مكان بين الأحياء!


في منطقة «الشجاعية»، تقف امرأة بثياب سوداء بين خيام وبيوت انكشفت أحشاؤها للسماء. تمدّ كفّيها نحو العدسة، وتقول إنها تريد أن تحفر حفرة وتسكن فيها.
أقرأ عبارتها مرة ثانية، كأن في القراءة الأولى خطأ يمكن إصلاحه. حفرة! هكذا صار اسم البيت في فم امرأة أنهكها البحث عن مكان تضع فيه جسدها، من دون أن يطاردها الخوف.
في الصور، التي نشرتها «تي آر تي عربي»، تقول السيدة الفلسطينية إن خيمتها دمّرت. تشير إلى ما حولها، وتتحدث عن الفراش والأواني التي سقطت عليها، وعن الخط الأصفر، الذي صار بجانبها. ثم تطلب أن تجلس في مكان آمن. كل هذه المسافة بين الإنسان وحقوقه تختصرها ركبتان متعبتان، ويدان ممدودتان، وكلمة صغيرة يعجز العالم عن تلبيتها: أجلسوني.
أفكر في فعل الجلوس، الذي نمارسه من دون انتباه. نسحب كرسياً إلى المائدة، نرتمي على أريكة، نتذمر من مقعد ضيق في قطار. لهذه الحركات العادية تاريخ خفي من الطمأنينة. نعرف أن الأرض ستبقى تحت أقدامنا، وأن السقف لن ينقلب علينا، وأن الليل، حين يدخل، سيجد لنا مكاناً نستريح فيه، هي تطلب شيئاً من هذه المعرفة البسيطة.
لا أعرف اسمها، ولا عدد المرات، التي حملت فيها أشياءها ومشت. لا أعرف من تنتظر، ومن فقدت، وأي باب كان بابها قبل أن تصبح الجهات كلها طرقاً للرحيل. أعرف ما تمنحه الصورة فقط: امرأة تستغيث، وخراب يمتد خلف كتفيها. ولعل احترام وجعها يبدأ هنا، عند الامتناع عن اختراع سيرة لها، والإصغاء إلى ما تقوله بالفعل.
تقول إنها تعبت. كم تبدو هذه الكلمة قصيرة على ما تحمله. نستعملها بعد نهار عمل طويل، فنجد ماء ووسادة، وربما يداً تسأل عنا. أما تعبها فيقف معها في العراء. لا تملك أن تخلعه عند العتبة، ولا عتبة لها. يستمر الطريق داخل قدميها حتى حين تتوقف، ويظل الرحيل ممكناً في كل لحظة، كأنه موعد لا تستطيع الاعتذار عنه.
وراءها أبنية بقيت واقفة على نحو يوجع النظر. فتحات كانت نوافذ، وطبقات كان يمكن أن تفصل بين مطبخ وغرفة نوم. أتأملها وأفكر في التفاصيل التي لا تحتفظ بها صور الدمار: موضع مسمار علّقت عليه صورة، أثر يد قرب مفتاح الكهرباء، قياس طفل على حائط، حين يسقط البيت، تتبعثر معه الأدلة الصغيرة على أن حياة كاملة كانت هنا.
ثم يصلنا ذكر المقبرة. امرأة تبحث بين الموتى عن موضع يسع حياتها. في هذا الانقلاب شيء يجرح اللغة نفسها. الكلمات التي تعلمناها لتدل على الأشياء تفقد حدودها. يصير القبر احتمال مأوى، والخيمة حلماً بعيداً، والجلوس رجاء يرفع أمام كاميرا. ماذا بقي من معنى النجاة إذا كان الناجي يمضي يومه يبحث عن أرض تسمح له بالبقاء عليها؟
وأخشى، وأنا أكتب، أن تمنحها البلاغة غطاء من الكلمات، ثم تتركها في البرد. يسهل أن نصنع من انكسارها صورة مؤثرة، وأن نغلق المقال بإيقاع جميل. لكنها ستبقى، بعد النقطة الأخيرة، بحاجة إلى مكان. لن تسند الاستعارة ظهرها، ولن تردّ جملة بليغة عنها الخطر. للكتابة هنا مسؤولية أن تحفظ الطلب واضحاً، وألا تستبدل به إعجابها بقدرتها على وصفه.
لا أريد أن أطالبها بالصمود. لهذه المرأة حق في أن تتعب، وأن تضيق، وأن تقول إنها لم تعد تحتمل. لقد اعتدنا أحياناً أن نرفع المنكوبين إلى مرتبة الأبطال، ثم نتركهم هناك محرومين من ضعفهم الإنساني. نحب صورتهم واقفين، وننسى أن الوقوف الطويل يؤلم، وأن الشجاعة لا تمنح الجسد عظاماً أخرى، ولا تلغي حاجته إلى النوم.
والخط الذي تشير إليه ليس مجرد لون في شرح بعيد. عند قدميها يصبح سؤالاً عن الاتجاه الذي تستطيع أن تسلكه، وعن المساحة التي يجوز أن تضع فيها فراشاً. الخرائط، حين تقرأ من ارتفاع آمن، تخفي هذه التفاصيل. لكنها تقرأ على الأرض بأجساد الناس، بخطوة تتردد، وحقيبة ترفع مجدداً، وامرأة تسأل أين تذهب بعدما ضاقت بها الجهات.
ثمة مسافة فادحة بين أن نرى المأساة وأن نسمح لها بتغيير نظرتنا. تمرّ المرأة على شاشة مضاءة، تحيط بها أزرار الإعجاب والتعليق والمشاركة. نستطيع بلمسة واحدة أن نغادر المشهد. أما هي فلا تستطيع مغادرة يومها بالطريقة نفسها. ستظل تبحث عن المأوى بعد أن ننتقل نحن إلى خبر آخر، وربما بعد أن نطفئ هواتفنا وننام.
لهذا أعود إلى كفّيها. لا تحملان بياناً، ولا تطلبان منا تفسير العالم. إنهما ممدودتان بما يكفي لكي نفهم. أريد لهذه المرأة باباً تغلقه بإرادتها، وفراشاً لا تجمعه مذعورة، وصباحاً لا يبدأ بالسؤال عن وجهة نزوح جديدة. أريد أن تستعيد كلمة البيت معناها في فمها، وأن تصبح الحفرة حفرة وحسب، لا آخر ما يستطيع خيالها المنهك أن يقترحه للسكن.
حين تقول: «أجلسوني»، ينبغي أن يتوقف شيء في هذا العالم عن الدوران المعتاد. ينبغي أن يفسح لها مكان، هنا، بين الأحياء. حيث يحق للمتعب أن يستريح بلا خوف.

أن تتحرّك فرحاً

في أحد شوارع سلا، يمر رجل ستيني على حذاء بعجلات. ثوبه الفاتح يرافق حركة جسده، ولحيته البيضاء تجعل المشهد شبيهاً بطفولة تأخرت في العودة إلى صاحبها، ثم وجدته أخيراً. يميل قليلاً، يوازن خطوته، ويمضي. أتأمله وأبتسم. ثمة شيء جميل في أن يحتفظ الإنسان بموعد مع الفرح، وألّا يمزق ورقة الموعد كلما أضافت السنوات رقماً إلى عمره.
كم نضيّق على أنفسنا حين نمنح كل مرحلة من الحياة لائحة بما يليق بها. للصغار اللعب، وللشباب المغامرة، ولمن تقدّم بهم العمر رصانة لا يجوز أن يعبث بها الهواء. نوزّع الأدوار باكراً، ونراقب بعضنا بعضاً ونحن نؤديها. فإذا خرج أحدنا عن النص، أسرعنا إلى تذكيره بسنّه، كأن السنوات مخالفة ارتكبها، وعليه أن يقضي ما تبقى من حياته معتذراً عنها.
لهذا أحببت المشهد. رجل يفسح لرغبته مكاناً في الشارع، ويحمل عمره معه بخفة. لم يترك لحيته البيضاء في البيت كي يبدو أصغر، ولم يحتج إلى التنكّر لسنواته كي يجرّب متعة الحركة. يعبر كما هو، بثوبه وملامحه، فيما تفتح العجلات الصغيرة احتمالاً آخر للمساء، وربما تكمن جاذبية الصورة في هذا التصالح الهادئ بين ما مضى وما يزال ممكناً.
أتخيل الطفولة جالسة في مكان ما داخلنا، تنتظر أن ننتهي من انشغالاتنا. نعدها كل مرة بأن نعود، ثم نغلق الباب ونخرج إلى العمل والواجبات وما ينبغي فعله. تكبر المسافة بيننا وبينها، حتى ننسى الأشياء التي كانت تضيء عيوننا: دراجة، لون، لحن، أو ركضة بلا سبب. وحين تطرق فجأة، نسألها بجدية مؤلمة عمّا تريده من أناس كبروا وصار عليهم أن يتصرفوا بحكمة.
لكن الحكمة قد تكون أحياناً في فتح الباب. في أن نجلس إلى البيانو للمرة الأولى، أو نتعلم رقصة، أو نمسك فرشاة رسم من دون أن ننتظر لوحة تستحق التعليق. كم من رغبة أفسدناها بشرط الإتقان، وكم من بداية دفنّاها لأننا خجلنا من ارتباك المبتدئين. نريد أن نصل قبل أن نمشي، وأن نضمن إعجاب الآخرين قبل أن نسمح لأنفسنا بالمحاولة.
يعيدني الرجل إلى متعة التجربة نفسها، إلى تلك اللحظة التي ينشغل فيها المرء بما يفعله، فينسى كيف يبدو. لعلنا نفتقد هذا الغياب القصير عن عيون الناس. نفتقد أن نضحك من تعثرنا، وأن نعيد المحاولة، وأن تكون لنا هواية لا نطالبها بعائد ولا بشهادة نجاح. شيء نفعله لأن الوقت الذي نقضيه فيه يصبح أقرب إلينا، ولأننا نخرج منه وقد استعدنا جزءاً من انتباهنا للحياة.
وأفكر في الذين يؤجلون رغباتهم إلى ما بعد انتهاء المسؤوليات. حين يكبر الأولاد، حين يخف العمل، حين تستقيم الظروف. تمر الأعوام، وتأتي مسؤوليات جديدة تجلس مكان القديمة، فيما تبقى الرغبة واقفة عند العتبة، ربما نحتاج أن نمنحها ساعة من يوم عادي، وأن نقبل بأن البداية قد تكون متواضعة، مرتبكة، لكنها لنا، فالوقت الذي نخصصه لما نحب يصبح جزءاً من حياتنا، وله مكان بين سائر مواعيدنا.
في خفة هذا العابر أرى ما يستطيع الأمان أن يتيحه للروح: فسحة تتجاوز تدبير البقاء، وتتسع للعب والفضول والمغامرة. هنا تعود إليّ امرأة الشجاعية، ويكتمل في ذهني معنى طلبها، وراء المكان الآمن الذي ترجوه حياة تستحق أن تعاش، بأيامها الصغيرة ورغباتها التي لم تجد وقتاً لتقولها. أترك للرجل طريقه المفتوح، وأتمنى لها أرضاً تطمئن إليها، حتى يصبح السؤال يوماً: ماذا أحب أن أفعل، بعدما زال الخوف.

كاتبة لبنانية



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *