعة، ومقولات السلطة، وكتابات التمييز بين البشر، هي ببساطة نصٌ جامعٌ لنصوص أخرى قريبة من الوعي الثقافي بمعناه العام، خطابٌ متحوّلٌ من المعاينة إلى التدوين، وهذا ما جعلها نصّا مؤطّرًا بحدود التعريف، والتجنيس، وهي تتقارب مكانيًّا من أنواع أخرى مثل: السيرة، واليوميّات، والمذكّرات، فضاؤها نصّ مكتوب بنوع من السرد القائم على ملاحقة المكان، وما فيه من قوانين واقعيّة تنظم حياة المجتمع لتنتج نصّا يحيل على معايشة يتمتع بها الجميع، فيكون الرحّال عينا راصدة لتلك القوانين وتحولاتها، واشكالاتها، وما فيها من حضور وغياب، وتمثيل حقيقيّ لثقافة الشعوب المرتحل إليها.

أكاديمي وناقد من العراق



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *