الجزائر ـ “القدس العربي”: نزل مشروع تعديل قانون العقوبات المتضمن توسيع عقوبة الإعدام في الجزائر إلى الغرفة الأولى للبرلمان لغرض المناقشة والمصادقة عليه، وذلك تنفيذا لقرار الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون العودة إلى تطبيق عقوبة الإعدام في جرائم اختطاف الأطفال والحرائق، بعد أن كانت هذه العقوبة مجمدة منذ أكثر من ثلاثين سنة.
ويقترح مشروع القانون المعدل والمتمم للأمر رقم 66-156 المتضمن قانون العقوبات الذي حصلت “القدس العربي” على نسخة منه، إقرار عقوبة الإعدام في عدد من جرائم الحرائق العمدية، إلى جانب جرائم اختطاف الأطفال وتعذيبهم أو الاعتداء عليهم جنسيا أو التنكيل بهم، مع حرمان المدانين بهذه الأفعال من الاستفادة من الظروف المخففة المنصوص عليها في قانون العقوبات.
وبخصوص حماية الأطفال، تقترح المادة 2 من المشروع تتميم قانون العقوبات بالمادة 291، التي تنص على أن “يعاقب بالإعدام كل من يخطف طفلا بأي وسيلة كانت و/أو يقوم بتعذيبه و/أو الاعتداء عليه جنسيا و/أو ينكل به، بغض النظر عن أي عقوبات أخرى مخالفة منصوص عليها في التشريع الساري المفعول”.
وتنص المادة نفسها على عدم استفادة الشخص المدان بارتكاب أحد الأفعال المجرمة بموجبها من “الظروف المخففة المنصوص عليها في هذا القانون”.
وفي مجال الحرائق، يقترح المشروع استحداث المادة 395 مكرر، التي تنص على عقوبة الإعدام لكل من “وضع النار عمدا في غابات أو حقول مزروعة أو غير مزروعة أو أشجار أو مقاطع أشجار أو أخشاب موضوعة في أكوام وعلى هيئة مكعبات متواجدة داخل الغابات”.
كما يقترح المشروع استحداث ثلاث مواد جديدة ضمن الأحكام المتعلقة بالحرائق، هي المواد 396 مكرر 1 و396 مكرر 2 و396 مكرر 3.
وبموجب المادة 396 مكرر 1، يعاقب بالإعدام كل من وضع النار عمدا في أية أملاك، سواء كانت عمومية أو خاصة، إذا تم ذلك “بإيعاز أو لصالح دولة أجنبية أو طرف أجنبي”، أو في إطار جرائم الخيانة والتخابر مع دولة أجنبية، أو في إطار جماعة إجرامية منظمة.
وتشمل العقوبة ذاتها، وفقا للمشروع، حالات يكون فيها إضرام النار مستهدفا “الأمن والنظام العموميين، الوحدة الوطنية، استقرار المؤسسات وسيرها العادي، الاقتصاد الوطني”، أو يهدف إلى الإضرار “بالبيئة أو بالتوازن البيئي أو بالثروة الغابية أو النباتية أو الحيوانية أو الزراعية”.
ويمد المشروع نطاق عقوبة الإعدام إلى المحرضين والمساهمين والممولين والمدبرين، حيث تنص المادة 396 مكرر 2 على معاقبة كل من “يحرض على ارتكاب الأفعال المذكورة في المادتين 395 مكرر و396 مكرر 1 من هذا القانون أو يشجعها أو يمولها أو يقوم بتدبيرها أو يساهم في ارتكابها أو الإعداد لها أو تسهيلها بأي وسيلة كانت”.
وتشمل هذه الوسائل، حسب نص المشروع، “وسائل تكنولوجيات الإعلام والاتصال ومواقع التواصل الاجتماعي”.
كما تنص المادة 396 مكرر 3 على عدم استفادة الشخص المدان بارتكاب أحد الأفعال المجرمة في المواد 395 مكرر و396 مكرر 1 و396 مكرر 2 من الظروف المخففة المنصوص عليها في قانون العقوبات.
وبالتوازي مع ذلك، يقترح المشروع تعديل المادة 396، مع الإبقاء على باقي أحكامها دون تغيير، بحيث يعاقب بالحبس من عشر سنوات إلى عشرين سنة كل من وضع النار عمدا في بعض الأملاك المحددة في المادة إذا لم تكن مملوكة له، ومن بينها المحاصيل القائمة والقش والأعشاب والمحاصيل الموضوعة في أكوام أو في رزم.
وفي تكملة لهذه النصوص، يقترح المشروع تعديل المادة 399، لتصبح عقوبة الإعدام سارية في جميع الحالات المنصوص عليها في المواد 395 و396 و396 مكرر و397 و398، إذا “أدى الحريق العمدي إلى وفاة شخص أو عدة أشخاص”.
وبررت وزارة العدل التي أعدت المشروع تشديد العقوبات المتعلقة بالحرائق بما قالت إنه تحول في الأساليب المتبعة في ارتكاب هذه الجرائم، خاصة تلك المتعلقة بالغابات، معتبرة أن آثارها لم تعد تقتصر على تخريب الأملاك والأموال العامة والخاصة، وإنما تمتد، وفق عرض الأسباب، إلى الأرواح البشرية والغطاء النباتي والتوازن البيئي والتنوع البيولوجي والاقتصاد الوطني.
وأشار عرض الأسباب إلى أن استهداف المقومات البيئية والاقتصادية للبلاد عبر إضرام الحرائق عمدا، “الذي يتم بإيعاز أجنبي أحيانا”، يمثل، بحسب صياغة المشروع، “صورة صريحة لجرائم الخيانة والمساس بحرمة التراب الوطني”. كما أشار إلى استغلال الظروف المناخية وتوظيف وسائل متطورة لإحداث أضرار جسيمة.
ويقول المشروع إن تشديد العقوبات المقترح يجسد “الإرادة السياسية الصارمة للسلطات العليا في البلاد” للتصدي لهذه الجرائم، وتحقيق الردع العام والخاص وحماية البلاد من هذا النوع من الإجرام.
ويأتي مشروع قانون العقوبات الذي نزل للبرلمان للمناقشة في ظل حالة جدل حول العودة لتطبيق حكم الإعدام، بين قوى سياسية وحقوقية ترى في العقوبة القصوى وسيلة للردع ومواجهة الجرائم الخطيرة، وأخرى ترفض تنفيذها وتتمسك بموقفها الرافض للعقوبة لأسباب حقوقية وقانونية.
وتزامن طرح المشروع مع مباشرة النيابة إجراءات قضائية ضد مشتبه في تورطهم في إضرام حرائق عمدا، في سياق موجة غير مسبوقة من الحرائق شهدتها الجزائر خلال صيف 2026، وخلفت قتلى وجرحى وخسائر في الغابات والممتلكات والثروة الحيوانية.
وضمن هذا النقاش، أعلن رئيس جبهة العدالة والتنمية ذات التوجه الإسلامي عبد الله جاب الله دعمه لتفعيل عقوبة الإعدام، وهاجم المناهضين لها، واعتبر في تدوينة له أن دفاعهم عن حقوق المتهمين على حساب حقوق الضحايا والمجتمع يعكس، بحسب موقفه، رفضا لأحكام الشريعة، واصفا الرافضين للعقوبة بـ”أعداء الشريعة”.
في المقابل، أعلنت أحزاب وشخصيات سياسية وحقوقية رفضها العودة إلى تنفيذ الإعدام، من بينها جيل جديد، وجبهة القوى الاشتراكية، والتجمع من أجل الثقافة والديمقراطية، وحزب العمال، إلى جانب ناشطين حقوقيين. ودعت هذه المواقف إلى معالجة أسباب الحرائق ومحاسبة المسؤولين عنها، مع التمسك بعدم تنفيذ أحكام الإعدام.
كما أيدت أحزاب أخرى التوجه نحو تفعيل العقوبة، بينها جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي، إلى جانب أحزاب إسلامية، معتبرة أن طبيعة العقوبة ينبغي أن تتناسب مع خطورة الجرائم المرتكبة.
ودخلت منظمة العفو الدولية على خط النقاش، معربة عن رفضها لأي توجه لاستئناف تنفيذ أحكام الإعدام أو توسيع نطاق تطبيقها، معتبرة أن ذلك يتعارض مع الحق في الحياة والتزامات الجزائر الدولية، فيما تتمسك المنظمة بموقفها الرافض للعقوبة في جميع الحالات.
وبالتوازي مع النقاش السياسي والتشريعي، باشرت النيابة متابعة عدد من المشتبه في تورطهم في حرائق الغابات. فقد أعلنت نيابة الجمهورية لدى القطب الجزائي الوطني لمكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة بمحكمة سيدي أمحمد إيداع أشخاص الحبس المؤقت في قضايا تتعلق بإضرام النار عمدا في ولايات من بينها تيزي وزو، سطيف وجيجل.
ووجهت إلى عدد من المشتبه فيهم تهم تتعلق بأفعال تخريبية تستهدف تعريض حياة الأشخاص وأمنهم وممتلكاتهم للخطر، ووضع النار عمدا في الأملاك الغابية للدولة، وذلك في انتظار استكمال التحقيقات والفصل القضائي في هذه القضايا.