معرض صور لماري خازن في إهدن يستحضر أسئلة بعد عقود على التقاطها


بيروت – «القدس العربي»: في إهدن، عادت صور ماري خازن (1899 ـ 1983) لتفتح نقاشاً حول امرأة اختارت، في النصف الأول من القرن العشرين، أن تنظر إلى الحياة بعينها وأن تحفظ ما رأته بعدستها.
وقد استضافت جمعية «أزل»، بالتعاون مع معهد العالم العربي للفنون والمؤسسة العربية للصورة والمعهد العربي للمرأة في جامعة الدول العربية، معرضاً مكرساً لهذه المصورة اللبنانية، في مبنى الكبرى، بحضور عدد من السفراء وشخصيات ثقافية واجتماعية وإعلامية.
ولم يكن المعرض مجرد استعادة لأرشيف فوتوغرافي قديم، بل محاولة لإعادة النظر في صورة المرأة اللبنانية نفسها خلال مرحلة كانت فيها أدوار النساء تتحرك ببطء خارج الحدود التقليدية. ففي زمن كانت المرأة تُرى أكثر مما يُسمح لها بأن ترى، اختارت ماري خازن أن تقف خلف العدسة. لم تكن الصورة بالنسبة إليها مجرد تسجيل للحظة، بل مساحة لاكتشاف العالم والتعبير عن الذات، وربما أيضاً وسيلة هادئة لإعلان استقلال امرأة سبقت زمنها.
واعتبر وزير الإعلام السابق زياد مكاري «أن العودة إلى الصورة تتيح للبنانيين التوقف أمام تاريخهم»، مشيراً «إلى أهمية الحفاظ على ما تبقى من الذاكرة اللبنانية». وأعلن خلال المناسبة تأسيس دار نشر باسم «أزل»، متمنياً «أن يكون إصدارها الأول مجموعة صور ماري خازن، وأن يوقّع الكتاب في منزلها الأثري في زغرتا».
وفي حفل الافتتاح، تحدث الباحث محسن يمين عن رحلة اكتشاف أعمال ماري خازن وإعادة إحيائها، مشيراً إلى «أن صورها عادت إلى الواجهة الثقافية من خلال أحد معارض معهد العالم العربي عام 1998، ثم خلال القمة الفرنكوفونية عام 2000، لتبدأ معها مرحلة جديدة من الاهتمام بتجربتها».
وتناولت الباحثة الدكتورة ياسمين نشابة طعان، في رسالة الدكتوراه الخاصة بها، النتاج الثقافي والتوثيقي لخازن، وأسهم بحثها في إضاءة تجربة مصورة لبنانية لم تنل، خلال حياتها، المكانة التي تستحقها في تاريخ التصوير.
أما الكاتبة جورجيا مخلوف، فتوقفت عند تجربة خازن من زاوية أدبية وثقافية، فيما تحدث الفنان فارتان أفاكيان باسم المؤسسة العربية للصورة، التي تأسست عام 1993 بهدف جمع الصور وحفظها وإتاحتها لأغراض البحث والتوثيق. وأشار إلى «أن مجموعة الباحث محسن يمين كانت من بين المجموعات التي وصلت إلى المؤسسة، التي يضم أرشيفها اليوم نحو 60 ألف صورة».
يبقى أن ماري خازن، في اختيارها الكاميرا، تفعل أكثر من التقاط الصور. كانت تمنح نفسها حق النظر، والاختيار، وتحديد ما يستحق أن يُرى. وفي صورها تبدو المرأة حاضرة بوصفها شخصية كاملة، لا مجرد تفصيل في مشهد اجتماعي. الوجوه، الملابس، الوقفات، العلاقات بين الأشخاص، والمناسبات اليومية، كلها تتحول عندها إلى مادة بصرية تكشف مجتمعاً كان يتغير، ونساءً كنّ يبحثن عن مساحات أوسع لحضورهن. ولعل أهمية تجربتها اليوم تكمن في أن عدستها لم تكن محايدة تماماً؛ فقد كانت تحمل نظرة شخصية إلى الحياة. فالصورة عندها لم تكتف بحفظ الملامح، وإنما منحت الأشخاص حضوراً وذاكرة. ولهذا تبدو أعمالها، بعد عقود، قادرة على استحضار أسئلة تتجاوز زمن التقاطها: كيف كانت المرأة ترى نفسها؟ وكيف أرادت أن تُرى؟ وما المساحة التي كان يمكن أن تنتزعها لنفسها في مجتمع لم تكن فيه ممارسة التصوير أمراً مألوفاً للنساء؟
وهكذا لا يعود معرض ماري خازن مجرد معرض لصور قديمة. إنه استعادة لصوت بصري نسائي، ولتجربة امرأة اختارت العدسة في وقت كانت فيه خيارات النساء أضيق، وتركت وراءها صوراً تجعلها حاضرة في زمن لم تعشه. فبعض الصور لا تحفظ الماضي فقط، بعضها يعيد كتابة مكان صاحبه في التاريخ.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *