نواكشوط –«القدس العربي»: عادت قضية الحراطين، إحدى أكثر القضايا الاجتماعية والسياسية تعقيداً وحساسية في موريتانيا، إلى صدارة النقاش الوطني خلال الأيام الأخيرة، بعد سلسلة من المبادرات واللقاءات والتصريحات التي أعادت تسليط الضوء على مطالب هذه الشريحة الواسعة من المجتمع الموريتاني، وسط دعوات إلى معالجة ما يوصف بأنه اختلالات تاريخية في مجالات التمثيل السياسي والعدالة الاجتماعية وتقاسم الثروة والفرص الاقتصادية.
وجاءت أحدث محطات هذا الحراك من خلال لقاء تفكيري احتضنته العاصمة نواكشوط أمس بمشاركة فاعلين شباب من الحراطين إلى جانب شخصيات من خلفيات سياسية وحقوقية متعددة، حيث دعا المشاركون إلى فتح «مساحات أوسع للحوار المسؤول»، وإلى الإنصات للأصوات المطالبة بحقوقها بعيداً عن التوترات السياسية والاستقطابات الظرفية.
وأكد المتدخلون خلال اللقاء أن قضية الحراطين لا ينبغي أن تختزل في الاصطفافات الحزبية أو الحسابات السياسية الضيقة، بل يجب النظر إليها باعتبارها قضية وطنية ترتبط بمبادئ المواطنة المتساوية والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية، كما شددوا على أن معالجة الاختلالات القائمة تتطلب إصلاحات عميقة وجذرية تعالج آثار التهميش والغبن المتراكمين عبر عقود، وتتيح مشاركة أكثر عدالة في الوظائف العمومية والمناصب العليا والموارد الاقتصادية.
وتعكس هذه الدعوات عودة لافتة لملف ظل حاضراً في الحياة السياسية الموريتانية منذ عقود، لكنه اكتسب زخماً جديداً خلال الأشهر الأخيرة بفعل تصاعد النقاشات المتعلقة بالحريات العامة والتمثيل السياسي والهوية الوطنية، إضافة إلى الجدل الذي رافق منع السلطات لبعض الأنشطة والتظاهرات ذات الطابع السياسي أو الحقوقي.
وتتصدر قضية الحراطين المشهدين الحقوقي والسياسي، والاجتماعي في موريتانيا، في سياق نقاش متجدد حول موقع هذا المكوّن داخل البنية الوطنية، وحول مدى جدوى مقاربات «المكون المستقل» أو «التمييز الإيجابي» في معالجة اختلالات تاريخية ما زالت آثارها حاضرة.
وتتباين المواقف بشأن مطلب «المحاصصة»؛ حيث يرى ناشطون أنه ضرورة لضمان مشاركة أوسع للحراطين في مختلف مؤسسات الدولة والقطاع الخاص، مستندين إلى معطيات يعتبرونها دالة على استمرار فجوات في التمثيل والفرص. في المقابل، يحذر آخرون من مخاطر ترسيخ منطق المحاصصة على تماسك المجتمع والدولة، معتبرين أن الحل يكمن في تعزيز الكفاءة والمواطنة المتساوية بعيداً عن التقسيمات الصارمة.
ويطرح عدد من الفاعلين مقاربة وسطية تقوم على توسيع مفهوم التمييز الإيجابي باعتباره أداة للتعويض عن مظالم تاريخية دون المساس بمبدأ المساواة، مع التركيز على مجالات التنمية والخدمات والإدماج الاقتصادي والاجتماعي، بما يضمن تمثيلاً أكثر توازناً لمختلف مكونات المجتمع.
وفي السياق نفسه، يرى المفكر الإسلامي محمد جميل منصور «أن تحصين الدولة والمجتمع يظل مرهوناً بتكريس العدالة ومعالجة جذور الاختلالات، مع الدعوة إلى مراجعة بعض التصورات الاجتماعية التقليدية، خصوصاً ما يتصل بإرث العبودية، الذي يُنظر إليه باعتباره ممارسة مرفوضة دينياً وقانونياً وحقوقياً».
وأضاف في مداخلة له خلال ندوة فكرية «أن أطروحات متعددة ترى أن الإشكال المتعلق بالحراطين يتجاوز البعد الحقوقي الضيق ليأخذ أبعاداً اجتماعية وسياسية مركبة، مع تسجيل دور بارز لمنظمات المجتمع المدني والحركات الحقوقية في إبراز القضية ودفعها إلى واجهة النقاش الوطني خلال العقود الأخيرة.
وبين دعوات التوازن والتحذير من الإفراط في التقسيم، يتجه النقاش العام نحو البحث عن صيغة تضمن العدالة والإنصاف وتعزز الاستقرار الاجتماعي، دون الإضرار بوحدة المجتمع أو إنتاج أشكال جديدة من التمييز المقنن.
ويرى مراقبون أن عودة القضية إلى الواجهة لا ترتبط فقط بالمطالب التقليدية المتعلقة بمكافحة آثار العبودية، وإنما أيضاً بتحول طبيعة الخطاب المرتبط بالحراطين نحو التركيز على قضايا أوسع تتعلق بالمشاركة في صناعة القرار، والولوج إلى الثروة الوطنية، وتكافؤ الفرص داخل مؤسسات الدولة.
ويستند جزء كبير من هذا النقاش إلى الأفكار التي حملها «ميثاق الحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية للحراطين» المعروف اختصاراً بـ»الميثاق»، والذي تأسس سنة 2013 من طرف نخبة من السياسيين والأكاديميين والحقوقيين بهدف لفت الانتباه إلى ما اعتبر آنذاك اختلالات بنيوية تمس أوضاع الحراطين في موريتانيا.
ميثاق الحراطين
وفي تصريحات حديثة له، أكد يربه ولد نافع، رئيس ميثاق حقوق الحراطين، أن الوثيقة التأسيسية للحركة جاءت نتيجة تقييم للوضع الوطني آنذاك، حيث اعتبر مؤسسوها أن الحراطين كانوا يعانون من أشكال متعددة من الإقصاء في مجالات التعيين والتوظيف والتمويل الاقتصادي وملكية الأراضي والاستفادة من المشاريع التنموية.
وأوضح ولد نافع أن من بين القضايا التي دفعت إلى إطلاق الميثاق ما وصفه بضعف تمثيل الحراطين في دوائر اتخاذ القرار، إضافة إلى مشاكل تتعلق بالتعليم والتنمية في القرى والتجمعات الفقيرة والأحياء الشعبية، فضلاً عن استمرار آثار العبودية ومخلفاتها الاجتماعية رغم وجود قوانين تجرم هذه الممارسات.
ورغم مرور أكثر من ثلاثة عشر عاماً على تأسيس الميثاق، يرى قادته أن الكثير من الإشكالات التي طرحتها الوثيقة الأصلية ما تزال قائمة بدرجات متفاوتة، وإن كانوا يقرون في الوقت نفسه بوجود تطورات وتحسينات شهدتها البلاد في بعض المجالات.
ومن بين أكثر الملفات إثارة للنقاش حالياً مسألة التمثيل السياسي والاقتصادي للحراطين، فبحسب قادة الميثاق وعدد من الناشطين، فإن المطالب لم تعد تقتصر على مكافحة الرق ومخلفاته، بل تشمل أيضاً تمكين الحراطين من حضور أكبر داخل المؤسسات التنفيذية والتشريعية والقضائية والأمنية، بما يتناسب مع وزنهم الديمغرافي داخل المجتمع الموريتاني.
كما يطالب هؤلاء بفتح المجال أمام رجال الأعمال المنحدرين من هذه الشريحة للاستفادة من فرص الاستثمار والتمويل، والحصول على التراخيص في قطاعات استراتيجية مثل التعدين والصيد البحري والزراعة، بما يساهم في تقليص الفوارق الاجتماعية وتحقيق قدر أكبر من العدالة الاقتصادية.
هوية الحراطين
وفي موازاة هذه المطالب، عاد إلى الواجهة كذلك النقاش حول الهوية الحراطينية، وهو موضوع ظل مثار جدل بين الباحثين والفاعلين السياسيين والحقوقيين. ويرى بعض المدافعين عن القضية أن من حق الحراطين تعريف هويتهم بأنفسهم والتعبير عن خصوصياتهم التاريخية والاجتماعية، بينما يدعو آخرون إلى مقاربة المسألة في إطار الهوية الوطنية الجامعة بعيداً عن أي تصنيفات قد تعمق الانقسامات الاجتماعية.
في المقابل، تؤكد السلطات الموريتانية أنها قطعت أشواطاً مهمة في مجال مكافحة العبودية وتعزيز الإدماج الاجتماعي من خلال سن قوانين صارمة وتجريم الممارسات الاسترقاقية وإنشاء مؤسسات وبرامج تنموية موجهة للفئات الهشة. كما تشير إلى أن الدولة استثمرت خلال السنوات الماضية في مشاريع البنى التحتية والتعليم والصحة والحماية الاجتماعية بما يخدم مختلف الشرائح الاجتماعية دون تمييز.
ويجمع متابعون للشأن الموريتاني على أن عودة قضية الحراطين إلى واجهة النقاش تعكس استمرار الحاجة إلى حوار وطني هادئ حول إحدى أكثر القضايا ارتباطاً بمسار بناء الدولة الحديثة في موريتانيا.
فبين من يعتبر أن البلاد حققت تقدماً مهماً في معالجة المظالم التاريخية، ومن يرى أن الطريق ما يزال طويلاً نحو تحقيق المساواة الفعلية، يبدو أن هذا الملف سيظل حاضراً بقوة في النقاش السياسي والحقوقي خلال المرحلة المقبلة، باعتباره اختباراً لقدرة الدولة والمجتمع على بناء عقد اجتماعي أكثر عدالة وشمولاً واستقراراً.