مصر… احتفال قومي بعيد ميلاد عادل إمام السادس والثمانين


لا يُمكن التشكيك في شعبية عادل إمام كفنان ونجم كبير استطاع أن يحتفظ بوجوده على القمة مُنفرداً طوال أربعين عاماً على الأقل، وهو الأثر الباقي له في وجدان الجماهير، والحافز القوي لوسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمكتوبة التي حولت عيد ميلاده لمُناسبة قومية، يتم الإعداد لها قبل موعدها السنوي في السابع والعشرين من مايو بعدة أسابيع.
منذ أيام أعلنت المحطات الفضائية التلفزيونية والإذاعية حالة الطوارئ، فأخذت في بث صور ومشاهد من أفلام ومسرحيات الفنان المُلقب بالزعيم، في تأكيد لاستحقاقه التاريخي للقب، الذي لم يُطلق على نجم آخر سواه، حيث يرتبط هذا الوصف عادة بالكبار والمؤثرين من الساسة ورؤساء الدول والوطنيين المُناضلين، كسعد زغلول ومصطفى كامل ومحمد فريد، وغيرهم ممن تضمنت كُتب التاريخ أسماءهم ومشروعاتهم الوطنية الكُبرى فصاروا أعلاماً تُدرس إنجازاتهم للأجيال جيلاً بعد جيل.
لكن في المسيرة الفنية كان الاستثناء لعادل إمام وحده دون غيره، ليس لأنه قام ببطولة مسرحية بهذا العنوان استمر عرضها طويلاً على خشبة المسرح، لكن لأن من حوله رأوا في إسهامه الإبداعي الفارق على مدى سنوات، ما يجعله مُستحقاً للقب الدال على القوة والمُثابرة والإرادة والتفوق، والدقة في اختيار الموضوعات والتوظيف الأمثل للأدوار.
ولو أردنا الربط بين حصيلة ما قدمه النجم إمام على مدى سنوات طوال والصدى الذي تحقق بالفعل، سنجد أن ثمة منطق ما يحكم هذه القضية الجدلية، التي يقف منها البعض موقف المُندهش، باعتبارها صيغة تبجيل مُبالغ فيها إزاء مسيرة فنان عادية لا تستأهل كل هذا الضجيج، بينما يرى الآخرون المؤيدون والمُحبون أن مشوار الفنان جدير بالاحترام والتقدير، لاسيما أنه ينطوي على محطات بالغة الأهمية تُمثل تحديات قصوى واجهها إمام بكل شجاعة ومسؤولية فتأهل بفضلها لمكانة خاصة في قلوب جماهيره العريضة المُمتدة من المحيط إلى الخليج، والعابرة للقارات فهي متجاوزة تأثيرها الجغرافي القريب إلى أقصى الحدود الإقليمية شمالاً وجنوباً، ومن ثم لا غرابة في أن يحصل صاحبها على لقب زعيم إسوة بالزعماء الوطنيين.
من بين محطات الفنان الكوميدي الاستثنائي، وقوفه في وجه العُنف والإرهاب أيام كان للوقوف والتصدي ضريبة يتم سدادها فوراً وفي الحال، فقد اقتحم في وقت ما أخطر البؤر الإرهابية في محافظة أسيوط في صعيد مصر، وأصر على عرض مسرحيته «الواد سيد الشغال» بشجاعة نادرة مُتحملاً مسؤولية العواقب المُحتملة والمتوقعة. كذلك كان جديراً بالارتقاء إلى درجة سفير النوايا الحسنة، إذ أسندت إليه مهام إنسانية بالغة الضرورة في متابعة قضايا اللاجئين ومشاكلهم، وهي الفترة التي تحدث عنها هو شخصياً باعتزاز شديد، واصفاً إياها بالمرحلة الأهم في حياته كداعم لحقوق الإنسان.
وليس من قبيل الصدفة أن يجمع الفنان عادل إمام بين النجومية في السينما والمسرح والتلفزيون، فيقدم مسرحاً جاداً مُشتبكاً مع قضايا المجتمع الأساسية وناقداً للعوار السياسي، فقد انتقد السياسة التعليمية في «مدرسة المُشاغبين» وهو لا يزال مشروع نجم صاعد مع مجموعة من زملائه الواعدين آنذاك، سعيد صالح وسهير البابلي ويونس شلبي وأحمد زكي وهادي الجيار.
كما قدم دورة الأبرز في مسرحية «شاهد ما شافش حاجة»، ثم «الواد سيد الشغال»، ثم «الزعيم»، ولم يصرفه المسرح عن السينما فهو نجمها الأعلى أجراً والأكثر مردوداً في شباك التذاكر، فأعماله السينمائية المُتميزة من الصعب إحصاؤها، فقط يُمكن الإشارة إلى نماذج منها كفيلم «المشبوه» وفيلم «الغول» و»حُب في الزنزانة» و»حتى لا يطير الدخان» و»طيور الظلام» و»الأفوكاتو» و»المنسي» و»اللعب مع الكبار» و»الإنسان يعيش مره واحدة» و»عمارة يعقوبيان»، وغيرها الكثير، فالسينما ساحة تألقه ومصدر شعبيت»ه واستمراره الطويل لأكثر من نصف قرن.
وأيضاً التلفزيون، كان لعادل إمام الفنان والنجم نصيب من الإسهام الدرامي المُتميز فيه، عبر أعمال حُفرت في الذاكرة، كـ»أحلام الفتى الطائر» للكاتب وحيد حامد والمخرج محمد فاضل، و»دموع في عيون وقحة» للكاتب صالح مرسي والمخرج يحيى العلمي، و»فرقة ناجي عطا الله» و»عفاريت عدلي علام» و»أستاذ ورئيس قسم»، ورغم التفاوت في المستوى الفني والإبداعي لمجموعة المُسلسلات الأخيرة، إلا أنها حملت اسم البطل فأصبحت علامات تجارية، تم تسويقها بفعل التأثير التراكمي له وصارت ضمن أرشيفه الدرامي المهم.
نعود إلى حالة الاحتفاء بالنجم الكبير والاحتفال بعيد ميلاده سنوياً ودورياً في مُعظم المحطات التلفزيونية والإذاعية الرسمية والخاصة، كنوع من رد الجميل للفنان الذي أمتع الملايين، ومنحهم الحُب كما منحوه الثقة.. عادل إمام أو الزعيم هو بالقطع حالة فنية وإبداعية نادرة واستثنائية لا تتكرر كثيراً في الوسط الفني، فالقبول منح إلهية والتأثير يأتي بالدأب والإخلاص في العمل والحرص على التميز، وإمام من هذا النوع، نذر حياته لفنه وعمل على تطوير نفسه ولم يقبل لإبداعه بديلاً فعاش في وجدان الناس، وما زال موجوداً، رغم اعتزاله وتواريه الشخصي عن الأضواء منذ سنوات.
لقد أصبح عادل إمام بعد مرور سنوات طويلة وقعوده عن العمل مُكتفياً بما قدمه، زاهداً في الشهرة والأضواء وعازفاً عن الظهور في المحافل والأماكن العامة، فهو الآن الأب والجد، يعيش حياة أسرية مُستقرة ويقضي مُعظم أوقاته مع أبنائه وأحفاده وبعض أصدقائه المُقربين وشقيقه عصام إمام، مستعرضاً شريط حياته ومتأملاً تفاصيل رحلته الطويلة الشاقة.

كاتب مصري



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *