القاهرة ـ «القدس العربي»: لم يكن اسم الفنانة الراحلة رعاية الله حلمي (1923 ــ 2014) شائعاً أو متداولاً في عالم الفن التشكلي المصري، بل كان قاصراً على الخاصة، أو بعض القِلة من نقاد الفن التشكيلي. ويأتي المعرض الذي جمع بعضا من أعمالها المختلفة بعنوان.. «رعاية الله حلمى.. حكاية تشكيلية لم تكتمل» ليكشف جانباً مهماً في مسيرة التشكيل المصري، حتى لو كانت صاحبته ذاتها حكاية فنية لم تكتمل. أقيم المعرض في «قاعة حامد ندا» في غاليري (ضي) في القاهرة.
من تاريخ الحركة التشكيلية
ولدت الفنانة رعاية الله حلمي في 24 ديسمبر/كانون الأول عام 1923، درست الفن في (معهد الفنون الجميلة للفتيات) حيث التحقت بالمعهد عام 1941، الذي أصبح في ما بعد (كلية التربية الفنية) جامعة حلوان، واختارت تخصصاً فنياً صعباً، كان قاصراً على الرجال، وهو فن (النحت)، وربما حتى الآن تبدو قِلة من النساء يتخصصن في هذا الفن. لذا تعتبر حالة لافتة في مسيرة الحركة التشكيلية المصرية، إضافة إلى ذلك أنتجت عدة لوحات في مجال التصوير امتازت بحِرفيتها العالية، رغم أن موضوعاتها كانت تمثل الموضوعات الشائعة في ذلك الوقت، إلا أن اللوحات كانت تمثل الفئة التي تنتمي إليها الفنانة، من المناظر الطبيعية وبورتريهات لشخصيات شعبية، تماماً كجيلها وما بعده خاصة من النساء.
من ناحية أخرى شاركت حلمي في عدة معارض وقتها، وسافرت إلى عدة مدن كباريس ولندن للمشاهدة والاطلاع على التجارب الفنية الغربية، كان ذلك آواخر أربعينيات القرن الفائت، قبل أن تبتعد في منتصف الخمسينيات عن المشاركة الإبداعية في الحركة لتشكيلية، واكتفت بالتدريس كمعلمة للرسم في مدرسة (السنية)، وتدرجت في المناصب حتى أصبحت موجهة للتربية الفنية في وزارة التربية والتعليم، وصولاً إلى تقاعدها عام 1979، ثم رحيلها في 28 أكتوبر/تشرين الأول 2014.
المعرض
إلى جانب اللوحات والأعمال النحتية، ضم المعرض العديد من الوثائق والصور الأرشيفية للفنانة في مرسمها، وكذا مقالات في الصحف، إضافة إلى بعض من أرشيف الأسرة، حيث كانت زوجة للناقد الفني بدر الدين أبو غازي، الذي كان وزيراً للثقافة في سبعينيات القرن الفائت، ووالدة الأكاديمي عماد الدين أبو غازي الذي تولى وزارة الثقافة أيضا، بعد ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011.
الرصانة والحِرفة
تبدو منحوتات الفنانة رعاية الله حلمي غاية في الرصانة والإحكام، من حيث التكوين وتفاصيل المنحوتة، خاصة المنحوتات الكاملة التي تمثل حالات إنسانية، كما في تمثال (أمومة)، حيث يتخفى الطفل خلف جلباب أمه، هنا لا يمكن إغفال الحركة والقبض على لحظة عابرة، أجادت الفنانة في التعبير عنها في بساطة وبناء قوي، من دون استعراض مهارات تخرج عن الموضوع. أما تمثال المرأة التي تغفو وكأنها تختلس لحظة الراحة هذه، فهي بدورها لحظة أخرى من كثرة اعتياديتها أصبحت محجوبة وغير مرئية، لكن الفنانة تجسدها في رقة وعطف.
ومن خلال الرقة والعطف يمكن الحديث عن الفئة التي تتعاطف معها الفنانة، حسب ثورة 1919 وأفكارها التي أثرت على جيل الفنانة وما قبله، حيث البحث عن الشخصية المصرية، والتي تبدو في الفلاحات وأرباب المهن من الرجال، وهو ما يمثل فارقاً كبيراً عند تجربة الفنانة مع فن التصوير، فرغم المناظر النيلية والحدائق، وأجواء الريف، لم تبتعد كثيراً في لوحتها عن الحِس الاستشراقي في الرسم، مع ملاحظة أن الفنانين الآخرين الذين عاصروا انقلاب يوليو/تموز 1952 قد تحولوا إلى رسم العُمال والمصانع والآلات، وحتى الريف أصبح يبدو في منظور مختلف.
وفي الأخير.. تبدو تجربة الفنانة رعاية الله حلمي من التجارب المهمة في مسيرة التشكيل المصري، والذي يمكن أن تكون هناك دراسات أخرى توضح دورها في هذه المسيرة، ووضعها في السياق الصحيح بين فنانات ذلك الجيل.
