مسرحية من واقع الحياة… أرفض العلاقة المُسِمَة ضمن العائلة ومع الدولة


من تكريم على مسيرته الحافلة في بياف إلى مهزوم في مسرحية «أمان تريللي»

بيروت ـ «القدس العربي»:  مفارقة لقاء المواطن والسلطة وجهاً لوجه في لحظة عسر شديد أفضت إلى أفكار سوريالية، وجعلت كل منهما يصبح وجهاً للآخر. أفكار تستدعي التحسر على الطرفين وما آلت إليه حالهما من هزيمة داخلية. ففي مسرحية «أمان تيريللي» كان اللقاء والتواصل بين مواطن والسلطة متمثلة بالشرطة. مواطن يستدعي الشرطة عشرات المرات متمنياً عليها اعتقاله. إنسان يتلبسه الهدوء، وشرطي يتلاعب بعصاه ويحاور من منطلق سلتطه بحثاً عن ارتكاب مخالفة تُسهّل له مهمة اعتقاله. وخلف المواطن والشرطة مدينة يختزلها جدار رحب الصدر، اتسع لكافة أنواع التعبير والاعتراض والفذلكة رسماً ونثراً وشعراً، ما شكّل سينوغرافيا ناطقة بحالنا وبما نعيشه من تناقضات.

«أمان تيريللي» على مسرح ديسكريبت7، نص يعالج موضوعاً اجتماعياً يُفترض أن يكون مشتركاً بين الكثير من العائلات في شرقنا. موضوع إشكالي يتمثل بمسؤولية الأبناء عن والديهم في حالات الكِبَر، نظراً لانعدام الامكانات المادية لاستقلال كل منهما عن الآخر. عرض مسرحي تتداخل فيه السلطة العليا الحاكمة للعائلات بالاقتصاد والسياسة مع العائلات بحد ذاتها. ترتفع وتيرة التسلط رويداً رويداً، وتبلغ حدودها القصوى، وصولاً لسلطة غير متوازنة بين الأزواج، ومعها تتحطم صورة الزوج، وتواصل الزوجة تعنتها. هكذا تتدرّج الكاتبة مايا سعيد بمنهجية تدريجية في تحطيم معنويات وصورة بطليها توازياً مع تضخيم وتيرة تسلط الزوجتين وتقديمهن مُعنّفات بلا رحمة ولا شفقة.
قررت المخرجة والكاتبة مايا سعيد أن تَحصُر جديدها بالعنف الذي يتعرض له الأزواج، وهذا ما كان حاضراً بوضوح على الخشبة، حيث تمكن كل من طارق تميم وسامي حمدان من تجسيده بشفافية وبمشاعر بليغة التعبير وصلت حدود الانكسار على كافة المستويات.
وقد شكل اختيار رجل شرطة ووضعه في خانة المهزوم والمحطّم هزيمة لسلطة الدولة بمفهومها العام، كون الشرطي يمثّلها بالمباشر وعلى الأرض. وبدت السلطة التي يفترض أن تحمي الجميع في أقصى حالات ضعفها على مسرح مايا سعيد، وتحتاج لمن يحميها. وباتت امنية «الفنان المتقاعد منذ الطفولة» والشرطي معاً دخول السجن أملاً بليلة نوم هانئة. قد تكون هذه حقيقة السلطة بنظر البعض، وقد لا تكون بنظر البعض الآخر. وكذلك من الصعب جداً القبول بالعنف بأي شكل كان وعن أية جهة صدر. أن تتآخى السلطة مع المواطن في محنتهما المشتركة أمر إيجابي، وأن يصبح كليهما نصيراً للآخر يأتي في خانة الإيجابيات كذلك. ويبقى السؤال كم هو واقعي ما حصل وكذلك استنتاج الإيجابيات؟
نسج الممثل طارق تميم مع زميله الممثل سامي حمدان ما يشبه وحدة الحال، وعجنتهما محنتهما في شخصية واحدة متضامنة ومتكافلة. وكان لطيفاً من المخرجة مايا سعيد أن تُخرج «عزقة» أي سامي حمدان من خانة المحبط الأبدي كفنان إلى وضعية الحالم بأن تكون له أغنية ولو للحظات.
هنا حوار مع الفنان طارق تميم:

○ مبروك جائزة مهرجان بياف. هل أسعدك التكريم لمسيرتك الحافلة وليس لدور بعينه؟
• شكرا لك، وشكراً لمهرجان بياف. أكيد، وأسعدني أكثر الريبورتاج الذي جرى إعداده للمناسبة، والذي تضمّن استعادات جميلة. حمدلله أني دخلت قلوب الناس، وأنهم قدّروا مدى احترامي وحبي لمهنتي وللأدوار التي أجسدها.
○ وفي الأسبوع الأخير من شهر تموز/يوليو الماضي كنت من ضمن اللجنة المنظمة لأسبوع «هيدي بس تحية.. وبس» في ذكرى رحيل زياد الرحباني. هل كنت راضيا عن التنفيذ؟
• مهما كان نوع وحجم وموضوع الـ«تحية» فنحن لا نفي زياد الرحباني حقه، خاصة في الظرف الذي نمرّ به في بلدنا. بكل بساطة أقول أن ما تمّ إنجازه في هذه التحية كان ممتازاً جداً. نحن أصدقاء زياد وإذاعة «صوت الشعب» الذي هو صوته حيث كان له دوره الكبير في تأسيسها، أردنا توجيه التحية له، وحققت النجاح.
○ بصراحة تمنى كثيرون من محبي الإذاعة لو تستمر تلك التحية لزمن أطول ويستمر صوت زياد على مدار الساعة؟
• وبحسب معرفتي بزياد، أقول لو كان بيننا لأحب التحية كما جرت، لأنها خالية من الفذلكة وبسيطة. فنحن لم نطلب من أحدهم تحليل موسيقى زياد. ولم نطلب من أية فرقة أن تلعب موسيقاه. بل تضمّنت التحية شهادات من الذين عملوا معه. إلى بحث وتحليل في مسرح زياد من مختصين بالمسرح ومواكبين عن قرب لمسرحه وهما الأستاذين الجامعيين وليد وكريم دكروب. وتولّى الخبير الاقتصادي الدكتور كمال حمدان الحديث عن فن زياد الذي عبّر عن الإنسان والمجتمع، وأضاء على مشاغله من اقتصاد وسياسة، وكذلك تحدث صديقه فادي نبوت في الموضوع نفسه. وبلغت التحية أوجها بعرض كواليس فيلم «هدوء نسبي» وهو من إخراج شقيقته الراحلة ليال. حظي هذا الفيلم باهتمام كبير من قبل المشاهدين. وهو يخضع حالياً للمعالجة على أمل أن يتمّ الحصول على نسخة جيدة تقنياً.
○ وما هو انطباعك عن الختام «سهِّرنا يا بو الأحباب» في مقاهي الحمرا؟
• تجوّلت في الحمرا وسمعت موسيقى زياد عبر «سي ديز» في كافة «البابيت» والمقاهي. يمكنني القول إن موسيقى زياد صدحت في الحمرا جميعها في تلك الليلة. وشعرت بحب لا يوصف لزياد وموسيقاه. رحمه الله.
○ أنت في مسرحية «أمان تيريللي». ألهذه الدرجة بتنا في وضع اجتماعي صعب وبات السجن طموحاً؟
• قد تصل العلاقات الاجتماعية إلى حدود قصوى من التأزم لتتحول إلى علاقة مُسِمَة. وقد تكون ليلة في السجن أمنية تبعد الإنسان ولو لزمن عن وجع الرأس. نعم هذا واقع.
○ برأيك كم يلتقي وجع الرأس المتأتي من العلاقة المُسِمَة مع ذاك الوجع المستدام الذي توزعه الدولة أو السلطة؟
• في وصفي لعلاقتنا التبادلية كمواطنين مع الدولة، أجد أن وصفها بالمُسِمَة مطابق لها بالتمام والكمال. كمواطنين لسنا في علاقة صحية مع الدولة.
○ أليس الطرف الأقوى هو المسؤول عن نوعية تلك العلاقة أي السلطة وعلاقتها بالمواطن؟
• أكيد هي مسؤولية الطرف الأقوى. إنما السائد في الحياة أن الأقوى هو من يأكل حق الأضعف. لهذا يثور الضعفاء وبخاصة الفقراء لإحقاق حقوقهم. بينما يواصل الأغنياء حياتهم الطبيعية مطمئنين إلى أوضاعهم التي صنعوها بأديهم وعبر سلطاتهم.
○ »أمان تيريللي» مسرحية تبصم بالعشرة بالموافقة على لقب «وزارة الداخلية» المُطلق خبثاً على الزوجات. ما رأيك؟
• أبداً، وليس عادلاً أبداً أن نعتمد هذا التعميم. ربما اعتماد قول الإمام علي «المرأة شر لا بد منه» يشكّل حلاً. تشكل «أمان تيريللي» إضاءة على أمور من صلب الحياة العائلية. وتُظهر بعض المشكلات الجوهرية التي يواجهها الزوج في حياته. والمفارقة أن كاتبة النص ومخرجة المسرحية امرأة. لقد عالجت المسرحية أمراً غير معزول عن الواقع.
○ لنسأل عن دورك كرجل شرطة وماذا يعني لك الشرطي بشكل عام؟
• كمواطن أطمح لوجود دولة فاعلة وقادرة على القيام بمهامها. وجود الدولة يعني القانون وتطبيقه. وجميعنا يحتاج للقانون، ومن خلاله يصار لتسيير شؤون البشر، شرط عدم وجود خيمة فوق رأس أحدهم كائناً من كان. هذا في العام، وفي الأمنيات كذلك. أما في الواقع فلا يمكننا القول إن وضع الشرطة الراهن صحي وسليم. والسبب غياب المحاسبة وسيطرة المحسوبيات. ولهذا ندعو الله لأن يُصلح الحال.
