دمشق – “القدس العربي”: أثارت مقاطع مصوّرة نشرت فجر الخميس، توثق عمليات تعذيب لمعتقلين سوريين داخل منشآت طبية، موجة غضب واسعة على مواقع التواصل الاجتماعي، وسط تضارب في الروايات حول توقيتها، وبينما رجح ناشطون ارتباطها بمستشفى تشرين العسكري في دمشق، أفادت مصادر إعلامية بأنها تعود لسنوات سابقة وليست تسريبات حديثة.
وحسب ما تم تداوله، نشرت صفحة تحمل اسم “ملفات مسربة” هذه المقاطع، التي تظهر عمليات تعذيب قاسية طالت معتقلين سوريين، على أيدي عناصر تتبع لقوات نظام الأسد المخلوع.
وتضمنت المقاطع، التي انتشرت بشكل واسع بين ناشطين ورواد مواقع التواصل الاجتماعي، مشاهد صادمة لسبعة معتقلين مقيدين على أسرة داخل غرفة في منشأة طبية، ويظهر في أحد المقاطع معتقل مقيد في وضعية الجلوس، وقد غطي رأسه وعيناه، فيما بدت على ساقه ضمادة بيضاء. كما يظهر معتقل آخر ممدداً على ظهره، وقد قيدت يداه إلى قضبان السرير أعلى رأسه، بينما بدا وجهه مكشوفاً عندما صرخ من شدة التعذيب، في وقت قام فيه أحد الجنود برفع قدمه والدوس على بطنه.
مشاهد صادمة لسبعة معتقلين مقيدين على أسرة داخل غرفة في منشأة طبية، ويظهر في أحد المقاطع معتقل مقيد في وضعية الجلوس
وفي مشهد آخر، يسمع أحد المجندين وهو ينادي على معتقل باسم “عضمة”، وما إن يرفع رأسه وهو مقيد في السرير، حتى ينهال عليه بالضرب والشتائم. كما تظهر لقطات من مقطع مرئي آخر إجراء طبيب عملية جراحية في الرأس لمعتقل، بحضور عدد من الضباط والمجندين الذين كانوا يتحدثون عن كونه مطلوباً للجهات الأمنية، فيما كان أحدهم يتجول داخل غرفة العمليات ويصوّر وجوه الضباط والأطباء، دون الالتزام ببروتوكولات العمل الطبي أو مراعاة خصوصية المكان.
في المقابل، أفاد موقع “زمان الوصل” بأن المقاطع المتداولة ليست حديثة، بل تعود إلى الفترة ما بين عامي 2011 و2013، وقد نُشر بعضها سابقاً منذ سنوات، كما أشار إلى أن بعض هذه المواد لم يتم التحقق من تصوريها في مستشفى تشرين العسكري.
وأثارت هذه المقاطع موجة غضب واسعة وتفاعلاً كبيراً، حيث عبر الناشط عمر الإبراهيم الياسين عن صدمته، معتبراً أن ما ظهر يعكس واقعاً قاسياً عاشته سوريا، مشيراً إلى أن التعذيب في مستشفى تشرين العسكري – في حال ثبوت صحة نسب المقاطع إليه – لا يقل دموية عن سجن صيدنايا.
ياسين: هناك وحوش بشرية كانت تمارس جرائمها داخل مكان يفترض أن يكون للطب والعلاج
وأضاف ياسين: “المقاطع المنسوبة إلى مستشفى تشرين العسكري كشفت حقيقة لا يمكن تبريرها ولا التخفيف منها، هناك وحوش بشرية كانت تمارس جرائمها داخل مكان يفترض أن يكون للطب والعلاج فإذا به يتحول إلى مركز انتزاع أرواح، والذين ظهروا في المقاطع ليسوا موظفين ولا أطباء، هؤلاء مجرمون مارسوا أفعالاً لا يقوم بها إلا من انقطع من قلبه آخر خيط من الإنسانية”.
واعتبر الناشط أن “الواجب القانوني والأخلاقي يفرض اعتقال كل من عمل داخل تلك الأروقة، عسكري طبيب ممرض مستخدم، لا يوجد بريء في مكان ترتكب فيه جريمة بهذا الحجم، وكل من شارك وكل من وقف وكل من سكت هو شريك مباشر في الجريمة”.
سوريا مسرح للتعذيب
الإعلامي محمد منصور علق عبر صفحته الشخصية يقول: “الصور المسربة من مستشفى تشرين العسكري تظهر أن سوريا التي حكمها الأسد وطائفته الأسدية كانت مسرحاً مفتوحاً لتعذيب البشر وسحق كرامتهم”.
وتابع: “التعذيب لا يمارس في السجون وأقبية المخابرات فقط، بل في المشافي والمدارس والملاعب وفي المطارات وحتى في الشوارع وأمام أعين المارة، حيث من السهل سحل الناس في الطرقات دون خشية من أي قانون. وهذا التعذيب ليس حكراً على الجلادين المتفرغين والسجانين ومحققي وعناصر الأمن، بل يشارك به أطباء وممرضون ومدرسون ومصورون ومذيعون من أبناء الطائفة، ويبرره مثقفون وفنانون وممثلون ومخرجون من أبناء الطائفة وغيرهم من السفلة”.
الإعلامية ألمى راجح اعتبرت أن “التسريبات المتعلقة بمستشفى تشرين العسكري ليست سوى غيض من فيض”.
وأضافت أنه في عام 2012 تواصل معها صديق كان طالب طب ويخضع لتدريبه العملي في مستشفى تشرين العسكري، مشيرة إلى أنه كان في حالة نفسية منهارة تقريباً، وكان بحاجة للحديث عمّا يشاهده من فظائع داخل المستشفى، ومحاولة تفريغ ما يشعر به من ألم.
حقن بإبر الهواء
وأوضحت أنه تحدث آنذاك عن الانتهاكات التي كان يشهدها بشكل يومي، حيث كانت الأفرع الأمنية تنقل المعتقلين إلى المستشفى وهم في حالة شبه متهالكة نتيجة التعذيب، لافتة إلى أن بعض الأطباء والممرضين كانوا يتناوبون على ضرب وتعذيب المعتقلين الذين تعرّض بعضهم لحقن بما يعرف بـ”إبر الهواء”.
راجح: بعض الأطباء والممرضين كانوا يتناوبون على ضرب وتعذيب المعتقلين الذين تعرّض بعضهم لحقن بما يعرف بـ”إبر الهواء”
وبيّنت أن بعض الضباط كانوا يطلبون من الطالب معالجة المعتقلين، ليس بدافع إنساني، بل لإبقائهم على قيد الحياة تمهيداً لإعادتهم إلى الأفرع الأمنية لاستكمال تعذيبهم، مشيرة إلى أنه كان يمنع على الأطباء التحدث مع أي معتقل أو طرح أي أسئلة عليه، في ظل وجود عناصر تراقب كل تحركاتهم.
وأضافت أن من أكثر ما أثر فيه حديثه عن طفل معتقل كانت تبدو عليه آثار تعذيب شديدة، حيث طلب منه علاجه فقط لضمان بقائه حياً. كما تحدث عن وجود جثث كان يتم إلقاؤها في دورات المياه، وإجبار الآخرين على استخدامها فوق جثامين الضحايا. وتابعت أن الانتهاكات لم تتوقف حتى بعد الوفاة، إذ كان بعض أفراد الكادر الطبي، حسب روايته، يتعاملون مع الجثث بطريقة مهينة، حيث كانوا يلقونها أرضاً بعنف، ما يؤدي إلى سماع صوت تكسر العظام، مشيرة إلى أن بعض أهالي قتلى جيش النظام الذين حضروا لاستلام جثامين أبنائهم شاركوا في هذه الممارسات.
ليست صادمة ولا مفاجئة
الكاتب والشاعر حسين جنيد رأى أن المقاطع ليست صادمة، حيث قال: “المقاطع القاسية المسرّبة ليست مُفاجِئة ولا مفاجَأة، وُلدت الثورة لتوقف هذا الظلم الذي استتر حيناً في أقبية الأسد وعملائه، ثم ظهر وانكشف بالكاميرات والوثائق في أحيان أخرى”. وأضاف: “الثورة أسقطت طغمة سياسية حاكمة، المطلوب هو تحقيق العدالة في كلّ المجرمين وملاحقتهم ومحاكمتهم، وتأسيس نظام قائم على القانون والدستور الذي يضمن الكرامة الإنسانية”.