مقاربةٌ في جدليةِ المنهج والذاكرة ومسؤولية المثقف


لم يَنِ الفكر النقدي المعاصر عن الإفصاح الجهير عن تلك الفجوة المتعاظمة بين السرديات التاريخية «المنجزة»، وتعقيدات الواقع الراهن؛ وهو الأمر الذي جعل من استعادة مفهوم «الأمة» ضرورةً معرفية تتجاوز حدود الاحتفاء العاطفي، لتلامس تخوم التفكيك المنهجي. وفي هذا السياق، يأتي كتاب «نحن أمة: السرد الوطني، سؤال المنهج وعتبات الفهم» للباحثين حسن طارق والطيب بياض، ليشكل استجابةً واعيةً لمأزق الهوية في زمن «التضخم الهوياتي» والسيولة التي فرضتها الثورة الرقمية، مقدماً تشريحاً حَفرياً لما سماه المؤلفان بناء المعنى في صيرورة الدولة والأمة.

ينبني العمل في منطلقاته الأولى على رؤية إبستمولوجية تسعى لفك الارتباط التاريخي بين السرد الوطني كمعطى مقدس غير قابل للمساءلة، وكينونته كبناء ثقافي وقانوني خاضع لآليات التخيل والتمثل. فبينما يعاني نموذج الديمقراطية التمثيلية في العالم المعاصر من أزمة شرعية حادة، يحاول المؤلِّفان استنطاق العلاقة المتوترة بين الذاكرة والتاريخ، حيث لا تظل السردية مجرد استرجاع ميكانيكي للماضي، بل تتحول إلى دين مدني يربط المتخيل الجماعي بنصوص الدستور ومآلات القانون. والحق أن مَكمن الجِدَّة هنا يتبدى في مساءلة حوامل السردية، فكيف ينتقل الخبر من حيز التدوين التاريخي الصِرف ليصبح مادةً لاحمة للوجدان القومي؟
يبين الكتاب أن السردية الوطنية هي بمثابة تكنولوجيا سياسية لإنتاج المعنى، تعمل على تبيئة المفاهيم الكونية داخل التربة المحلية، محولةً الزمنية التاريخية إلى رمزية وطنية تمنح الجماعة حقها في الكرسي التاريخي.

في استعراضهما للنموذج الفرنسي، يقدم حسن طارق والطيب بياض قراءةً تفكيكية لمسار تشكل الأمة في سياق يراوح بين تخمة السرديات ولهفة التجديد. فمن الأصول الطروادية المتخيلة، مروراً بالأصول الغالية -الرومانية، وصولاً إلى اللحظة الجبارة للثورة الفرنسية، التي جَبَّتْ ما قبلها، نجد أنفسنا أمام مختبر حقيقي لصناعة الهوية. ولعل هذا الانزياح الفعلي بين المبدأ الجمهوري، وواقع التعددية الذي يفرضه الراهن، هو ما يمنح المقاربة شرعيتها. فالتنقل بين زمن جول ميشليه Jules Michelet الرومانسي وزمن بيير نورا Pierre Nora الذاكراتي، يكشف كيف أن الأمة الفرنسية لم تتوقف يوماً عن إعادة اختراع نفسها، وهو الدرس الذي يبدو أن المؤلفين يسعيان لاستنباته في سياقات أخرى، مُحذرين في الوقت ذاته مما يسميه حسن أوريد بضبابية المصطلح التي قد تفضي إلى انغلاقات هوياتية مدمرة، إذا لم تؤطرها رؤية مواطنة جامعة. وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال ما يُشكّله فكر حسن أوريد من أفق موازٍ لهذا المشروع ومُحاوِر له في آنٍ واحد؛ إذ يلتقي صاحب «الموريسكي» مع حسن طارق والطيب بياض في تشخيص خطر ضبابية المصطلح، التي تُحيل مفهوم الأمة إلى حقل ألغام دلالي، حيث يتحوّل الاحتجاج بالهوية من أداة للوحدة إلى سلاح للإقصاء. غير أن أوريد، بحساسيته الأدبية والفلسفية المتشرّبة من ينابيع المتنبي وابن رشد معاً، يميل إلى استحضار الذاكرة الحضارية بحسبانها بُعداً وجودياً لا مجرد مادة للتأويل السياسي، في حين يُرسي حسن طارق، من موقعه في العلوم السياسية، حوامل هذه الذاكرة في بنى المؤسسة والتعاقد القانوني، بينما يُخضعها الطيب بياض، بعين المؤرخ المنفتح على الأنثروبولوجيا والفلسفة، لأسئلة الزمن الطويل وتحولات المِخيال الجماعي.

ينتقل الكتاب في عتبة أخرى نحو الضفة الأطلسية، ليحلل السردية الأمريكية القائمة على العناية الإلهية وحراسة المجد. وهنا، يتوقف المؤلفان عند لحظات مفصلية في تشكل الوعي الأمريكي؛ حيث التاريخ يُصنع على الحدود كما رآه المؤرخون التقدميون، وحيث التأويل الاقتصادي للدستور يكشف البنى التحتية للمصالح التي تختبئ خلف الشعارات الكبرى. والحال أن سردية الإجماع الأمريكية، رغم ما يعتريها من شروخ اليوم، تقدم نموذجاً لكيفية تحويل الشتات إلى وحدة واستمرارية. ومن خلال هذه المرآة، يضعنا الكتاب أمام تساؤل جوهري: كيف يمكن للسرد الوطني أن يتجاوز اللحظة التأسيسية ليدخل في دينامية التفاعل الاستراتيجي مع المتغيرات الاقتصادية والسياسية الدولية؟
في مقاربة عربية لافتة، يقدم الكتاب الحالة التونسية كنموذج للانتقال من «السردية الصماء» (البورقيبية) التي كان فيها الزعيم هو الصانع والموضوع في آن واحد، إلى مرحلة «اللايقين السردي»، التي أعقبت الثورة. والواقع أن تفكيك الشخصية القاعدية التونسية بين السرد والفكر، يكشف مأزق الهوية حين تصطدم بالأطروحات الشعبوية، التي تسعى لهدم السرديات القديمة، من دون امتلاك القدرة على بناء بديل تركيبي يضمن الرابط اللاحم بالدولة.

