مصافحة لا تنقل العدوى


تصعب اليوم استعادة تلك الأحداث، من دون أن تبدو الذاكرة وكأنها تبالغ في روايتها، إذ تعتبر مخلّفات جائحة كورونا غير متوقعة لظرف عاصف، فالعالم لم يتباطأ.. توقف دفعة واحدة، حتى بدت الشوارع فردوسا هادئا ليس لأحد حق المرور فيه إلا بامتياز اقتضته الضرورة، وغدا الاقتراب من الآخرين فعلا محفوفا بالخطر، وأصبح اليوم الجيد هو الذي ينتهي من دون أن يحمل فقدٍ آخر.
لقد كانت تجربة اجتماعية غير مسبوقة أعادت ترتيب العلاقة بين الإنسان والزمن، والإنسان ونفسه. لأول مرة منذ زمن طويل، وجد ملايين البشر أنفسهم محاصرين بالفراغ ولم يتبقَّ لهم سوى الوقت ذلك الشيء الذي كنا دائما نشكو من قلّته ..غير أن الوقت، حين يُفرض على الإنسان، يتحول من نعمة خالصة إلى مساحة واسعة يواجه فيها أسئلته المؤجلة، وقلقه، ووحدته، وكل ما كان يهرب من التفكير فيه. ومن قلب تلك الفوضى، وُلد «كلوب هاوس» (Clubhouse)لم يكن ظهوره حدثا تقنيا بقدر ما كان استجابة لحاجة إنسانية نشأت في توقيت استثنائي فقد كان ابن ظرف تاريخي نادر التقت فيه العزلة بالحاجة إلى الصوت. فالعالم حينها كان يبحث عن نافذة، والبشر الذين حُرموا من الحركة كانوا بحاجة إلى وسيلة تطمئنهم بأن الحياة لا تزال تتحرك في مكان ما. لكن القيمة الحقيقية لـ» كلوب هاوس « (Clubhouse) لم تكن في استخدامه، بل في طبيعة الوسيط نفسه. الصوت وسيط مختلف.
خففت الغرف الصوتية كثيرا من الأعباء التي التصقت بالتواصل في المنصات الأخرى. لا رسائل تنتظر الرد، ولا سجل مكالمات يحتفظ بما فات، كان الدخول إلى الغرفة يشبه الدخول للمقهى، والخروج منها يشبه مغادرة شارع مزدحم، من دون التفات، وربما لهذا السبب، بدا التواصل فيه أكثر خفة مما اعتاده الناس؛ فقد كان قائما على الحضور لا على الالتزام، وعلى المشاركة، دون المجاملة.

بعكس الكتابة التي تمنح صاحبها وقتا للمراجعة، وإعادة الصياغة، وحذف ما يشاء وإبقاء ما يريد. من خلالها يختار الكاتب صورته بعناية، و يعيد ترتيب انفعالاته قبل أن تصل للآخرين . أما الصوت، فينتزع هذه المسافة ليكشف التردد قبل أن تتحول الجملة إلى رأي، ويُظهر الثقة كما يُظهر الارتباك، ويجعل الصمت جزءا من الكلام، والنبرة جزءا من المعنى. ولهذا بدا انتقال الشخصيات من النص إلى الصوت اختبارا قاسيا، لم يعد التلقي يقتصر على الكلمات المكتوبة وحدها، بل بصاحبها أيضا؛ بطريقته في الإصغاء، وسعة صدره، وحدود معرفته، وقدرته على إدارة الحوار ومواجهة الاختلاف.
كان لقاء الهوية الرقمية بالصوتية لحظة كاشفة. تغيرت صور نمطية، وانهارت هالات وتصورات، وتبدلت انطباعات استقرت طويلا في أذهان الناس. فكم من شخصية بدت في الكتابة حادة ثم اكتشف الآخرون هدوءها، وكم من صورة أوحت بالاتزان وفضحها الانفعال حين أصبحت الأفكار تتفلت بدل أن تُدون. بدت الغرف الصوتية، على اختلاف موضوعاتها، أشبه بمجتمعات صغيرة تنمو أمام السامعين لحظة بلحظة. لكل غرفة لغتها الخاصة، وإيقاعها، وشخصياتها التي تتكرر حتى تفرض نفسها، ونكاتها الداخلية، وآدابها غير المكتوبة. ومع مرور الوقت، لم يعد الانتماء إلى هذه الغرف مرتبطا بموضوع النقاش وحده، بل بشعور الألفة الذي تولّد داخلها.

بين من انضم محمّلا بأثر علاقة جارحة، يحاول أن يخفي انكساره بخفّة ظل. ومن ابتلعته الغربة، فأصبح يبحث عن لهجة تشبه منزله أكثر من اهتمامه بخوض نقاش. ومن توقفت أعماله، وأصبح مستقبله معلقا بخبر في نشرة المساء. وآخرون وجدوا أنفسهم، للمرة الأولى، يقضون أياما طويلة مع أقرب الناس إليهم، ليدركوا أن القرب المستمر يكشف من الطباع ما كانت الحياة السريعة تؤجله. ثمة من يختبر صوته لأول مرة، ومن يجرب لذة الاختلاف، ومن يرى في كل نقاش معركة، ومن أدرك أن الكلام لديه يبدأ بضغطه زر، وأن الإصغاء مهارة لا تقل صعوبة عن الكلام ومن يعترض لمجرد الاعتراض، ومن وجد في التأييد هوية، ومن مارس بطولة الإنقاذ وهو غريق .المثير أن هذه الشخصيات المتباينة لم تكن تلغي بعضها بعضا، وإن حاولت بل كانت تتعايش داخل المساحة نفسها. المعارض، والمتشدد، والهادئ، والواشي، وصاحب النكتة والثرثار، في الغرفة ذاتها، كما يلتقي الطلاب في فصل واحد. يختلفون، ويتجادلون، ويتصالحون، ويضحكون، ثم يعتاد كل واحد منهم وجود الآخر .ومن المدهش أن كثيرا من العلاقات التي تشكلت آنذاك لم تبدأ بالسؤال التقليدي: من أنت؟ بل بدأت بسؤال غير معلن: هل تشبهني؟ كان التشابه في الحس، وفي طريقة التفكير، أو حتى في أسلوب الضحك والقلق ، كافيا. ربما لهذا السبب تبدو تلك المرحلة مختلفة عند استعادتها اليوم. لم يكن الناس يبحثون عن المعرفة وحدها، ولا عن الترفيه وحده، بل عن شعور بسيط أن التجربة لم تستنزف فينا كل ما كانت تلك المرحلة تخفيه.

«كلوب هاوس» أعاد تشكيل الذائقة السمعية نفسها، لم يعد الحكم على المتحدث قائما على فكرته وحدها، بل على طريقته في تقديمها؛ على إيقاع صوته، وقدرته على الإصغاء، وإدارته للاختلاف، واحترامه للدور، وبنائه للفكرة من دون استعجال. ولأول مرة، أصبح الحضور في الحوار مهارة مستقلة، لا مجرد امتداد لما يكتبه المرء في حساباته، امتد تأثير «كلوب هاوس» إلى تجارب انتقلت للبودكاست، فكثيرون مثّل لهم التطبيق مساحة تدريب جماعية على ثقافة الصوت، فاكتشفوا أن لديهم جمهورا ينتظر أصواتهم أكثر مما ينتظر منشوراتهم، وللمفارقة، لم يكن «كلوب هاوس» يصنع الشهرة بقدر ما كان يصنع الهوية، ولهذا اتجه بعض مرتاديه لاحقا إلى الإعلام، حاملين صورة تكوّنت أولا داخل تلك الغرف الصوتية. حين استعاد العالم انفاسه. وحلّقت الطائرات، وازدحمت الطرق، عادت للناس حيواتهم، في المقابل أخذ التطبيق يتهاوى؛ تغير الظرف الذي منحه معناه فبعض الظواهر لا تنتهي لأنها فشلت، وإنما لأنها أدت وظيفتها في لحظة محددة، ثم فقدت الضرورة التي شرعتها.
بعض التطبيقات يُقاس نجاحها بعدد مستخدميها، أما «كلوب هاوس» فيُقاس بالفراغ الذي تركه، وبالحقيقة التي أثبتها: أن العزلة قد تمنع اللقاء، لكنها لا تستطيع أن تُلغي حاجة الإنسان للإنسان، في لحظة كان فيها الصوت مصافحة لا تنقل العدوى .

كاتبة وفنانة تشكيلية من عُمان



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *