مثلما اهتم المسؤولون بتجميل منطقة وسط العاصمة وبدءوا بالفعل في عمل الصيانة اللازمة للعمارات الكائنة في الميادين الرئيسية بالقاهرة، وظهرت بوادر المرحلة الأولى للتجميل بشكل مُلفت في ميدان طلعت حرب وميدان مصطفى كامل وميدان محمد فريد ومنطقة قصر النيل وغيرها من المناطق السياحية، جاءت المرحلة الثانية من المشروع مختلفة نوعاً ما عن فكرة التجميل والاهتمام بالعمارة، حيث تفتقت الأذهان عن مشروع آخر يهدف إلى تنظيم الحركة المرورية داخل المدينة المكتظة بالسكان والتي تستقبل يومياً ملايين البشر من مُختلف الأقاليم والجهات الداخلية والخارجية.
هذا المشروع تضمن فكرة مثالية لو لم يتم إفشالها بالإجراءات الروتينية والإهمال، لصارت من أنجع وأنجح الأفكار الساعية إلى حل الأزمة المرورية بسهولة ويسر، وبدون الحاجة إلى نفقات زائدة وتخطيط عميق يستنزف الوقت والجهد.
الفكرة ببساطة كانت قائمة على تخصيص عدد كبير من الدراجات للاستخدام الشخصي والتنقل داخل القاهرة عن طريق الاستئجار لوقت مُحدد أو طوال اليوم بحسب الحاجة ورغبة الشخص المؤهل لقيادة الدراجة من الشباب أو الصبية أو حتى الكبار.
ولم يكن المُقابل يزيد على خمسة جنيهات خلال الساعة الواحدة، وذلك لتحقيق الاستفادة من الدراجة كوسيلة نقل سريعة ومُتاحة للمسافات القصيرة، وبدون آثار جانبية للتلوث البيئي ومخلفات الحرق البترولي من بنزين أو سولار، فالدراجة تعتمد في السير على الحركة الذاتية بفعل طاقة قائدها وقدرته على تشغيلها بالطريقة المُعتادة المُتعارف عليها، وهي لا تحتاج لمهارات خاصة خارقة، أو أوراق اعتماد من هيئة المرور كرخصة القيادة ولوحات معدنية وخلافه.
وللتذكير بمشروع قديم مُماثل كان قائماً بمدينة الإسكندرية قبل نحو 50 عاماً تقريباً واستمر بنجاح لفترة طويلة، إلى أن زاد الإقبال على شراء الدراجات البخارية «الموتوسيكلات» كبديل يتسم بالسرعة والإنجاز برغم أنه الأكثر خطورة من الدراجة العادية غير المُكلفة، كانت الدراجات في تلك الفترة تحمل لوحات معدنية مُرخصة من مرور الإسكندرية لزوم الأمان وسهولة حصر الأعداد.
كما كان من شروط استخدامها أيضاً تعليق لمبة حمراء تُضاء في الليل عن طريق الدينامو الذي يعمل بقوة التوليد الذاتي للكهرباء ويرتبط بسرعة حركة الدراجة أثناء السير.
وفي حالات أخرى يتم الاستعاضة عن الدينامو بقطعة من الزجاج الفسفوري تُضيء تلقائياً وتظهر للقادم من الخلف لمنع التصادم وتجنب الحوادث لاسيما أن الدراجة لا تشغل حيزاً كبيراً على الطريق ويصعب تمييزها بين وسائل المواصلات الأخرى إذ لم تكن هناك أنوار وإضاءة كافية في الشوارع والطُرقات.
تيسير الحركة في شوارع القاهرة
وقياساً على هذا المشروع القديم الذي كان قائماً في مدينة الإسكندرية قبل سنوات طويلة كما أسلفنا، جاء التفكير في تخصيص دراجات خفيفة الوزن وسهلة الاستعمال لتيسير الحركة داخل ميادين وشوارع القاهرة، يتم الحصول عليها من المُتعهدين بإدارة المشروع والقائمين عليه بشكل مُباشر بمجرد إبراز بطاقة الرقم القومي للمندوب واحتفاظه بصورة منها لضمان عودة الدراجة ومعرفة الشخص المُستخدم لها وعنوانه ومحل إقامته ووظيفته، وكلها إجراءات روتينية لا تستدعي القلق أو الحذر أو الخوف وإن كانت قللت نسبياً عدد المُستخدمين.
وقد استمر المشروع بالفعل ونجح نجاحاً ملحوظاً لمدة عام، لكنه سرعان ما توقف لأسباب غير معلومة على وجه التحديد، ربما لعدم المواظبة على صيانة الدراجات بشكل دوري أو إهمال المُستخدمين المُفرط في التعامل معها، أو حدوث حالات سطو أو عدم وجود بيانات دقيقة عن بعض المُستأجرين، كل هذه الاحتمالات واردة أن تكون هي السبب في فشل المشروع الطموح المُنظم لحركة السير والمرور داخل العاصمة القاهرة برغم حيويته وأهميته القصوى.
لقد نسي الذين أهملوا وقصروا في متابعة المشروع الحضاري أنه كان بالإمكان لو تم الحفاظ على آلية التطبيق كما بدأت في شهورها الأولى، أن يتم القضاء على حالات الاستغلال لبعض قادة سيارات الأجرة والتاكسي والحد من مبالغتهم في تحديد سعر رحلات الانتقال السريع في المشاوير القريبة بالنسبة للأفراد، فضلاً عن سرعة الإنجاز وحرية الحركة وتوفير التكلفة وتجنب الزحام والفوضى والتأخير.
كل هذه مزايا افتقدها المواطن المصري بتعطيل مشروع الدراجات والتدليل على بيعها بأسعار أقل من قيمتها وثمنها الأصلي بكثير، علماً بأن الفرصة لا تزال مُتاحة لإعادة التشغيل وتطوير المشروع واستثماره استثماراً أمثل يخدم المُستخدمين من الأفراد ويعود على جهة التسويق والتنظيم بالنفع العام لو افترضنا فعلياً وجود نية حقيقية لتقديم خدمة مُجتمعية لمن يحتاجون لوسيلة مواصلات سريعة وسهلة وغير مُكلفة، ولا يوجد مانع من تزويد الدراجات بتقنية إلكترونية «جي بي إس» للمتابعة والمراقبة وضمان السلامة ومنع حوادث السرقة إذا كانت هناك شكوك تساور أصحاب المشروع حول سوء استغلال البعض للدراجات والطمع في امتلاكها بطُرق غير مشروعة.
كما أن هناك مُقترحا آخر ينطوي على عرض كميات وفيرة من الدراجات بذات المواصفات من حيث المتانة والقوة والعُمر الافتراضي لكل دراجة وطرحها بالأسواق بأسعار مُخفضة لمن يرغب في الشراء بديلاً عن الاستئجار المؤقت، وبهذا تكون مشكلة التكدس والفوضى المرورية قد وجدت طريقها للحل بعيداً عن الخُطط الإستراتيجية ودراسات الجدوى المطولة.