إذا قرأنا ظاهرة الأدب السيّار وما يرتبط بها بمنظور أكثر شمولا، سنجد أن تلك الشعارات والملصقات نوع من أنواع التعبير عن قناعات قلبية، وهي أيضا دالة على شخصية صاحبها وثقافته وعلى مستوى تعليمه، وعن اتجاهاته في الحياة، فالشعارات الدينية المتعلقة بالحسد مثلاً، لها علاقة بالطبقية والفروق الاجتماعية، وأن صاحب السيارة في محيط فقير يخشى الحسد من المحيطين به، وكثير من أصحاب السيارات لا يضعون مجسمات أو ملصقات أو عبارات، لعدم قناعتهم بها، أو أنهم يفضلون عدم الإكثار من الزينة، وعدم تشويه جمال السيارة، خاصة إذا كانت جديدة، أو فاخرة، فالقضية نسبية في النهاية.
ومثلها عبارات «أحب كل الناس ولا أكره كل الناس»، و»حياتك يا ظالم ما تمسك حاجة عليّ»، وكذلك، «يارب سترك» و»يا رب رضاك»، وكذلك «الصبر جميل»، و»توكلت على الله» و»إن ينصركم الله فلا غالب لكم» و»ما توفيقي إلا بالله».
فهي تنأى عن الحسد من جهة، ولكنها أشبه برسالة إلى ذوي السلطة والصولجان من جهة أخرى، الذين قد يبتزون أصحاب المركبات، أو يقهرون الفقراء والمستضعفين، وربما تكون محاولة من أصحاب المركبات بأن تكون أصواتهم مسموعة، ومن دون أن يراهم أحد، والأمر يعكس في النهاية عديداً من العناصر الثقافية غير المادية.
وإذا عدنا بالذاكرة إلى عقود ماضية، كان كثير من أصحاب السيارات يكتبون عبارة «والنبي تبسم»، وتذكرنا بأغنية عفاف راضي «الحلو والنبي، تبسّم والنبي، والنبي تبسّم»، وهي دعوة صريحة للابتسامة، ومن سمات الشعب المصري أنه شعب ضاحك، يعشق النكتة، وما أكثر النكات التي أنتجتها القريحة الشعبية، ورددها أبناء الشعب في مواقف مختلفة. كما نرصد أيضا بعض العبارات المعبرة عن مواقف سياسية، في حقبة الصعود القومي والشعارات الثورية، إبان سنوات الخمسينيات والستينيات، ومنها عبارة شهيرة «فلسطين عروس ومهرها الدم»، وهي تتماهى مع الموقف الرسمي السياسي، وللأسف غابت مثل هذه العبارات في العقود التالية، بعدما رُفِعت شعارات السلام والوطن القطري أولا.
على عدد من السيارات، نقرأ عبارات عامية متشابهة في دلالاتها، وكلها تنصب على دفع الحسد والعين، باستحضار أمثلة شعبية شهيرة مثل: «متبصليش بعين رضية (سيئة) شوف اللي اتدفع فيّ»، والعبارة موجهة لعين حاسدة، ربما تنظر إلى السيارة، وتحسد هيكلها مع صاحبها، فعليها أن تتذكر ثمن السيارة العالي، الذي قد يكون ثمن ذهب زوجته، أو ديونا تسلّفها من أصدقاء وأقارب، أو قروضا من البنوك. ويلتقي مع هذه العبارة المثل الشعبي: «»الحلوة خوخة جت بعد دوخة» أي أن هذه السيارة جاءت بعد تعب كثير، والمفارقة أن الحلوة قد تحمل على المحبوبة، وأيضا على كل شيء غال ونفيس.
وتأتي عبارة «نظرة حسد ولا عضة أسد»، لتوجز أثر العين الضارة، فيمكن احتمال نظرة عين حسود، وما يترتب عليها، ولكن لا يمكن احتمال «عضة أسد»، والمقصود منها خسارة كبيرة، قد تطول الجسد، بمرض أو حادث أليم – لا قدر الله – وقد تكون هناك لافتات مكتوبة باليد أو مطبوعة، مرفق معها رقم هاتف مزيف تدعي أن «العربية للبيع»، دفعاً لعين حاسد ونقمته، فالبيع يعني أن صاحبها معرض لضائقة مالية كبيرة، اضطر فيها لبيع السيارة. إنها كلمات تعبر عن مشاعر الخوف من المجهول في مقبل الأيام، فسائق السيارة يعمل على طرق سريعة أو داخل المدن، ومعرض إلى شرور، بل هو لا يملك قوت يومه، ويختلف رزقه في فترات النهار عن الليل، وأحيانا يعود بحصيلة قليلة. تأتي في هذا السياق أيضا عبارة «تِنْدب في عينك رصاصة ياللي بتبص»، وهي دعوة أن تطلق رصاصة على كل عين تبصّ، أي تنظر نظرة حسد، راغية في زوال النعمة.
وهناك عبارة أكثر إيجازا، وهي «كفاية يا عين»، أي يكفيك ما فعلت بي أيها الحسود.

هذا، ومعلوم أن التدين الشعبي بشكل عام، يضخم الكثير من المخاوف، وهذا موجود في جميع الأمم، وموجود أيضا لدى الشعوب العربية على امتداد أرض العروبة، والمفارقة أن المتعلمين يشاركون العامة البسطاء في هذه المخاوف نفسها، فيرجعون كل شيء إلى الحسد والعين والسحر والشعوذات، وغالبا ما تكون شمّاعةً يُعلّق عليها الفشل والخيبة والخسارة، ويتناسى في ذلك الجهد والسعي والمهارة والتخطيط والخبرة والذكاء.
إن منظور العقيدة الإسلامية الصحيحة، يؤكد نبذ هذه الأوهام، فما يصاب به المؤمن هو من أقدار الله عز وجل، ولكن النفس الأمارة بالسوء، مع وساوس الشيطان تنمّي فكرة العين حتى تصبح يقيناً في نفسه، والحقيقة أنها ظنون وتدليس، وليس هذا إنكاراً للعين، فهي ثابتة بنصوص صحيحة من القرآن والسنة المطهرة، ولكنها دعوة لمعرفة الأمور كما هي عليه، وهناك أذكار عديدة إذا قالها المؤمن في يومه تحصن نفسه، وتجعله في معية الله، وترسّخ مفهوم القدر والتسليم الكامل لله سبحانه.
وقد يسرف العامة في كتابة عبارات مأخوذة من الوجدان الشعبي المغلوط الذي يبالغ في الحسد والعين، وسنجدها مكتوبة على السيارات، خاصة كانت أو عامة، وهي جزء من عادات شعبية خرافية يعتقد الناس أن ممارستها والحفاظ عليها وقاية لهم ولأشيائهم من الحسد مثل عبارة «امسك الخشب»، التي أضحت مقولة اجتماعية عندما يؤدي الإنسان فعلاً لا يتناسب مع قدراته البدنية أو العقلية أو يمتلك مالا أو منزلا أو سيارة، الغريب أن الحضور أو الركاب قد يجاملونه فيلمسون أي قطعة خشبية تضامنا، وهناك مقولة «خمسة وخميسة»، وما أكثر ما نجد حركة «التخميس»، في وجه الحاسد، بالتلويح بأصابع اليد الخمسة، وقد يلجأ الميسورون إلى ذبح ذبيحة وطبع كف بدم الذبيحة على جانب السيارة أو على باب البيت في عيد الأضحى أو عند عمل «عقيقة» للمولود. وعندما ترضع الأم وليدها، تحرص على عمل جراب من القماش غير الشفاف أو من الجلد لإخفاء الكمية التي يرضعها الطفل عن أعين الناس، إذا اضطرت لإرضاعه أمامهم.
وفي هذا السياق، كنا نشاهد في الماضي كيف أن البسطاء في الأرياف يطلقون اسم مؤنث على المولود الذكر، خاصة إذا كانت السيدة امرأة ولوداً، أي لها أكثر من مولود ذكر، وفي إطار الحيل الشعبية قد يتم إطلاق اسم مغاير للمولود، فإذا وقع الحسد يقع على الشخص الآخر، وتقوم الأم بحماية صغارها من الحسد بأن تُلبس الولد ملابس البنت وتلبس البنت ملابس الولد، خاصة في فترة ما بعد الولادة. وهنالك من يحرق البخور لطرد العين والأرواح الشريرة من البيت، وغالباً يتم هذا تبركاً قبل صلاة الجمعة، وهذا خلط واضح بين العقيدة الإسلامية الصحيحة، وبين الخرافات الشعبية المتوارثة.
والمفارقة أننا قد نشاهد بعض أصحاب السيارات، يعلّقون صور أطفالهم الذكور وهم في المهد أو الأعوام الأولى؛ لابسين ملابس البنات، دفعا لأعين ركابهم.
وترتبط العبارات الشعبية عن الحسد، بتعليق تمائم ومجسمات، فالعين صارت بمثابة أسطورة وانعكست على مجريات الحياة ومواقفها، ومن أشهر روافد هذه الخرافة تاريخياً «عين حورس» في أسطورة إيزيس وأوزوريس الفرعونية الشهيرة، وصراع حورس ابن إيزيس مع عمه الشرير «ست» الذي قتل والده أوزوريس، ووزع جسده في أنحاء البلاد، كما سرق ست عيني حورس وهو صبي، وعندما كبر استردها وثبتها في جبهته، وانتصر على عمه ست وقتله في معركة كبيرة، وبعدها نعمت البلاد بالاستقرار وعمّ فيها الرخاء، وعلى الجانب الآخر، استطاعت إيزيس لملمة أعضاء جسد زوجها وعادت إليه الحياة.
الشاهد في ما تقدم، أن عيني حورس كانتا زرقاوين، ولهذا يتفاءل المصريون بهذا اللون، وانتشر الخرز والقلائد الزرقاء التي نادرا ما تخلو منها مرآة السيارة الأمامية كنوع من درء الحسد وطرد العين الشريرة، خاصة لو كانت السيارة جديدة، أو غالية الثمن.
إن مثل هذه الثقافة تحتاج لتوعية عقدية لتثبيت العقائد في النفوس، فالإسلام دين تجريدي، لا يجعل المؤمن متعلقا بمجسمات أو صور، حتى إننا لا نجد صورا للرسول (صلى الله عليه وسلم)، ولا للصحابة، ولا يجوز التبرك بالقبور ولا التوسل بهم. وورد في الحديث الصحيح «إن الرُّقى، والتمائم، والتِّوَلَة شرك»، أي شرك أصغر، لأنها تجعل الإنسان مؤمنا بها، ولا يؤمن كامل الإيمان بالله الخالق، الذي بيده الرزق ودفع الضرر.