مطابخ التاريخ: غزّة في انتخابات الكونغرس


مألوفٌ ومنتظَر أنّ قلقاً شديداً، على صلة باعتبارات وجودية كما قد يصحّ القول، ينتاب مجموعات الضغط والهيئات والمؤسسات اليهودية المختلفة، على امتداد الولايات المتحدة ولكن خارجها أيضاً؛ حيال استطلاع للرأي نشره مؤخراً «تحالف بلو سكوير ضدّ الكراهية»، وسجّل أنّ نسبة 29% من مواطني أمريكا، في أعمار شابة أو وسيطة بين 18 ـ 44، يرون أنّ اليهود «تهديد لوحدة المجتمع الأمريكي»، بالمقارنة مع نسبة 13% فقط لأعمار ما فوق الـ60 سنة. معطى آخر لا يقلّ دلالة، لدى أبناء ما يُسمى «جيل Z» أشار إلى أنّ نسبة 52%، ليس أكثر، تؤمن بحقّ دولة الاحتلال الإسرائيلي في الوجود.
جدير بالتنويه أنّ المنظمة التي أجرت الاستطلاع كانت، عند تأسيسها سنة 2019، تحمل اسم «مؤسسة مكافحة العداء للسامية»؛ وقد اتُهمت، مراراً وفي مناسبات صارخة الملابسات، بالسعي المنهجي المتعمد إلى الخلط بين العداء للسامية والعداء للصهيونية، فضلاً عن استقطاب قيادات يمينية وساسة متقاعدين من صفوف الحزب الجمهوري (كوندوليزا رايس، مستشارة الأمن القومي ووزيرة الخارجية الأسبق، على سبيل المثال).
والأرجح أن توقيت نشر خلاصات استطلاع الرأي هذا غير بعيد عن أجواء انتخابات التجديد النصفي مطلع تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل، والتي ستشمل جميع المقاعد الـ435 في مجلس النواب، و35 من أصل 100 مقعد في مجلس الشيوخ، فضلاً عن 39 من حكام الولايات والأقاليم. وكما بات مؤكداً، تشهد المنافسات صعود أسماء بارزة، في نيويورك وبنسلفانيا وكولورادو وسواها، لا تمثل التيارات التقدمية واليسارية في صفوف الحزب الديمقراطي فقط، بل تعكس خيارات انتقادية صريحة للسياسات الإسرائيلية وأنشطة مجموعات الضغط الصهيونية.
حالة فرنشيسكا هونغ، المرشحة الديمقراطية لولاية وسكونسن، في عداد الأبرز على هذا الصعيد؛ إذ لم تتكاثر من حول حملتها اتهامات الانحياز إلى الفلسطينيين، ومعاداة دولة الاحتلال، وانتقاد تأييد البيت الأبيض المطلق للسياسات الإسرائيلية، فحسب؛ بل توجّب (كما تقتضي العادة، في الواقع) تصنيفها في خانة العداء للصهيونية، وبالتالي العداء للسامية وجوباً. وفي المقابل، يُسقط خصومها من الحسبان سائر النقاط التي يعلنها برنامجها الانتخابي بصدد شؤون الولايات وشجونها الاجتماعية والمعيشية والصحية والتعليمية والخدمية؛ وإذا ذُكر أيّ منها استثناء، فلكي يجري التشديد أكثر على أنها أكثر «ليبرالية» من أن تحتمل ولاية «أرجوانية» مثل وسكونسن، اعتادت التصويت على نحو تبادلي بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي.
لكنّ جوهر حملة هونغ لا يخرج كثيراً عن وتائر الحاجة إلى تغيير جذري في الحياة السياسية والحزبية، وبالتالي التقاليد والتقسيمات والمحاصصات الانتخابية، على امتداد الولايات المتحدة؛ أو، حسب هونغ أستاذة فنون الطبخ السابقة، كما في أمريكا، كذلك في وسكونسن، وصعود ممثلي التيارات التقدمية الرافضة لهيمنة المليارات والشركات العملاقة ومجموعات الضغط يُطبخ على نار هادئة واعدة النتائج. ومثلما نجح زهران ممداني في استقطاب أصوات اليهود في قلب مانهاتن، فإنّ برامج المرشحين «الاشتراكيين»، كما يصنفهم اليمين الأمريكي، قد تفلح في قلب الحسابات التقليدية والولاءات المزمنة.
إلى هذا، ثمة خيارات لدى هونغ تبدو أخلاقية الطابع ومعبّرة عن مبادئ النزاهة والحياد والنأي بالنفس عن الفساد، كما في رفضها استلام تبرعات من الـAIPAC، «لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية»؛ ولكنها ليست بعيدة عن إدارة مقاربة تكتيكية بارعة، تمكّنها من التمايز عن المرشحين الآخرين، والمنافسين لها تحديداً، في الحزبين، ممّن واظبوا على تلقّي الأموال من تلك المنظمة، بل سعوا إليها زاحفين.
وبذلك فإنّ واحداً من أبهى دروس التاريخ، ذاك الذي ينقل حرب الإبادة الإسرائيلية من قرى وبلدات ومدن ومشافي وملاجئ قطاع غزّة، إلى قلب صناديق الاقتراع في ميلوكي وماديسون وسائر أرجاء ولاية وسكونسن، وربما إلى أربع رياح الأرض في الولايات المتحدة وحيثما عبرت المحيطَ برامجُ المرشحين للكونغرس والولايات.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *