منتدى «موريتانيا الخضراء» يفتح بوابة الطاقة البديلة وشمس البلاد ورياحها وإمكاناتها من الهيدروجين في قلب الرهان الاقتصادي



عبد الله مولود

نواكشوط – «القدس العربي»: بينما تستعد نواكشوط لاحتضان نقاش جديد حول مستقبل الاقتصاد الأخضر، تبدو موريتانيا أمام فرصة تتجاوز مجرد تنويع مصادر الكهرباء، لتصل إلى إعادة رسم موقعها في سوق الطاقة الإقليمية والدولية؛ فبلد الصحراء الشاسعة، الذي اعتاد النظر إلى الشمس والرياح باعتبارهما من ملامح جغرافيته، بدأ يتعامل مع هذين المصدرين باعتبارهما أصلاً اقتصادياً يمكن أن يجذب الاستثمارات ويدعم الصناعة ويؤسس لقطاعات جديدة، وفي مقدمتها الهيدروجين الأخضر.
وهكذا تستضيف نواكشوط يومي 3 و4 نوفمبر/تشرين الثاني القادم النسخة الثانية من منتدى «موريتانيا خضراء»، تحت شعار «نحو مستقبل دائم: الطاقة المتجددة ومناخ الأعمال الأخضر في موريتانيا».
ويأتي المنتدى في توقيت تتسارع فيه مشاريع الطاقة النظيفة في البلاد، ويتسع فيه النقاش حول الاستثمار الأخضر والاقتصاد الدائري وتثمين النفايات والتكيف مع تغير المناخ وحماية التنوع البيولوجي، إلى جانب ريادة الأعمال والتمويل المستمر.
وتقول الجهة المنظمة إن المنتدى يستهدف الانتقال من النقاش إلى المشاريع والاستثمارات والشراكات الملموسة، من خلال جمع المؤسسات الحكومية والقطاع الخاص والمؤسسات المالية وشركاء التنمية والباحثين ورواد الأعمال والمبتكرين الشباب والفاعلين في المجال البيئي.

موارد تتجاوز الحاجة المحلية

وتستند الطموحات الموريتانية إلى معطيات تجعل البلاد من أكثر البيئات ملاءمة في المنطقة لتطوير الطاقة الشمسية والريحية؛ فقد خلصت الوكالة الدولية للطاقة المتجددة «إيرينا» إلى أن جزءاً كبيراً من الأراضي الموريتانية يتمتع بملاءمة عالية لتطوير مشاريع الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، وقدرت إمكانات التطوير القصوى بنحو 457.9 غيغاواط للطاقة الشمسية ونحو 47 غيغاواط لطاقة الرياح، وهي أرقام تعكس الإمكانات النظرية ومجالات الملاءمة وليست قدرات إنتاجية قابلة للاستغلال الفوري.
وتكتسب هذه الموارد أهمية إضافية بالنظر إلى طبيعة الاقتصاد الموريتاني، حيث يمثل التعدين أحد أكبر مستهلكي الطاقة، وترى الوكالة الدولية للطاقة أن تطوير مصادر الطاقة المتجددة يمكن أن يخفض كلفة الطاقة في قطاع التعدين ويقلل الانبعاثات ويحسن أمن الإمدادات، في وقت يمكن فيه للطاقة النظيفة أن تفتح المجال أمام صناعات جديدة مرتبطة بالهيدروجين ومشتقاته.
ولا يتعلق الأمر بالطاقة الشمسية وحدها؛ فموريتانيا تمتلك موارد رياح قوية، وسبق أن دخلت طاقة الرياح إلى مزيجها الكهربائي عبر مشاريع من بينها مزرعة بولنوار بقدرة 100 ميغاواط، بينما تتواصل مشاريع جديدة لرفع إنتاج الكهرباء النظيفة». وكانت محطة الطاقة الشمسية الكبرى في نواكشوط إحدى أولى العلامات الكبرى على دخول الطاقة الشمسية مرحلة الإنتاج على نطاق واسع في موريتانيا.
وتبلغ قدرة المحطة 15 ميغاواط، وتنتج أكثر من 25 ألف ميغاواط/ساعة سنوياً، وتوفر الكهرباء لأكثر من عشرة آلاف منزل، كما تساهم في توفير ملايين اللترات من وقود الديزل سنوياً.
لكن المشهد الحالي مختلف من حيث الحجم والطموح، فقد أعلنت الحكومة عن مشاريع تجمع بين الشمس والرياح والتخزين، في محاولة لمعالجة مشكلة التقطع التي تواجه مصادر الطاقة المتجددة، وتحويلها إلى مصدر أكثر استقراراً للكهرباء.
وفي هذا السياق، وقعت الحكومة في سبتمبر/أيلول 2025 اتفاقية شراكة مع القطاع الخاص لإنشاء مجمع هجين للطاقة الشمسية والرياح باستثمار يقارب 300 مليون دولار. ويضم المشروع 160 ميغاواط من الطاقة الشمسية و60 ميغاواط من طاقة الرياح، مع نظام لتخزين الطاقة بالبطاريات. ووفق وزارة الطاقة، يفترض أن يبدأ الإنتاج في سبتمبر/أيلول 2026.
كما تتجه موريتانيا إلى إدخال التخزين على نطاق أكبر في منظومتها الكهربائية. ويمول مشروع «دريم» «DREAM» المدعوم من البنك الدولي أول منشأة كبيرة لتخزين الطاقة بالبطاريات في البلاد، بما يسمح باستغلال أفضل لموارد الشمس والرياح وتحسين موثوقية الإمدادات.
وتشمل الخطط كذلك مشروعاً لمحطة شمسية بقدرة 50 ميغاواط في مدينة كيفة وسط موريتانيا، ضمن مشروع الربط الكهربائي بين موريتانيا ومالي، فضلاً عن إعداد دراسات لإنشاء محطة شمسية بقدرة 50 ميغاواط مع نظام تخزين في مدينة النعمة بأقصى الشرق الموريتاني.

الهيدروجين الأخضر… الرهان الأكبر

غير أن الرهان الأكثر طموحاً يتجاوز إنتاج الكهرباء للاستهلاك المحلي إلى استغلال الشمس والرياح لإنتاج الهيدروجين الأخضر ومشتقاته، وربط الطاقة المتجددة بصناعة الحديد والتعدين والتصدير. وقد اتخذت موريتانيا خلال السنوات الأخيرة خطوات لبناء إطار قانوني ومؤسسي لهذا القطاع، فيما يدعم البنك الأفريقي للتنمية تطوير آلية للمزادات الخاصة بالهيدروجين الأخضر ومشتقاته، بهدف إنشاء آليات أكثر وضوحاً لاختيار المشاريع وجذب المستثمرين.
وتبرز مشاريع ضخمة في هذا المجال، بينها مشروع «ميغاتون مون» «Megaton Moon» الذي حصل مطوره على اتفاق لإتاحة أكثر من 100 ألف هكتار قرب نواكشوط.
وتستهدف المرحلة الأولى للمشروع محل الاتفاق 500 ميغاواط من التحليل الكهربائي، و600 ميغاواط من طاقة الرياح و600 ميغاواط من الطاقة الشمسية، لإنتاج نحو 339 ألف طن سنوياً من الأمونيا المتجددة، مع طموح للوصول في المراحل الكاملة إلى قدرات أكبر بكثير.
وتعني هذه المشاريع، إذا دخلت مراحل التنفيذ والإنتاج وفق الخطط المعلنة، أن الطاقة المتجددة في موريتانيا يمكن أن تتحول من قطاع داعم للكهرباء إلى قاعدة لصناعات تصديرية جديدة، خصوصاً في إنتاج الأمونيا الخضراء والحديد منخفض الانبعاثات.

الفرصة والتحدي

ورغم اتساع الإمكانات، فإن الطريق إلى اقتصاد أخضر لا يمر تلقائياً عبر وفرة الشمس والرياح، فموريتانيا بحاجة إلى استثمارات ضخمة في شبكات النقل والتوزيع والتخزين، وإلى تطوير القدرات البشرية والمؤسساتية، وتوفير أطر تنظيمية مستقرة قادرة على طمأنة المستثمرين.
كما أن ضعف الوصول إلى الكهرباء لا يزال يمثل «تحدياً» إذ تشير بيانات البنك الدولي إلى أن نسبة الوصول إلى الكهرباء بلغت نحو 50.3 في المائة من السكان في أحدث بياناته لعام 2023، وهذا يجعل توسيع الطاقة المتجددة قضية تنموية داخلية بقدر ما هي فرصة استثمارية وتصديرية.
وتحتاج مشاريع الهيدروجين بدورها إلى معالجة تحديات المياه والبنية التحتية والنقل والأسواق الخارجية، وهي قضايا نبه إليها تحليل الوكالة الدولية للطاقة عند تناولها فرص الطاقة المتجددة والهيدروجين في موريتانيا.
لهذا تبدو أهمية منتدى «موريتانيا خضراء» الذي يجري التحضير لتنظيمه، في أنه يأتي في لحظة بدأت فيها معالم السوق الجديد تتشكل فعلياً؛ فالمطلوب لم يعد إثبات أن موريتانيا تمتلك الشمس والرياح، بل تحديد كيفية تحويل هذه المزايا الطبيعية إلى مصانع ووظائف واستثمارات وسلاسل قيمة محلية، مع حماية البيئة والموارد الطبيعية.
وبينما تتجه البلاد إلى رفع مساهمة الطاقة المتجددة في مزيجها الكهربائي، والتي تقول وزارة الطاقة إنها بلغت 42 في المائة، فإن الرهان الأبعد يتمثل في بناء اقتصاد لا يكتفي بإنتاج الطاقة النظيفة، بل يستخدمها لإعادة تشكيل قطاعات التعدين والصناعة والنقل والخدمات، وفتح موريتانيا أمام موقع جديد في سوق الطاقة الخضراء العالمية.
ومن هنا، فإن شعار المنتدى «نحو مستقبل مستدام» يختبر عملياً قدرة موريتانيا على الانتقال من امتلاك الموارد إلى صناعة القيمة، وهي النقلة التي ستحدد ما إذا كانت الثروة الشمسية والريحية ستظل مجرد ميزة جغرافية، أم ستصبح أحد محركات التحول الاقتصادي في البلاد.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *