مفاتن تجريد تعبيري: مطحنة أساليب تُدرَس وتُدرَّس


لأنّ إحدى أبرز وظائف اللوحة التجريدية، وهي أيضاً سمة تخصّ مستويات السطح والباطن من طاقاتها التفاعلية، أنها من حيث أبجديات التلقّي التفاعلي تزجّ المشاهد في سيرورة تفكير متجاورة، أو حتى متوازية تماماً، مع مباهج استقبال عناصر التشكيل، وإيقاعات اللون، وتناغمات السطوح، وتوازن الترادف بين الحارّ والبارد، والشفيف والداكن، والمستنير والمعتم… فإنّ لوحة محمد الجالوس ليست مجلداً حاشداً مفتوحاً في مقاربة هذه العلاقات، وسواها كثير متداخل وديناميكي ومتواشج، فحسب؛ بل هي، ببساطة بليغة ذات سويّة في الإنجاز تلامس الإعجاز، أدنى إلى درس في المصالحة بين الناظر وباصرته، وما تستقبل أو تستبطن، وبين القماش وما يختزنه ويَعِد به ويعرضه من نفائس: بصرية، شعورية، تفكيرية، حواسّية، في صيغة التعاقد الأولى والأبكر؛ ولكن تعليمية وتلقينية أيضاً، في صياغات لاحقة عضوية الارتباط، كما يليق بأيّ درس جمالي عالي الأداء لأنه ذكيّ الأدوات وبارع الجذب.
ولقد شاء حسن طالعي، في الشطر الذي يخصّ الفنون التشكيلية من تلهّف ذائقتي الشخصية على التعلّم والتدرّب والتثمين والتذوّق، أن أشاهد عشرات الأعمال للفنان محمد الجالوس، سواء في حفنة من معارضه الفردية، أو المشتركة خلال زيارات متفرقة إلى العاصمة الأردنية عمّان؛ أو عبر زيارات، مشهودة عندي ولا تُنسى، إلى مرسمه أتاحها لي سخاءٌ فائقٌ من جانبه، غير منفصل عن حسّ عال بموجبات التفاعل والوقوف على الرأي الآخر؛ بالإضافة إلى منشوراته المختلفة التي مكنتني من التعرف على أعمال له لم أشاهدها في المعارض، أو في المرسم؛ ولستُ أغفل شهاداته وكتاباته القصصية أو السِيَرية التي قرّبتني، أكثر، من عوالمه الداخلية عبر السرد والوسيط النثري.
تلك كانت أبعد، بكثير عميق، من محض مناسبات ثمينة للوقوف المطرد، ولعلي أضيف: المستدام، على أحدث إضافات الجالوس إلى «مطحنة» موضوعات وأساليب لم يتوقف عن تشغيلها عقداً بعد آخر، مواظباً خلال مساراتها على شهية قصوى تتوخى اقتراح الجديد دائماً. كما تسير على قاعدة راسخة قوامها مسابقة الذات، أو التسابق مع أسلوب هنا أو مرحلة هناك، وبين حجم صغير أو مصغّر تارة، وآخر هائل أو جداري تارة أخرى. وليس، البتة، من دون ارتياد معطيات الماضي بمعنى إعادة تخليقها، منضوية في سيرورة تعبيرية متجددة، تحتمل المجازفة بالمعنى الإبداعي الخلاق والعميق؛ وبمعنى حواريّ مع المتلقي لا تغيب عنه جسارة استفزاز الذائقة، بهدف التعاقد معها.


على سبيل المثال الأول، في «أبواب 48» سعى الجالوس إلى ترويض تلك المقاربة الفريدة، النبيلة والعذبة بقدر ما هي شاقة وعسيرة، والتي تكاد أن تداني المحال حتى حين تتحقق في صيغة افتراضية، على هذا النحو أو ذاك: استعادة ما بعد الذاكرة، أو محاولة استذكار عنصر محوري ناظم، مادّي ومتخيَّل، فعليّ شاهد ومجازي رامز؛ من ذاكرة لم يعشها شخصياً (ولد الفنان في عمّان، سنة 1960) وإن كان قد تمثّل الكثير من عناصرها ضمن انتماء بشري وشعوري جَمْعي، مكانيّ وزمانيّ في آن.
الباب هنا ليس مجرّد معطى بصري وتشكيلي مشترك يوحّد خطوط الاستذكار ويسيّر عناصر الذاكرة في أقنية تتشابك وتتقاطع لتنتهي عند المصبّ الأكبر، 1948، حيث النكبة والفقد والخسران والرحيل والمجهول والحيرة والتيه، فحسب؛ بل الباب سكنى إنسانية في المقام الأول، وعمارة وعمران، ومخزن وجود بالغ الثراء والامتلاء، سِيْقَ إلى خواء واغتراب وعدم. واسترجاعه هنا، كما يفعل الجالوس على سطوح القماش ومنعرجات الكتلة وإيقاعات اللون واشتباك المفردات التشكيلية؛ إنما يعيد تأثيث البيت من واقع أبوابه التي تنطق بمكوّناتها المختلفة (ألواح الخشب وثقوب الأقفال ورؤوس المسامير)، وكذلك ما يقع خلف الباب من مظاهر عيش وحياة (تبدأ من الأقمشة والأواني، ولا تنتهي عند رفوف الكتب وزخارف الجدران).
وأمّا الكائن البشري، شاغل هذه السكنى الحاشدة، الذي طُرد منها، وفيها طاردته قطعان غربان البين الغازية المستبيحة؛ فإنه لا يغيب عن هذه الأبواب إلا لأنّ الجالوس استبعد التشخيص المباشر، أو هو بالأحرى استقرّ على اللاتشخيص، لصالح تجريد تعبيري بالغ التعقيد ومتعدد السطوح، وهذا خيار أشدّ مشقة في التنفيذ، والأرجح أنه أسخى مثوبةً جمالية وأرفع تأثيراً لدى الناظر. ولعلّ بين أبرز فضائل أسلوبية الجالوس، في هذه المجموعة، أنّ إكساء ألواح خشب الأبواب بمسحة نحتية شبه نافرة تارة، وشبه تكعيبية تارة أخرى؛ يسبغ على فضاء اللوحة دينامية حيوية تشارك في تحريكها الألواح المتعامدة أفقياً أو شاقولياً، وتزجّ الناظر في تعاقدات شتى من التأمل والتبصّر والتأويل والتفكيك. هذا إذا وضع المرء جانباً إمكانية استدراج تلك الرياضة الحميدة التي قد تطمح إليها كلّ لوحة: أن يعبّر الناظر إذْ يجرّد، أو يجرّد حين تغويه نزعة التعبير؛ وكيف يمكن لهذه الثنائية التبادلية أن تتماهى في وعيه مع نظائر لها، أو مع نقائض.
والحال أنّ تجريد الجالوس، حين يقرر اتخاذ الأبواب علامة محورية، كونية على نحوٍ ما لأنها تحكي سردية اقتلاع واغتصاب واحتلال واستيطان؛ لا يملك الفكاك عن رفد السطوح بفضاءات تصويرية مصغّرة، ليست تشخيصية تماماً (كما هي حال الغربان، على سبيل المثال شبه الحصري)، بقدر ما يُنشئها تضادُّ محسوب بين ألوان مستنيرة مشرقة وأخرى كامدة معتمة، في منتصف اللوحة تارة، أو في ثلثها السفلي أو العلوي تارة أخرى.
وإذْ تقوم الألواح الخشبية بما يشبه «ترقيع» الفضاء، أو تشبيك مساحاته وفق هندسة متغايرة عالية التأثير من حيث جاذبيتها البصرية؛ فإنّ اللون شبه الموحّد هنا، في تدرجّات البنيّ والرمادي والترابي، ينقلب إلى معادل بصري صانع لمعنى مضاف في السياق الإجمالي للعمل؛ سواء احتوى على عنصر دالّ واقعي على نحو ما، عدا الغربان بالطبع، أو اقتفى السيرورة ذاتها من مزج التعبير بالتجريد.
مثال ثانٍ يتجلى في أعمال القسم الخاص بما يسميه الجالوس «سحر البر الغربي ـ الأقصر»، والذي يذكّر بأنّ مطحنة الأساليب، دائبة التغاير والتحوّل والتجريب، لا تقتصر على التجريد الفاتن وحده، بل تذهب به إلى تركيبات مَزْجية مدهشة التعدد، ليست واقعية خالصة ولا انطباعية صافية، ولا تعفّ بين نموذج وآخر عن تسخير العنصر التجريدي. ذلك لأنّ الجالوس ليس غريباً، في كلّ حال، عن مهارات التشخيص، ومشاقّ التصوير الواقعي الانطباعي، في علاقته بالمكان والبيوت والمدن؛ إذْ سبق له أن رسم العمران في الفحيص والسلط والقدس ونابلس، ولم يكن التجريد أو التجريد التعبيري هو الخيار الطاغي على أعماله تلك.


ولأنّ التشكيل لغة، ذات معجم مفردات ودالّ ومدلول، فإنّ الجملة في أبواب الجالوس، كما هي حالها في معادلات الاشتباك والتشابك بين فضاءات البرّ الخضراء أو سطوح الهضاب الشفيفة والسماء الزرقاء الفاتحة، ليست البتة بسيطة البناء أو متعرجة التركيب أو مبهمة المعنى» لجهة المنظور والفضاء والعناصر التي تتآلف، على نحو لا يقلّ إدهاشاً وبراعة؛ كي تمنح بصمة مميزة ومتميزة لكلّ هذا الاتساع البانورامي في معالجة موضوعات انفرادية، الباب الفلسطيني أو مرايا مياه نهر النيل سواء بسواء، يُنتظر منها أن تتماثل في قليل أو كثير، وأن تتكرر على هذا النحو أو ذاك.
مثال ثالث تقترحه أعمال الجالوس، ضمن المعرض الثلاثي الذي جمعه مع القطري سلمان المالك والمصري وليد عبيد، إذ دشنت بدورها نقلة مستحدثة ضمن تجاربه المتنامية والمتغايرة والمتكاملة في آن معاً؛ لأنها نهضت على متتاليات الوجه البشري بوصفه مدخلاً، فعلياً مادياً ومجازياً استعارياً، لبوّابات الوجود الإنساني في أنساق شتى من تمظهُر قسماته وأطوار دخائله وتقلباته الشعورية.
وتلك حقول استبطان تجريدي أساساً، تتنامى بدورها وتتغاير وتتكامل، متعامدة أو منبسطة أفقياً، ضمن تكوينات حيوية التركيب في اجتماعها أو انفرادها، وكذلك في ملامسة شفيفة لهذا العنصر الواقعي أو ذاك. ولعلّ المقاربة الأهمّ في مقترح الجالوس الجديد ذاك، وقد عوّدنا على انخراط مقارباته في جدل من توق استئناف الماضي ودأب استشراف المستقبل؛ هو لعبة الضوء الحاسمة: على الوجه ذاته، كما على تفصيل فيه هنا وهناك، فضلاً عن إلحاح منتظم على ضبط المعادلات الأعلى لعلاقات النور والظلّ.
وإذا كان من المتفق عليه أن حُسْن استقبال لوحة تجريدية من طراز رفيع، كامل العناصر ومتكامل البنية، على غرار أعمال الجالوس عموماً وما اختاره لهذا المجلد خصوصاً، إنما تبدأ من سيرورات تفاعل ذهنية وتفكيرية متجاورة؛ فإنّ المطحنة التي تمزج أساليب التجريد هنا ليست معيارية، بمعنى انحيازها إلى إنتاج الصورة عبر المخيلة وليس بمنحى نَسْخها، فحسب؛ بل هي أساساً، وجوهرياً، ترفد ذلك المعيار القياسي بمقترحات تمثيلية وتعبيرية وتجسيدية لا حصر لها. إنها تحثّ الناظر على التفكير المشارك، وعلى ما هو أثمن وأعلى خصوبة: إنتاج تجريد مقابل، مكمّل، أو حتى مضادّ لمفردات اللوحة ذاتها.
وبذلك فإنّ من النادر، إذا لم يكن مستبعداً تماماً، أنّ روحية العمل عند الجالوس، وهي بمعنى آخر تكوين «ذات» تميّز اللوحة، لا تُلتقط من جانب الناظر طبقاً لعناصر شتى ذاتية التوليد أو مقترنة بالعمل نفسه، ظاهرة معلنة أو خافية مضمرة. فهنا تتضافر، ولعلها تتدرّج غالباً، عناصر كبرى فاعلة مثل التكرار أو التناغم أو التوازن أو النبرة أو الكثافة أو الاتجاه، بما ينسحب على الخطوط والألوان والكتل والمساحات والظلال…
وليس نافلاً استطراداً، لأنه في الجوهر امتياز شخصي فائق وفريد واستثنائي، أنّ مطاحن أساليب الجالوس التجريدية التعبيرية تتنامى وتتصاعد وترتقي إلى مصافّ فاتنة: تُدرَس، كما يتوجب أن تُدرَّس.
*مقدمة مجلد «محمد الجالوس: 2011 ـ 2025»، الذي يصدر قريباً عن الدار الأهلية في عمّان.

 كاتب وباحث سوري



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *