معرض «ما تبقى من الأمس» للمصرية فاطمة عادل.. في مديح ذاكرة شعبية تغيب


القاهرة ــ «القدس العربي» : في ظل التحولات المتسارعة وغير المسبوقة التي يمر بها الشعب المصري، بحجة التقدم التكنولوجي تارة، وقصد محو الهوية والوجود تارة أخرى وهو الأهم والأكبر أثرا، تغيب تفاصيل الحياة المصرية التي كانت والتي صمدت كثيراً في مواجهة الزمن، سواء في صورة حكايات الجدات المتواترة، أو بقاء هذه المظاهر بشكل أو بآخر، رغم خفوتها من دون محوها أو نسيانها.
عن هذه الذاكرة ومظاهر وجودها، وبالتبعية وجود أصحابها، يأتي معرض الفنانة المصرية فاطمة عادل، والمعنون بـ»ما تبقى من الأمس»، والذي أقيم مؤخراً في غاليري (ضي) في القاهرة. وقد عرّفت الفنانة مُجمل حالة لوحات معرضها في عبارات عدة، منها.. «نمر فى حياتنا بلحظات كثيرة لا ندرك قيمتها إلا بعد أن تصبح ذكرى. لحظات عابرة تبدو بسيطة فى وقتها، لكنها تظل عالقة فى الوجدان أكثر من الأحداث الكبرى».

لحظات بسيطة

ومن عبارات الفنانة يبدو منهجها أو رؤيتها للعمل الفني، وقد ابتعدت عن تمجيد الأحداث الكبرى، فنأت بنفسها عن فخ التهليل والترويج لانتصارات وهمية زائفة، أو حتى توصف من قِبل متنطعي الثقافة والنضال البيتي بأنها مناضلة بدورها وهكذا ترويج ودعاية. لذا اختارت الفنانة مخاطبة الوجدان الشعبي للناس، من خلال لوحاتها التي تسرد العديد من الحكايات التي كنا نطالع أصحابها في الأفلام المصرية القديمة.
ناس عاديون
ووفق رؤيتها هذه تأتي الشخوص التي لا تدّعي أي شيء سوى وجودها ومظاهر وتفاصيل حياتها اليومية، وعلاقاتها الإنسانية، من امرأة تفكر في حبيب غائب، وأخرى تطالع أوراق اللعب أملاً في المستقبل، أو الاحتفال بطقوس العرس، وكذا ألعاب الأطفال وجلسات الرجال وألعابهم في المقاهي والبيوت، إضافة إلى ملمح بسيط من ملامح الريف المصري ــ وقت أن كان هناك ريف مصري ــ من فتيات جميلات يستعرضن جمالهن على شاطئ النيل، أو حالة السعادة الجماعية في موسم حصاد القطن.

المكان وتفاصيل الشخصيات

تتنوع الأماكن التي تصوغ من خلالها عادل لوحاتها أو عالم شخصياتها، فالشخصيات لا تعيش في المطلق، أو المكان المجرد، ولكن هناك اهتماماً كبيراً بالمكان وتفاصيله، سواء الحارة والباعة الجائلين، المقاهي البلدي وروادها، أو البيوت وتفاصيل المعتقدات، كالكف والعين الزرقاء المُعلقة خشية الحسد، الخُلخَال، القرط المستدير الضخم، المرآة، المشط العاج، السجاد وتفاصيل نقوشه، القلل الفخارية، فنجان القهوة، الطربوش، أو عملية تفصيل الملابس وماكينة (سنجر) الشهيرة، وكذا ألعاب كالسيجة والكوتشينة والدومينو، وحيوانات البيوت الأليفة، وأشهرها (القطة) التي تنام بالقرب من أصحابها في هدوء وسلام.
التقنية
ولا يغيب العالم الشعبي وتفاصيله في لوحات العديد من الفنانين المصريين، سواء صدّق منهم ما يقوم بتجسيده عبر لوحاته وتعايش معه بالفعل، أم مجرد كروت بوستال سياحية تعجب السائح الأجنبي. ولكن ما الذي أضافته فاطمة عادل، أو بعبارة أخرى كيف رأت هذا العالم وجسدته في صورة مختلفة تخصها؟
تبدو التقنية هنا هي الفارق، من حيث الأسلوب والمزج بين ما وهو واقعي، أو تجسيد عناصر معروفة تماماً وتفاصيل ومفردات شائعة، وإن كنا نطالعها اليوم في الأفلام والصور القديمة، بجانب تكوين فوق واقعي، لا يصل إلى حد السريالية، لأن هناك منطق طبيعي لوجود هذه العناصر معاً، فلا اغتراب أو عدم منطقية ـ فنية ـ في وجود هذه العناصر بين عالمها الطبيعي، بمعنى أن الشخصية ومفرداتها في عالمها الحقيقي، ولكن التكوين هنا هو الفارق، وكذا الحركة والمنظور، فقد يصبح الجسد وصاحبه هو العنصر الأساس في التكوين، أو أن يكون الطقس هو الأساس، بأن تتصدر العروس المشهد وحولها الفتيات، إضافة إلى الحركة والرأس المقلوب لصاحبها وهو ينتظر امرأة تقرأ له الفنجان. هذه التكوينات بدورها توحي من بعيد بالرسومات التي كان يرسمها المصريون على أذرعهن يستلهمون من خلالها شجاعة أبطال السيَر الشعبية كأبي زيد الهلالي ورفاقه.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *