القاهرة ـ «القدس العربي»: أي عمل نقدي جديد يتناول كتابات نجيب محفوظ يُثير تساؤلاً حول مدى إمكانية اكتشاف الجديد عن نصوص محفوظ، وهو الأكثر دراسة ونقداً في الأدب العربي. إلا أن أدب محفوظ لم يزل يغري النقاد بدراسته وتأويله وإعادة قراءته، وفق شخصية هذا الناقد أو ذاك، ومدى تكوينه المعرفي الذي يضيف إلى العمل الأدبي، من دون الاكتفاء بالتعلق به، والدوران في فلكه كالأسير. من هذه المؤلفات الجديدة كتاب «مملكة الله.. نجيب محفوظ في أولاد حارتنا»، للأكاديمي والناقد المصري محمد بدوي، الصادر مؤخراً عن دار العين للنشر في القاهرة. وقد أقيمت ندوة لمناقشة الكتاب، في مبنى (قنصلية) وسط المدينة، أدارتها الناشرة فاطمة البودي، بمشاركة كل من طارق النعمان أستاذ الأدب العربي في جامعة القاهرة، والصحافي والناقد إيهاب الملاح، وهذا جانب منها..
كاتب كلاسيكي
في البداية تحدث محمد بدوي حول تجربة الكتاب، وأشار إلى عدة نقاط أهمها.. أن نجيب محفوظ يعد كاتباً كلاسيكياً، حتى إن كان يجرّب أشكالاً جديدة من الكتابة، فسيظل كاتباً كلاسيكياً، بمعنى أنه من الكُتّاب المؤسسين في ثقافة ما. فهو المؤسس الحقيقي للرواية العربية. وفي ما يخص رواية «أولاد حارتنا» يرى بدوي أنها لم تأخذ حقها في النقد والتحليل، فالضجة التي أثيرت حولها ظلمتها، فتم استقبالها على أنها تماثل أولي وساذج مع الحكايات المقدسة. لكنه ليس مجرد تماثل، وإن كان كالخطوة الأولى حتى يقول محفوظ كلمته ورؤيته عن العالم.

ويضيف بدوي.. عندما تعاملت مع الكتاب لم أعبأ بأي شيء خارجه، ولكن كما أتعامل مع أي نص آخر، بما يُشبه إقامة الحوار معه، من دون مسبقات أيديولوجية أو سياسية أو دينية، وهكذا أظن كان محفوظ حينما يكتب، فهو يتبنى وجهة نظر عقلية في معالجة الموضوعات، فشخصية (رفاعة) على سبيل المثال مختلفة كلياً عن الشخصية المقدسة، سواء في اللاهوت المسيحي، أو التصوّر الإسلامي، فهو يتعامل كما يتعامل الفنان مع إرث إنساني عظيم وأعاد كتابته. وبالتالي عند قراءة العمل لم أغفل السياق الذي تمت كتابته من خلاله، فالرواية تقع ما بين الحقيقة الواقعية والخيال، لذا أعتقد أن تقرير جائزة نوبل الذي أشاد بها جاء مُنصفاً لها، فمحفوظ لا يستطيع أن يكتب خارج الواقع، حتى لو كانت هذه الكتابة ضد هذا الواقع، فكان يضع أفكاره وهواجسه ويصوغها من خلال الواقع المصري. وهذا من مآثر نجيب محفوظ أيضاً، فقد خلّد المكان الشعبي والحارة المصرية، وكذلك خلق لغة أدبية ـ وهي معركته الكبرى ـ فاللغة الأدبية قبل محفوظ ليست كما أصبحت من بعده، وقد جعل منها لغة إنسانية في المقام الأول.
وفي الأخير يقول محمد بدوي.. «كان همّي الكشف عن كيفية وإمكانية أن تتحول حكايات الكتب المقدسة إلى سرد روائي شبه واقعي يخص محفوظ وحده».
«مملكة الله»
في مداخلته أشار الأكاديمي طارق النعمان إلى عنوان الكتاب.. «مملكة الله» بأنه ليس عنواناً توصيفياً تعريفياً، بقدر ما يُشكل اختياراً مفهومياً وتأويلياً.. فـ»مملكة الله» ليست شخصية ولا حدثا، بل وجود غير متحقق، فمملكة الله في اللاهوت المسيحي ليست كياناً، وفي الوقت نفسه تُستدعى ليُقاس بها الواقع. وبينما تبدو بعيدة، لكنها يمكن أن توجد داخل أي منا. هذا التعليق بين الحضور والغياب بالضبط ما يقصده بدوي من عنوانه. فالعنوان كما حالة «أولاد حارتنا» هذه المملكة التي يتم السعي إليها مراراً وتحقيقها على الأرض، لكنها تنفلت وتختفي كحلم بعيد، ليتم البحث عنها والسعي إليها من جديد. فالرواية عبارة عن سلسلة إخفاقات بشرية عن تحقيق العدل باسم (المقدس). فالعنوان يحمل دلالة مفارقة حول مملكة لا تتحقق، بل تتحول إلى حكايات عن الفشل والتمرد، والبحث المتجدد عن معنى الخلاص. فهي ليست كياناً غيبياً، بل أثر ثري، بوصفها حلماً لدى الآباء ووعداً لدى الأبناء، مبرراً للثورة، ثم تتحول إلى ذاكرة، ثم إلى شبحٍ، ثم إلى سؤال مفتوح. بهذا يصبح العنوان إعلاناً عن طبيعة الدراسة، فلا يتعامل مع المقدس بوصفه عقيدة، بل نظاماً سردياً، سرد ينتظر التحقق لكنه لن يبلغه. ويضيف النعمان وجهة سياسية لعنوان الكتاب، فيقول بأن كل مملكة ـ لغوياً ـ تستدعي السلطة والشرعية، فالسلطة هنا ليست بشرية، ولكنها تُستدعى دوماً لتبرير السلطة البشرية، ليتحول العنوان بدوره إلى تساؤل.. ماذا يحدث إلى مملكة الله حينما تصبح ذريعة لمملكة الأرض؟ هذا السؤال هو قلب دراسة بدوي للرواية.
وفي كلمته أشار الصحافي والناقد إيهاب الملاح إلى أهمية الكتاب، بدوره دراسة جديدة ومختلفة تماماً عن كل ما كُتب عن نجيب محفوظ. فرغم قِلة إنتاج بدوي، إلا أن مؤلفاته تعد من أسس النقد الأدبي الحديث، كتجربة نقدية بمثابة النشاط المعرفي، من دون الاقتصار على شرح أو تفسير نص من النصوص، من دون الاستغراق في استعراض معلومات ومصطلحات مُبهمة ضربت مدارس واتجاهات النقد الحديث في مصر، والتي في الغالب تم استيرادها وزرعها عنوة في مجال النقد الأدبي العربي. ويضيف الملاح أن «مملكة الله» هو مشروع بدوي في قراءة محفوظ، فهناك جزء ثان سيصدر لاحقاً تحت العنوان نفسه سيتناول بالدراسة (ملحمة الحرافيش).
«أولاد حارتنا» و»الحرافيش»
ومن مداخلات الحضور تساءل الناقد محمد شعير عن العلاقة بين روايتي «أولاد حارتنا» و»الحرافيش»، وهل الأخيرة يمكن أن تكون إعادة كتابة للأولى؟
أجاب بدوي بأنه لا يميل إلى وضع الواحدة منهما إزاء الأخرى، لكن هناك رؤية عامة تتمثل أساساً للروايتين، وهي.. كيف يمكن إنشاء مملكة الله على الأرض. لكن اختلافهما يتضح على مستوى اللغة والكتابة والمصادر. والأهم هو أن «أولاد حارتنا» تنتمي إلى إمكانات تأويل قليلة، بخلاف «الحرافيش» يمكن أن تنفتح على تأويلات لا حصر لها.
أزمة النقد
واختتم محمد بدوي الندوة بالحديث سريعاً عن النقد والحالة النقدية العربية والمصرية، فيرى أن الحداثة صوّرت النقد كمعرفة تجريبية، وقد فُهم هذا الأمر فهماً خاطئاً لدى الكثير من النقاد، فتقرأ كتاباً نقدياً عن الشعر أو الرواية، لا يهتم إلا بحالة من الصخب اللغوي الأجوف، الذي لا يتجاوز كونه ترجمة لبعض المصطلحات في الثقافة الغربية. ويضيف بدوي، «أرى أن النقد عمل إبداعي ومعرفي في الأساس، فلا نقد من دون تأويل، ولا تأويل من دون معرفة».