○ لماذا اللهجة البيروتية بينك وبين سامي حمدان؟
• نُظهر في هذا العرض حال المدينة. نحن في بيروت، إنما لسنا حيال نُطق بيروتي مُقعّر، بل نطق معتمد منّا ومن كثيرين. هذا نحن وهكذا نتواصل. لم نتقصّد لهجة أخرى كي لا يُحمّل العرض أي تأويل.
○ هل يشعرك المسرح بالإشباع؟
• كثيراً جداً، ولهذا ومع كل فرصة سانحة أجد نفسي في صلب عمل مسرحي. أعتبر نفسي ابن المسرح. وفي أي مشروع مسرحي يرضيني لا أبحث في عدد المقاعد، ولا عن مكان العرض، ولا عن دور البطولة. مسرحية «أمان تيريللي» في مسرح ديسكربيت7 تعيدني بالذاكرة إلى مسرح بيروت الحميم، والذكريات الجميلة هناك. ولأن المسرح هدفي الدائم ففي كل عمل مسرحي أجتهد لأتعلّم جديداً. أعتبر كل عمل مسرحي جديد تمريناً مُضافاً إلى تجربتي الفنية في الحياة. وفي كل عمل جديد أجد نفسي أمام تجربة أتجدد من خلالها، وأبحث في أعماقي عن إمكانية عطاء جديدة.
○ في مسرحية لينا خوري التي جمعت خريجي المسرح في الجامعة اللبنانية الأمريكية كنتم في إطار تجريبي إلى حد ما؟
• ربما يصح وصف الخلطة المسرحية التي اعتمدتها لينا خوري بالتجريبية، لكنه ليس عملا مسرحيا تجريبيا، بل عمل يستند إلى نص عالمي. لذلك يصح وصف مسرحية «أبو الزوس» بالمسرحية العالمية. أديت دوري في «أبو الزوس» ملتزماً كلياً بالنص، وبما أرادته المخرجة لينا خوري من الشخصية التي أسندتها لي. ولهذا وفي كافة العروض قدّمت الشخصية كما هي. بيما تختلف مقاربة الدور في مسرحية «أمان تيريللي»، بدءاً من حميمة المسرح ومقاعده الستين. إضافة إلى النص الذي وضعته الكاتبة والمخرجة مايا سعيد، وعلاقتها السلسة جداً مع الممثل وانفتاحها على النقاش وتبادل الأفكار.
○ يبدو وكأن تخاطراً بالأفكار يجمعك مع مايا سعيد خاصة وأنك لعبت بإدارتها أكثر من عرض مسرحي. فهل تكتب لك خصيصاً؟
• مايا سعيد من النوع الذي يوثّق علاقته بالممثلين وتتبادل معهم الثقة. وفي مسرح ديسكريبت7 الحميم، تجد ما تبحث عنه من علاقة مع الممثلين ومع المتلقين. كنت أحلُم بامتلاك مسرح ولم يتحقق. وكذلك جذبني أسلوب العمل المسرحي ضمن مجموعة تُسميّ نفسها «أنسامبل». أي المجموعة التي تلعب على الدوام معاً. مجموعة تتبادل الأدوار فيما بينها. تعمل لتوزيع دور البطولة على جميع أفرادها بين عمل مسرحي وآخر. وحتى في المسرحية عينها يمكن لكل من أعضاء الفرقة ويومياً تبادل الدور الأساسي في العرض، ولم أحققه.
○ وماذا عن زميلك في العرض المسرحي سامي حمدان أو من أسميته»عزْقة»؟
• حتى وإن لم يكن التمثيل مهنته إنما سامي حمدان يخطف الأنفاس لشدة اندماجه بدور «عزْقة». نشده إلى المسرح، وعندما ننجح بسعينا نجده فناناً شديد التأثير. عملت معه مراراً وتكراراً في المسرح الجامعي. وجذبه الراحل أحمد قعبور لتمثيل مجموعة أغنيات «لعيونك» على شاشة تلفزيون المستقبل، وعُرف بتعبير «يا حبيب الروح». سامي حمدان لديه كاراكتير ناجح أمام الكاميرا وعلى المسرح.
○ هل بانت خيوط المسلسلات الرمضانية بالنسبة لك؟
• لم تأخذ الأدوار طريقها إلى التوزيع والأمور تسير على نار هادئة على كافة المستويات.
○ وعلى صعيد السينما؟
• آخر ما أنجزته دوري كضيف في فيلم «الست» لأم كلثوم. وأفصح بأن الإعداد لعمل مسرحي جديد يسير على نار حامية. والإعلان عنه مرهون بوقته، وأتوقع عرضه في الخريف المقبل.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *