دمشق – “القدس العربي”: شهدت دمشق ومدن سورية أخرى، نشاطا لافتا لشركات صينية كبيرة كمقدمة للدخول إلى السوق المحلية كشركاء في عملية إعادة البناء وتوطين التكنولوجيا والصناعات المتطورة، وليس كتجار يرغبون بتسويق المنتجات.
وفي تصريح لـ”القدس العربي” أكد عضو مجلس الشعب ومستشار مجلس الأعمال المشترك بين الدولتين محمد الباكير أن انعقاد “الملتقى السوري الصيني للتنمية الاقتصادية” في دمشق بمشاركة 16 شركة صينية كبيرة، قد شكّل تحولاً استراتيجياً في مسار إعادة بناء الشراكات الدولية، مع التركّيز على ربط الإمكانات الفنية والصناعية الصينية بفرص الاستثمار الفعلية على الأرض، وتجاوز مشكلة “المقاتلين الإيغور” التي لم تكن وحدها السبب وراء تأخر وصول الاستثمارات الصينية إلى سوريا.
مشاريع ملموسة
واستقبل الرئيس السوري أحمد الشرع في قصر الشعب الثلاثاء وفد ممثلي الشركات والمجموعات الاقتصادية الصينية، المشارك في أعمال الملتقى السوري الصيني للتنمية الاقتصادية. وتركزت المباحثات التي جرت في قصر الشعب على تعزيز التعاون الاقتصادي وفرص الاستثمار، ولا سيما في مجالات الصناعة والإنشاءات ومشاريع إعادة الإعمار.
وبين الباكير أن الوفد الصيني الذي ضم ممثلين عن شركات من قطاعات البناء والهندسة والإنشاءات والمعدات الصناعية والاستثمار والتسويق ومشاريع إعادة الإعمار، عقد على مدار الأيام الثلاثة الماضية اجتماعات مباشرة مع الوزارات والجهات الحكومية وهيئة الاستثمار والصندوق السيادي والجهات المعنية بالمشاريع الاستثمارية، مع تنظيم زيارات ميدانية إلى عدد من المشاريع والمدن الصناعية في حمص وحماة وحلب.
وأوضح أن الهدف من الملتقى كان في عدم تكرار تجارب سابقة شهدت توقيع مذكرات تفاهم كثيرة (بمليارات الدولارات) دون أن تتحول إلى مشاريع ملموسة، مؤكدا أن معيار نجاح الملتقى لن يكون بعدد الاتفاقيات التي أُعلن عنها، وإنما بعدد المشاريع التي ستنتقل إلى مرحلة التعاقد والتنفيذ.
وتابع إن الملتقى أسس لمسار تعاون اقتصادي واستثماري، مشيرا لوجود قطاعات مرشحة للتعاون في المجال الصناعي والمدن الصناعية، عبر إقامة مشاريع مشتركة، وتطوير المدن الصناعية، واستقطاب الصناعات الصينية إلى سوريا، سواء من خلال إنشاء مصانع جديدة أو إعادة تأهيل منشآت قائمة.
بناء شبكة الاتصالات
واعتبر أن قطاع الاتصالات والتحول الرقمي واحد من القطاعات الاستراتيجية الذي يجب أن يحظى بأولوية في عملية إعادة الإعمار، والذي تمتلك الصين خبرات متقدمة جداً فيه سواء في شبكات الألياف الضوئية، أو تقنيات الجيلين الرابع والخامس، أو الاتصالات اللاسلكية، أو الأقمار الصناعية، أو مراكز البيانات والحوسبة السحابية، مشيرا إلى توفر إمكانية حقيقية للتعاون مع الشركات الصينية في إعادة تأهيل وتطوير البنية التحتية للاتصالات السورية.
قطاع الاتصالات والتحول الرقمي واحد من القطاعات الاستراتيجية الذي يجب أن يحظى بأولوية في عملية إعادة الإعمار
ولخص الباكير مسارات التعاون في هذا القطاع عبر تطوير الشبكة الوطنية من خلال تحديث البنية التحتية للألياف الضوئية ومراكز البيانات والبوابات الدولية، وتوسيع التغطية الريفية، ومن ثم التحول الرقمي من خلال بناء بنية تحتية تدعم الخدمات المصرفية الإلكترونية والدفع الرقمي والتجارة الإلكترونية والتعليم عن بعد والخدمات الحكومية الإلكترونية، مؤكدا أن هذه المجالات نبحث فيها عن شراكات استثمارية خلال المرحلة المقبلة، ومشددا على ضرورة مراعاة مسألة الأمن السيبراني وحماية البيانات والسيادة الرقمية السورية، وأن تكون القرارات التقنية مبنية على معايير وطنية واضحة، دون الارتهان لمصدر واحد.
“الحزام والطريق”
وبين أن سوريا التي كانت قد انضمت رسمياً إلى مبادرة الحزام والطريق الصينية عام 2022، بعد توقيع مذكرة تفاهم للتعاون في إطار المبادرة، لم تستفد بشكل واضح من هذه المبادرة موضحا أن ما شهدته سوريا خلال السنوات الماضية، من حرب ودمار نتيجة إجرام النظام البائد بحق الشعب السوري، وعقوبات وعزلة اقتصادية وعدم استقرار سياسي وأمني، حدّت من إمكانية تحويل هذا الانضمام إلى مشاريع استثمارية فعلية
وقال إن مبادرة الحزام والطريق يمكن أن تشكل اليوم إطاراً استراتيجياً مهماً للتعاون في مجالات تطوير الموانئ والمنافذ والمناطق اللوجستية، وتحديث شبكة الطرق والسكك الحديدية وربطها بالممرات التجارية الإقليمية، وإقامة المدن الصناعية والمجمعات الإنتاجية، وتطوير قطاع الطاقة والكهرباء، والاستثمار في الزراعة والأمن الغذائي وإدارة الموارد المائية، إلى جانب تطوير البنية التحتية الرقمية والاتصالات.
وتابع: أن المرحلة المقبلة يجب أن تشهد انتقالاً من مجرد الانضمام السياسي والاقتصادي إلى المبادرة إلى وضع برنامج تنفيذي سوري صيني، يحدد المشاريع ذات الأولوية، والجهات المسؤولة، وآليات التمويل والجداول الزمنية، مشددا على أن لا تكون سوريا مجرد ممر تجاري بين الشرق والغرب، بل نريدها أن تكون شريكاً اقتصادياً منتجاً، يمتلك مصانع وموانئ ومراكز لوجستية وقاعدة صناعية قادرة على المنافسة.
توطين التكنولوجيا
وذكر الباكير بأن سوريا يجب ألا تعتمد في إعادة الإعمار على الوسائل التقليدية التي كانت سائدة قبل الحرب، بل يجب إعادة بناء الاقتصاد على أسس حديثة، تعتمد على التكنولوجيا والإنتاج والمعرفة والابتكار، ويمكن أن تكون الصين إحدى الشراكات الاستراتيجية التي تساعدنا على تحقيق هذا التحول، على اعتبار أنها أصبحت من الدول الرائدة عالمياً في مجالات الذكاء الاصطناعي والروبوتات والأتمتة الصناعية والطاقة المتجددة والتكنولوجيا الزراعية والصناعات الإلكترونية والاتصالات.
يمكن العمل على إقامة مصانع للألواح الشمسية والبطاريات وأنظمة تخزين الطاقة، إضافة إلى مشاريع مشتركة لتطوير شبكات الكهرباء
وقال نطمح إلى تطوير نموذج جديد للمدن الصناعية السورية، فلا تكون مجرد تجمعات للمعامل والمستودعات، وإنما منظومات إنتاجية متكاملة تضم البنية التحتية الحديثة والطاقة والخدمات اللوجستية ومراكز التدريب والبحث والتطوير، وأن تتضمن مصانع مشتركة سورية صينية.
وبين الباكير أنه في مجال التكنولوجيا الزراعية يمكن الاستفادة من التجربة الصينية في الزراعة الذكية والري الحديث والزراعة الدقيقة واستخدام الذكاء الاصطناعي والاستشعار عن بعد والطائرات المسيرة لمراقبة المحاصيل وإدارة الموارد المائية.
وأكد أنه يمكن العمل على إقامة مصانع للألواح الشمسية والبطاريات وأنظمة تخزين الطاقة، إضافة إلى مشاريع مشتركة لتطوير شبكات الكهرباء والطاقة النظيفة، مشددا على وجود فرص أيضا في الصناعات الدوائية والكيميائية والهندسية ومكونات الطاقة الكهربائية والإلكترونيات، مع التأكيد على ألا تقتصر الشراكة على استيراد الآلات والخطوط الإنتاجية، بل يجب أن تتضمن إنشاء مراكز تدريب وتأهيل ونقل المعرفة، وربط الجامعات السورية بالمؤسسات البحثية والشركات الصينية. وأردف: نريد الانتقال من نموذج استيراد التكنولوجيا إلى نموذج امتلاك التكنولوجيا وتوطينها وإنتاجها داخل سوريا.
المنازل الرخيصة
وبين الباكير أن إعادة الإعمار في سوريا ليست مجرد فرصة استثمارية عقارية، وإنما هي مسؤولية وطنية واقتصادية واجتماعية، وقال لدينا ملايين السوريين الذين تضررت منازلهم أو فقدوا مساكنهم خلال سنوات الحرب، وملف الإسكان يجب ألا يُنظر إليه باعتباره قطاعاً استثمارياً ربحياً فقط، بل باعتباره أحد أهم ملفات التعافي والاستقرار الاجتماعي.
وأكد أنه يجب إعادة تأهيل المناطق السكنية المتضررة عبر مشاريع مشتركة لإعادة بناء الأحياء المتضررة وتأهيل البنية التحتية وشبكات الخدمات، مع مراعاة حقوق السكان والملكية العقارية، على أن توجه المشاريع السكنية للشرائح المتوسطة ومحدودة الدخل، عبر اعتماد نماذج مثل الشراكة بين القطاعين العام والخاص، وتوفير الأراضي والبنية التحتية وفق ضوابط واضحة، وإقرار برامج تمويل إسكان مناسبة، وتشجيع استخدام تقنيات البناء منخفضة التكلفة، معتبرا أن نجاح إعادة الإعمار لا يُقاس بعدد الأبراج والمجمعات الفاخرة التي تُبنى، بل بعدد الأسر السورية التي تتمكن من العودة إلى منازلها والحصول على سكن كريم وبأسعار تستطيع تحملها.
مطالب تشريعية
وبيّن عضو مجلس الشعب أن السلطة التشريعية عليها مسؤولية أساسية في تهيئة البيئة القانونية والتشريعية التي تسمح بجذب الاستثمارات سواء كانت صينية أو عربية أو أوروبية، فهؤلاء يحتاجون قبل كل شيء إلى وضوح القوانين واستقرارها، وضمان حقوقهم، وسهولة الإجراءات، ووجود قضاء مستقل قادر على حماية العقود وتسوية النزاعات، مؤكدا أن المشكلة التي تواجهها سوريا اليوم ليست فقط في نقص رؤوس الأموال، وإنما أيضاً في تراكمات تشريعية وإدارية وبيروقراطية ورثناها عن النظام السابق، جعلت الاستثمار في كثير من الأحيان، عملية معقدة وطويلة وغير واضحة.
السلطة التشريعية عليها مسؤولية أساسية في تهيئة البيئة القانونية والتشريعية التي تسمح بجذب الاستثمارات سواء كانت صينية أو عربية أو أوروبية
والباكير، وهو عضو في لجنة الاستثمار واعادة الإعمار داخل مجلس الشعب، تحدث عن مجموعة أولويات يجب العمل عليها تحت قبة المجلس في مقدمتها مراجعة وتحديث قانون الاستثمار بحيث يوفر بيئة تنافسية، ويضمن المساواة ويحدد حقوق الدولة والمستثمر والتزامات كل طرف، مع تبسيط الإجراءات الإدارية، لأنه ليس من المقبول أن ينتظر المستثمر أشهراً للحصول على موافقات إدارية يمكن إنجازها خلال أيام، مشددا على ضمان حقوق الملكية والعقود وبما يشمل حماية الملكية الخاصة، وضمان تنفيذ العقود، وتوفير آليات عادلة وسريعة للتحكيم وتسوية المنازعات الاستثمارية.
وشدد على ضرورة تطوير التشريعات المالية والمصرفية، وقال لا يمكن جذب استثمارات كبيرة دون نظام مصرفي قادر على إجراء التحويلات المالية، وتمويل المشاريع، وتوفير أدوات مصرفية حديثة، وضمان الامتثال للمعايير الدولية.
المقاتلين الإيغور
ورفض الباكير اعتبار مشكلة المقاتلين الإيغور، الذي شاركوا في إسقاط النظام السابق، هي السبب وراء تأخر تدفق الاستثمارات الصينية إلى سوريا.
وقال: بعيداً عن المبالغة أو التبسيط في التعامل مع هذا الملف الحساس فإنه من الخطأ اختزال أسباب تأخر الاستثمارات الصينية في سوريا بهذا الملف وحده.
الطريق الصحيح هو بناء الثقة بين دمشق وبكين، عبر حوار مؤسسي، واحترام سيادة سوريا
وأشار إلى وجود عوامل أخرى لا تقل أهمية، منها سنوات الحرب، والعقوبات الاقتصادية الدولية سابقا والمخاطر المصرفية، وصعوبة التحويلات المالية نتيجة العقوبات الاقتصادية وعدم استقرار البيئة الاستثمارية بشكل نسبي، وغياب الضمانات الكافية للمشاريع طويلة الأجل نتيجة الحرب التي قام بها النظام البائد ضد الشعب السوري خلال أربعة عشر عاما، مؤكدا أن هذا كله انتهى برفع العقوبات عن سوريا، وأنه باتت هناك اليوم تغيرات مهمة في العلاقات السورية الصينية التي تشهد انفتاحاً متبادلاً على الحوار والتعاون الاقتصادي والسياسي.
وأشار إلى أن الطريق الصحيح هو بناء الثقة بين دمشق وبكين، عبر حوار مؤسسي، واحترام سيادة سوريا، والتعاون في مكافحة الإرهاب، ومنع استخدام الأراضي السورية للإضرار بأمن أي دولة أخرى، مع احترام القانون وحقوق الأفراد، مشددا على أن العلاقات السورية الصينية تتجه نحو مرحلة أكثر انفتاحاً، وأن دمشق تريد بناء علاقات استراتيجية مع الصين، ونؤكد أن أمن سوريا واستقرارها ومصالحها الوطنية لا تتعارض مع بناء علاقات صداقة وتعاون مع الدول الأخرى، بل إن سوريا المستقرة والقوية هي شريك اقتصادي وسياسي أفضل لجميع أصدقائها.