لندن- “القدس العربي”: نشرت صحيفة “الغارديان” تقريرا أعده بول لويس وهنري داير وبيبا كرير، كشفوا فيه أن الفحص الأمني في ملفات السفير البريطاني السابق في واشنطن، قد حذر من علاقات بيتر ماندلسون مع الصين وإسرائيل وروسيا قبل منحه الموافقة الأمنية. وقد أجبر ماندلسون على الاستقالة من منصبه بسبب الملفات التي نشرتها وزارة العدل الأمريكية للمجرم والمتحرش بالقاصرات جيفري إبستين، وإمكانية تمرير ماندلسون معلومات حساسة له.
وقد خلقت العلاقة فضيحة لرئيس الوزراء كير ستارمر حول منح ماندلسون الموافقة الأمنية، رغم تحذيرات مسؤولين في حكومته وحزبه من سجل السفير المثير للشك. وجاء في تقرير الصحيفة أن علاقات ماندلسون بشخصيات بارزة في الصين وروسيا وإسرائيل كانت من بين المخاوف التي أثارتها وكالة التدقيق الأمني البريطانية، عندما خلصت إلى ضرورة رفض منحه التصريح الأمني.
وأوضحت المصادر أن الوكالة أشارت إلى صلات ماندلسون بوزير المالية الصيني لان فوآن، ورجل الأعمال الروسي أوليغ ديريباسكا الخاضع للعقوبات، والجنرال السابق في المخابرات العسكرية الإسرائيلية تامير هايمان، باعتبارها جميعا نقاط ضعف قبل وقت قصير من توليه منصبه سفيرا لبريطانيا لدى الولايات المتحدة. وأضافت المصادر أن هيئة التدقيق الأمني في المملكة المتحدة “يو كي أس في” لاحظت أيضا أن ماندلسون تربطه علاقة وثيقة بشخص رابع، وهو بريطاني الجنسية، قد تكون موضع شك.
وذكرت المصادر أن من بين المخاوف الأخرى التي رصدتها وكالة التدقيق الأمني قرضا بقيمة مليون جنيه إسترليني حصل عليه ماندلسون للاستثمار في شركة ناشئة إسرائيلية. وأشارت المصادر أيضا، في سياق منفصل، إلى أنه بدا ساذجا بشأن مخاطر استغلال علاقاته السابقة مع أفراد آخرين.
ووفقا للمصادر التي تحدثت جميعها إلى صحيفة “الغارديان” بشرط عدم الكشف عن هويتها، فقد وردت هذه المخاوف جميعها في ملخص من تسع صفحات صادر عن وكالة “يو كي في أس” لملف التدقيق الخاص بماندلسون في كانون الثاني/يناير 2025.
وتقول “الغارديان” إن قرارها بالكشف عن تفاصيل بعض المخاوف التي أثارتها هيئة التدقيق الأمني جاء بعد أن قالت لجنة برلمانية مؤثرة إن الحكومة لا تمتثل لقرار برلماني يعرف باسم “طلب متواضع”، والذي يأمر بالإفراج عن جميع الوثائق المتعلقة بتعيين ماندلسون. وفي تدخل استثنائي في وقت سابق من هذا الشهر، اتهمت لجنة الاستخبارات والأمن الحكومة علنا بحجب بعض وثائق التدقيق الأمني الخاصة بماندلسون، وفرض تنقيحات “واسعة جدا”. وخلال مناقشة في البرلمان الأسبوع الماضي، انتقد نواب من مختلف الأطياف السياسية تعامل مكتب مجلس الوزراء مع العملية، محذرين من أن ثقة الجمهور تقوض من قبل وزراء يتحدون سيادة البرلمان.
واتهم نائبان الحكومة صراحة بالتستر، وهدد نائب آخر بتقديم اقتراح يدين الوزراء بازدراء البرلمان.
ومن المتوقع نشر الدفعة الثانية من ملفات ماندلسون في حزيران/يونيو. وقد قال الوزراء إنها ستكون واحدة من أكبر عمليات نشر الوثائق من نوعها في التاريخ.
مع ذلك، أفادت مصادر متعددة مطلعة على عمل مكتب مجلس الوزراء بأنها تعتقد أن المسؤولين قاموا بتنقيح الملفات بشكل مكثف، بل وسعوا إلى حجبها لتجنب الإحراج السياسي. وذكر أحد المصادر أن ملخص وكالة “يو كي أس في” المكون من تسع صفحات، والذي ترى لجنة الاستخبارات والأمن في البرلمان أنه يجب نشره للجمهور، كان من المقرر أن تحجبه الحكومة بالكامل.
وتتوقع الصحيفة أن تؤدي المعلومات التي كشفتها إلى الضغط على حكومة ستارمر لنشر جميع الملفات ذات الصلة وشرح “الإجراءات التخفيفية” التي وضعت لإدارة المخاطر المتعلقة بماندلسون، والتي يبدو أنها كانت واسعة النطاق.
كما سيطالب الوزراء بتوضيح ما إذا كان قد لحق أي ضرر بالأمن القومي خلال الأشهر السبعة التي قضاها ماندلسون في واشنطن. وستكون تلك الأسئلة أكثر حدة فيما يتعلق بـ”لان” و”ديريباسكا”، وهما شخصيتان بارزتان من سلطات معادية.
أما علاقات ماندلسون المشبوهة مع دول أجنبية، فقد كانت تلك التي أقامها مع وزير المالية الصيني فوآن، الذي عين في تشرين الأول/أكتوبر 2023، ولم يتضح كيف ومتى توطدت علاقة لان وماندلسون. ووفقا لمصادر، فقد كان الاثنان يتحدثان عدة مرات سنويا، لكنهما لم يفعلا ذلك لمدة 12 شهرا قبل بدء عملية التدقيق في ترشيح ماندلسون.
كما يعود اهتمام ماندلسون بالصين إلى فترة عمله مفوضا تجاريا في الاتحاد الأوروبي، حيث قام بعدة زيارات إليها للتفاوض بشأن السياسات التجارية والتعرفات الجمركية. كما سعى إلى بناء علاقات مع جهات صينية من خلال شركته السابقة للضغط السياسي “غلوبال كاونسل”، مع أنه من غير المعروف ما إذا كانت علاقة ماندلسون مع لان ذات طابع تجاري.
أما علاقة ماندلسون مع أوليغ ديريباسكا، فتعود إلى عقدين من الزمن. ويعد ديريباسكا، الذي كان يعرف سابقا بـ”ملك الألومنيوم” نظرا لثروته الطائلة في هذه السلعة المعدنية، من أثرى الرجال في روسيا. وقد التقى ماندلسون مع الثري الروسي على متن يخته في كورفو. وبعد ذلك اللقاء على اليخت، أفادت التقارير أن ماندلسون كان يوجه انتقادات لاذعة لرئيس الوزراء آنذاك غوردون براون.
ويعتقد أن علاقة ماندلسون بديريباسكا بدأت قبل ذلك اللقاء على اليخت واستمرت لفترة طويلة بعده.
أما عن علاقته بالجنرال هايمان، أحد مسؤولي الاستخبارات الإسرائيليين السابقين، فلم تكن معروفة سابقا. وبحسب مصادر، فقد لاحظت وكالة التدقيق الأمني البريطانية أن ماندلسون كان يتحدث مع هايمان مرتين في الشهر.
وبصفته رئيسا لمديرية المخابرات العسكرية الإسرائيلية بين عامي 2018 و2021، أشرف هايمان على جهاز قوي للمراقبة والتجسس والحرب الإلكترونية. وقد ادعى سابقا أن مديرية المخابرات العسكرية، خلال فترة إدارته، أثرت على قرار الولايات المتحدة في عام 2020 باغتيال القائد العسكري الإيراني قاسم سليماني. ويشغل هايمان اليوم منصب مدير معهد دراسات الأمن القومي. ولا يزال من غير الواضح كيف ارتبط اسم ماندلسون برئيس المخابرات الإسرائيلية السابق. وقال متحدث باسم المعهد إن هايمان “لا تربطه أي صلة شخصية أو معرفة على الإطلاق” بماندلسون. وقبل تعيينه سفيرا، شارك ماندلسون لفترة وجيزة في “إطار استشاري خارجي” في مركز الأبحاث، و”شارك في عدة مناقشات موسعة متعددة الأطراف”، بحسب ما أفادوا “يمثل هذا التفاعل المحدود كل ما تم من تواصل بينهما”.
أما الصلة الإسرائيلية الأخرى التي حددتها وكالة التدقيق الأمني البريطانية، فتتعلق بحصة ماندلسون في شركة “مون أكتف”، وهي شركة إسرائيلية تقف وراء لعبة “كوين ماستر” الشهيرة والمربحة للهواتف المحمولة. وتشتهر الشركة، التي أفادت التقارير العام الماضي بأن إيراداتها تجاوزت ملياري دولار، بتكتمها الشديد في قطاع التكنولوجيا الإسرائيلي. وقد أفصح ماندلسون عن استثماره في “مون أكتف” في سجل مصالح مجلس اللوردات في تموز/يوليو 2019. ومع ذلك، لم يرد في ذلك الإفصاح أي ذكر لقرض بقيمة مليون جنيه إسترليني استخدم لشراء أي أسهم، وهو إغفال يثير تساؤلات حول مدى الالتزام بقواعد الإفصاح.