يصل الكتاب إلى ذروته التحليلية في محاولة تبيئة هذه المفاهيم ضمن التجربة المغربية. فالمؤلفان لا يقبلان بالنقل الحرفي، وإنما يدعوان إلى توليد المعاني من خلال صهر الجغرافيا صانعة التاريخ في بوتقة «الدولة الأمة». ولذلك فإن الوطنية المتجددة، كما يرسم ملامحها الكتاب، هي تلك التي تنجح في الانتقال من دسترة الهوية إلى دسترة السردية؛ أي جعل السرد الوطني جزءاً أصيلاً من التعاقد القانوني والسياسي. وقد يسوغ القول إن هذا التوجه يخرج بالعمل من نطاق المحلية الضيقة ليضعه في سياق كوني، حيث تصبح صناعة السرد الوطني عملية ديمقراطية تشاركية، ترفض الوصاية الأحادية وتفتح المجال أمام تراكم الزمن الطويل لبناء هبة وطنية تتسم بالاستمرارية والتجدد.
ولعل ما يمنح هذا الكتاب بُعده الأخلاقي، فوق بُعده المعرفي، هو أن مؤلفَيه لا يكتبان من برج عاجٍ منفصل عن موضوع بحثهما، ولكنهما يجسّدان بذواتهما الأكاديمية نماذج مختلفة ومتكاملة لما يمكن تسميته بالمثقف المواطن. فحسن طارق، الباحث في العلوم السياسية، يُمثّل ذلك النمط من المثقفين الذين يُحكمون ربط المفاهيم المجردة بآليات الاشتغال المؤسسي، رافضاً الانزلاق نحو التجريد الذي يُحلّق فوق الواقع، من دون أن يمسّه. أما الطيب بياض فيُجسّد ذلك الحفر الأثري في طبقات الزمن الجماعي بحثاً عن اللحظات التي تشكّل فيها الوعي الوطني أو انكسر. ومن هذا التوتر الخصب بين الراهن السياسي والعمق التاريخي تُولد المسؤولية المزدوجة التي يُضطلع بها الكتاب، فمسؤولية المثقف تمتد لتشمل حراسة الشروط التي تجعل النقاش العام ممكناً أصلاً، أي الدفاع عن ذلك الفضاء المفاهيمي المشترك الذي تتحوّل فيه السردية من أداة سلطة إلى عقد اجتماعي قابل للمراجعة والتجديد.

ختاماً، فإن كتاب «نحن أمة» هو تمرين في الوعي بالذات قبل أن يكون عرضاً تاريخياً أو سياسياً. ذاك وأنه يجسد ما يمكن تسميته بـ»المسؤولية المزدوجة» للأكاديمي؛ فبين صرامة المنهج الذي يفكك سردية الحركة الوطنية ورموزها، ونُبل الالتزام بقضايا الهوية والاعتراف، يفتح المفكران حسن طارق والطيب بياض، عتبات للفهم تتجاوز التبسيط وتواجه شيطنة الآخر بالبحث عن المشترك الإنساني. وهنا تكمن قيمة هذا العمل في كونه بوصلة فكرية في زمن السيولة، وصرخةً معرفية تدعو لاستعادة النقاش الجاد حول الرابط اللاحم الذي يجمعنا كأمة. إنه عمل خليقٌ بالاهتمام لكل من يسعى لفهم كيف تتشكل «الأسطورة» المكونة للأوطان في خضم العواصف، وكيف يمكن للمقترب العلمي أن يكون هو الملاذ الأخير لحماية الوعي الجماعي من التفتت والضياع. بيد أن قيمة هذا العمل لا تكتمل إلا حين يُحرّك في القارئ، وفي المؤلفَين نفسيهما، جملةً من الأسئلة التي تظل مُشرَعَةً على المزيد من التأمل: فإذا كانت دسترة السردية هي المخرج المقترح، أفلا يُجازف هذا التوجه بخلق شكل جديد من أشكال القداسة، يُعيد إنتاج الوصاية على المعنى تحت غطاء قانوني بدلاً من غطاء أيديولوجي؟ وهل تملك السردية الوطنية، في صيغتها التشاركية والديمقراطية التي يدعو إليها الكتاب، قدرةً فعلية على مقاومة منطق التوظيف الشعبوي، الذي يبدع في سرقة الرموز وتفريغها من محتواها الجامع؟ ثم من يملك في نهاية المطاف شرعية تحديد حدود «المشترك الوطني»؛ المؤرخ أم الفقيه الدستوري، أم الجماهير صانعة التاريخ في ساعات الانفجار الكبرى؟ إن هذه الأسئلة ليست تشكيكاً في صرامة المشروع الفكري لطارق وبياض، بل هي الامتداد الطبيعي لفكر لا يهاب المساءلة، وقد دلّ على ذلك في كل صفحة من صفحاته.

كاتب مغربي



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *