معرض أبوظبي للكتاب… من الفراهيدي إلى سرفانتس


احتفل معرض الكتاب الدولي بنسخته الخامسة والثلاثين في أبوظبي بعلامتين. الأولى هي شخصية الفراهيدي عالم الألسنيات ومؤلف معجم «العين»، الذي استغرق في جمع معلوماته وتدوينها فترة طويلة امتدت من 760 ميلادية وحتى وفاته عام 786. وتروى عنه نهاية درامية وغريبة. مفادها أنه ضرب رأسه بالصدفة في عمود صلب أثناء تجواله في مسجد البصرة، وهو يفكر بجداول لتسهيل المعاملات بين التجار والمستهلكين، فأغمي عليه في الحال، ورحل في غضون أيام. وفي رأيي أن الرواية موضوعة، فهي تعيد إلى الأذهان المصير الخيالي للجاحظ، الذي مات مدفونا تحت كتبه (كما ورد في عدة مصادر). ولكن في كل الحالات تبقى هذه الأخبار شهادة فانتازية على طبيعة الزهد والتقشف، التي اشتهر بها علماء المعتزلة، ومن تأثر بهم من الإباضية وسواهم. وسهر لاحقا على معجم الفراهيدي تابعه وتلميذه المخلص الليث بن المظفر الكناني، حتى شاهد المعجم النور بشكل كامل عام 862 في سوق الوراقين في خراسان.
وغني عن القول إنه كان للفراهيدي كذلك دور مؤسس في علم العروض وبحور الشعر والموسيقى. وقد خصص له المعرض عدة جلسات نقاش، الأولى بعنوان: «الفراهيدي وحكاية أول معجم عربي»، في مساء يوم 14 سبتمبر/أيلول. يتلوها جلسة بعنوان «حين اكتشف الفراهيدي بحور الشعر «(في مساء 16 سبتمبر)، يتبعها جلسة أخيرة بعنوان «حين شكل الفراهيدي الكلام» (في مساء 17 سبتمبر)، ومحورها إسهاماته في وضع قواعد بنية وتركيب اللغة، وضبط العلامات التي ساعدت الأجيال على فهم اللسان العربي، ولا سيما الوافدون من بلدان إسلامية مجاورة.

 

كتاب العالم

العلامة الثانية هي شخصية دون كيشوت، بطل رواية سرفانتس المعروفة، التي تعتبر أول مشروع سردي، أو أول رواية فنية تتكون من شخصيات وأحداث. وقد احتفل بها المعرض تحت شعار «كتاب العالم دون كيخوتة». ويحتفل به في عدة جلسات موزعة على أيام المعرض كما يلي: «ثيرفانتس مؤسس الرواية الحديثة»، وتدور حول ترجمات دون كيشوت إلى اللغة العربية، وتأثيرها على الكاتب العربي، ابتداء من السوري محمد كامل الخطيب مؤلف مجموعة قصص بعنوان «الأزمنة الحديثة» 1974، مرورا بهاني الراهب مؤلف كتاب «جرائم دونكيشوت» 1978، وانتهاء بالأعرج واسيني وروايته «حارسة الظلال»  1999 وغير ذلك. تتبعها جلسة بعنوان «دون كيخوتة عربيا». ثم جلسة بعنوان «سرفانتس من الكتاب إلى المسرح والشاشة». ويجري التركيز فيها على دور الكاتب الإسباني بتطوير أساليب السرد وبناء أو تركيب الشخصيات. وتختتم هذه السلسلة بجلسة «دون كيخوتة يجابه الواقع على صهوة الوهم». ومن المفروض أن تنقسم إلى عدة محاور تتناول مفهوم الرحلة والحركة في الأدب الخيالي، والصراع بين شروط الواقع المحسوس والمثاليات، أو حدود العالم المادي والرغبة، مع مناقشة مستفيضة لأوهام البطولة وقوة الخيال وتشكيل الوعي (كما ورد في برنامج المعرض).

ضيف الشرف

أما ضيف الشرف لهذا العام فهو جمهورية شمال مقدونيا، وحدد البرنامج لوفدها عدة نشاطات تغطي ظواهر أدبية وفنية وموسيقية، مع منصة لعرض الحِرَف والوثائق والمخطوطات. ويبلغ عمر بعض الوثائق ستة قرون أو أكثر، ليتاح للزوار الاطلاع على ذاكرة البلقان الثقافية وعلاقة الشرق بالغرب، ولا سيما أن المنطقة بوابة تربط بين مختلف الحضارات، الباردة في الشمال والدافئة القريبة من حوض البحر المتوسط. ويغني المعرض أيضا مشاركة عدد من أدباء ومفكري البلقان، ومن بينهم المستشرقة الصربية دراجانا غورغيفيتش، التي قدمت في كتابها «تاريخ المعاجم» قراءة معمقة لتاريخ اللغة واتجاهات الوعي. وتتوفر في المعرض عدة أعمال مقدونية مترجمة إلى اللغة العربية، أبرزها رواية «الواحد والعشرون» لتوميسلاف عثمانلي، صدرت عن العربي للنشر والتوزيع، وهي من أهم الروايات المقدونية الحديثة، التي تغطي فترة تفكك الدولة القديمة والحروب التي تخللتها.  ومن بين أدباء البلقان الذين لهم ترجمات متفرقة في الدوريات: القاصة رومينا بوزاروفسكا، متخصصة بشؤون المجتمع والأسرة الحديثة، والشاعر أكو شوبوف، يهتم  بالمسائل الوطنية بأسلوب عدمي وذاتي قريب من التشيكي بوهاميل آرابال، بالإضافة إلى الشاعر  كوتشو راشين مؤلف مجموعة «الفجر الأبيض»،  والروائي بيتر أندريفيسكي مؤلف  «بيراي»، والمسرحي غوران ستيفانوفسكي، والقاصة روميناها بوتشاروفسكا، والروائي سلافكو يانيفسكي، وهو أول من كتب رواية مقدونية حديثة بعنوان «القرية خلف أشجار الدردار السبعة».

الأدب في الإمارات

ورافق هذه النشاطات التعريف بالمشهد الثقافي المعاصر لدولة الإمارات. وربما كان أهمها أمسية تكريمية لشاعر إماراتي مؤسس كان له صوت مؤثر في الساحة العربية طيلة الثمانينيات والتسعينيات وهو الشاعر الراحل حبيب الصايغ مؤلف القصيدة الطويلة «هنا بار بني عبس، الدعوة عامة» 1980. وهي قصيدة تعيد إلى الأذهان مغامرة سليم بركات في «الجمهرات» وأنسي الحاج في «الرسولة بشعرها الطويل إلى الينابيع». وخلالها يلقي بعض القراء مقتطفات من أعمال الشاعر الراحل مع عزف موسيقى مناسبة. وتعقد إلى جانبها جلسة حوار مع الفنانة الإماراتية ميثاء الخياط، مؤلفة رواية «ابنة غواص اللؤلؤ وعقد البعو» 2024، الموجهة لليافعين، وتستلهم فيها تراث الإمارات بروح خيالية معاصرة، وبالطريقة التي اتبعتها كل من ميسون صقر في روايتها الأيقونية «في فمي لؤلؤة»، ومها قرقاش في روايتها الصادرة بالإنكليزية عن هاربر كولينز تحت عنوان «سمكة الرملThe Sand Fish». وتعقب ذلك أمسية بعنوان «مرافئ شعرية» يشارك فيها من لبنان علا خضارو، ومن نيجيريا علي لوال. ثم أمسية بعنوان «تجليات نثرية ومقفاة» يقدمها الشاعران عبدالرحمن الحميري ومحمد أبوزيد، ويتخللها حوار عن جماليات القصيدة واللغة وتقاليد الشعر النبطي.

 الفعاليات

وتضمن البرنامج أيضا جلسة عن مقهى ريش الكائن في القاهرة – والمعروف أنه منصة أدباء مصر الحديثة، وتعقد الجلسة بالتعاون مع مكتبة «ديوان». وترافقها جلسة بعنوان «جسور الكلمات: ترجمة الأدب العربي إلى الإنكليزية»، ويناقش المشاركون فيها دور الترجمة والجوائز في إشهار العمل الروائي، وهموم الاحتفاظ بروح النص وعدم التضحية به في سبيل الوصول السريع. تتبعها جلسة بعنوان «كيف يولد الإبداع؟ قراءة في «حياة وأعمال إنجي أفلاطون». وهي عبارة عن رحلة في عوالم هذه  الفنانة المصرية الحائزة وسام الفنون والآداب من وزارة الثقافة الفرنسية.
وتعد رواية «نبي أرض الشمال» الصادرة مؤخرا عن دار رواق للمصري أسامة عبد الرؤوف الشاذلي، من أبرز الأحداث السردية التي تمهد الطريق لرواية شرق- غرب بإطار حضاري وكوني، بعيد عن وهم البدايات وأخلاقياتها كما أسس لها توفيق الحكيم وسهيل إدريس بين آخرين. والرواية تربط مصير الشباب المصري بالتطلع إلى العالمية، وما تمثله إسرائيل من عوائق ومصاعب، وتحفر بعيدا في خلفيات الفكر الهليني، الذي منح مصر شخصيتها الملتبسة والحائرة.
كاتب سوري



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *