البصرة / عمار عبد الخالق
تواجه محافظة البصرة ملفاً متراكماً من المشاريع المتلكئة والمتوقفة، بعضها وصل إلى نسب إنجاز متقدمة من دون أن يدخل الخدمة، بالتزامن مع حديث الحكومة المحلية عن أكثر من ثلاثة تريليونات دينار من تخصيصات الأعوام السابقة لم تُموّل، فيما يطرح مسؤولون محليون وناشطون أسباباً أخرى للتعثر تتعلق بأداء الشركات وضعف المتابعة والرقابة.
ويؤكد النائب الإداري لمحافظة البصرة ماهر العامري، في حديث خصّ به (المدى)، أن الحكومة المحلية تواصل تحركاتها للحصول على الحقوق المالية للمحافظة، مشيراً إلى أن التخصيصات غير الممولة بلغت نحو 837 مليار دينار لعام 2023، ونحو 547 ملياراً لعام 2024، فيما لم تُموّل تخصيصات عام 2025 البالغة نحو تريليون و617 مليار دينار.
وبذلك تتجاوز التخصيصات غير الممولة للأعوام الثلاثة حاجز الثلاثة تريليونات دينار، فضلاً عن عدم تسلم المحافظة خلال عام 2026 أي مبالغ من عائدات البترودولار، بحسب العامري، الذي أشار أيضاً إلى وجود نحو 415 ملياراً و993 مليون دينار من إيرادات المنافذ الحدودية لعام 2025 لم تُموّل.
ويضيف العامري أن مستحقات المشاريع الاستثمارية وذرعات الأعمال المنجزة والسلف المستحقة للدفع تبلغ نحو تريليون و677 مليار دينار، بينها أكثر من تريليون و474 ملياراً للبترودولار، ونحو 183 ملياراً لتنمية الأقاليم، فضلاً عن نحو 19 ملياراً و700 مليون دينار ضمن استراتيجية التخفيف من الفقر.
مشاريع خارج الخدمة
وفي مقابل أزمة التمويل، تكشف المشاريع المتوقفة عن أسباب أخرى للتلكؤ، إذ وصل مستشفى الزبير، بسعة 200 سرير، إلى نسبة إنجاز تقارب 80% قبل توقفه بسبب مشكلات فنية وإدارية، فيما توقف مركز وحدة منسق التدرن في خور الزبير عند نحو 65% وتعرضت أجزاء منه للاندثار.
كما توقفت وحدة معالجة المياه الثقيلة في قضاء الإمام الصادق عند نسبة إنجاز بلغت 51% منذ آب 2025، قبل سحب العمل من الشركة المنفذة بسبب التلكؤ وعدم الالتزام بالجداول الزمنية، فيما بلغ إنجاز مجمع شط العرب السكني رقم 2، الذي يضم 465 داراً ويتبع مؤسسة الشهداء، نحو 50%.
وفي جامعة البصرة، توقف مشروع إنشاء كلية الزراعة عند 63% بعد توقف العمل منذ عام 2015، فيما تبرز مشاريع أخرى متوقفة، بينها مبنى مديرية سكة البصرة ومستشفيات الزبير والهارثة وأبي الخصيب وسفوان.
الزبير ومخاوف الشتاء
ويقول قائمقام الزبير عباس ماهر، في حديث لـ(المدى)، إن شركة النرجس المنفذة لمشروع البنى التحتية أوقفت أعمالها بصورة جزئية نتيجة عدم صرف مستحقاتها عن أعوام 2023 و2024 و2025، فضلاً عن عدم إطلاق تخصيصات مالية للمشروع خلال العام الحالي.
ويقدر ماهر المبالغ المتأخرة بنحو 500 مليار دينار، موضحاً أن نسبة إنجاز المرحلة الأولى تجاوزت 50%، فيما وصلت المرحلة الثانية إلى نحو 97%.
من جانبه، يحذر ممثل حراك الزبير يوسف الحربي، في حديث لـ(المدى)، من أن استمرار توقف الأعمال قد يهدد ما أُنجز من المشروع، خصوصاً مع اقتراب موسم الأمطار، مطالباً بإعادة الشركة إلى العمل واستكمال المناطق التي ما تزال تعاني من نقص البنى التحتية.
ويشير الحربي إلى أن معاناة أهالي الزبير مع هذا الملف تعود إلى عام 2011، بعد مغادرة شركة واحة وترك الأعمال غير مكتملة، معرباً عن مخاوفه من تكرار السيناريو ذاته.
ويضيف أن نسب الإنجاز تتفاوت بين مناطق القضاء، إذ وصلت في بعضها إلى 100%، بينما ما تزال مناطق أخرى عند نحو 50%، متسائلاً عن أسباب عدم تدخل الحكومة المحلية بصورة مباشرة لمعالجة توقف أعمال شركة النرجس.
الشركات تحت المجهر
وفي شمال البصرة، يرى قائد الحراك هيثم المنصوري، في حديث لـ(المدى)، أن المشكلة لا تتعلق بالتمويل وحده، وإنما تمتد إلى ضعف المتابعة والتنسيق بين الحكومة الاتحادية والمحلية، فضلاً عن إحالة بعض المشاريع، بحسب قوله، إلى شركات غير كفؤة.
ويحمل المنصوري الحكومة المحلية جزءاً من مسؤولية التعثر بسبب ضعف متابعة أداء الشركات وعدم معالجة حالات التلكؤ منذ مراحلها الأولى، مشيراً إلى مشروع القرنة الكبير الذي أُطلق عام 2018 ولم يدخل الخدمة حتى الآن.
كما يلفت إلى مشروع الجسر الرابط بين قضائي الصادق وعز الدين سليم، بكلفة تقارب 480 مليار دينار، والذي واجه مشكلات بعد انتقال التنفيذ بين عدد من الشركات، بينها شركة تفروم التركية وشركة الجدار الساند.
13 ألف عقد
ولا تقتصر الأزمة المالية على المشاريع، إذ يؤكد العامري، في حديثه لـ(المدى)، أن ديوان محافظة البصرة زود وزارة المالية بجميع القوائم والاستفسارات المتعلقة بعقود 13 ألف درجة وظيفية، وعالج الملاحظات الواردة من الوزارة بموجب كتب رسمية، كان آخرها في 13 آب 2026.
ويشير إلى أن المحافظة التزمت بالنسب المحددة وفق المادة 66/ثانياً من قانون الموازنة الاتحادية للأعوام 2023 و2024 و2025، فيما جرى تنسيب المتعاقدين إلى الدوائر ذات الارتباط الاتحادي والمحلي وفق الاحتياج.
وبين أكثر من ثلاثة تريليونات دينار من التخصيصات غير الممولة، ومشاريع متوقفة وصلت في بعضها نسب الإنجاز إلى أكثر من 90%، تبدو أزمة البصرة موزعة بين التمويل وأداء الشركات وآليات الرقابة والمتابعة.
ولا يبدو إطلاق التخصيصات وحده كافياً لإنهاء الملف، في ظل مشاريع تعطلت لأسباب فنية وإدارية وأخرى بسبب تلكؤ الشركات، ما يضع الحاجة إلى تحديد مسؤولية كل جهة وحجم الأموال المصروفة ونسب الإنجاز الفعلية في صلب أي معالجة.
وبين بغداد والبصرة، يبقى السؤال قائماً بشأن ما إذا كان تعثر المشاريع يعود أساساً إلى الأموال التي لم تصل، أم إلى طريقة إدارة المشاريع ومراقبة الشركات، فيما يبقى المواطن أمام خدمات مؤجلة ومشاريع مضى على بعضها سنوات من دون أن تكتمل.