قبل بضعة أشهر أرسلت لي ابنتي فيديو من «تيك توك» يحمل مجموعة صور لحفلات زفاف كويتية من نهاية ثمانينيات القرن الماضي وبداية تسعينياته، وكان من بين هذا الصور المعنونة عرائس الزمن الجميل أو جملة ما بهذا المعنى، صورة لي وزوجي من يوم عرسنا. توقفت مشدوهة وقد اختلطت أسئلة عدة في رأسي، من أين تحصل صاحب الحساب على هذه الصورة؟ ما الفكرة التي جمعت هذه الصور معاً؟ والأهم، عرسي أنا يعتبر «عرس زمن جميل» اليوم؟
بعدها بأيام وصلني من ابنتي كذلك منشور آخر، هذه المرة متفرد بي وبعائلتي، حيث تظهر فيه صورة لي ولزوجي من عرسنا، ثم صورة لي ولزوجي والأبناء بعد لربما ثلاثين سنة من الزواج، حسب توقيت الصورة تلك. الضربة أتت حين تعنون البوست: أسرة كويتية كلاسيكية. أنا وزوجي أسرة كلاسيكية؟ أنا وهذا الشاب الماثل أمامي في الصورة بقامته اليافعة وضحكته اليانعة شخصان من الزمن الجميل؟ ما عاد ممكناً السكوت عن الموضوع، لا بد لي أن أعترض وأمتعض وأثبت بالأدلة القاطعة، بإعادة حساب الزمن، أن الزمن لا يزال زمني، أنني لست قادمة من ماض تولى، وبأنني لست كلاسيكية ترقد صورها في ألبومات صفراء قديمة أو منشورات شجنية تحنو لماض جميل.
وفيما أنا أعيد حساباتي، أخبرتني ابنتي أن المنشور الأخير لصور «قبل وبعد» قد فات المليون والنصف مشاهدة، لتقترح بسلامتها ساخرة أن نفتح حساباً، أنا ووالدها، على «إنستغرام» نضع فيه صوراً وفيديوهات من الماضي الجميل لنحرز المشاهدات الغامرة التي «ستؤكلنا الشهد» بحسب تعبيرها المرادف بالإنجليزية. إنه «الإنستغرام»، رن اسم التطبيق في رأسي، لا بد أنه مصدر الصور التي تلف وتدور في «تيك توك» وغيرها من وسائل التواصل. ولم يخب ظني، كانت صوري عروساً، ثم صوري والأولاد من أزمنة عمرية مختلفة، تملأ حساب زوجي بلا تحفط أو تكليف. هي منشورة بتعليقات مشاغبة محبة، ومزدانة بتعليقات الأهل والأصدقاء المليئة حباً وظرفاً ومداعبات شقية. لا يتغير هذا الرجل أبداً.
ورجلي هذا من النوع المرتاح جداً مع نفسه، ليس لديه ما يخفيه أو ينكره أو يغضب لأجله، لا أعرف أحداً متصالحاً مع نفسه كما هذا الرجل. ومعه وبسببه، عشنا حياتنا كلها في الشمس، كل شيء عنا وحولنا واضح صريح معلن على الملأ، لا يد لأسرتنا يمسكنا أحد منها فيوجعنا، ولا سر نتهدد به، ولا رغبة أو طمع أو شهوة تذلنا أو ترغمنا على أن نكون غيرنا. نحن كما نحن، كما نحب ونرضى، بكل حقيقيتنا ووضوحنا المريح السعيد، وكل ذلك بفعله وسببه هو. حتى بيتنا الصغير مكشوف ومنير وشرح الزوايا، واجهته مغطاة بزجاج من دوره الأول إلى دوره الثاني، زجاج رفض زوجي أن نلبسه ستائر أو نخفي جماله ودفئه وشراحته بأي عازل. وقد كان. بقيت واجهة منزلنا مفتوحة سمحة تدعو للحضور لا للغياب، مثلها مثل صاحبها، صاحب أكبر وأدفأ قلب في الدنيا.
وحين راجعت نفسي ذات يوم أن لربما نشاطي أو مقابلاتي أو مقالاتي قد تسببت في ضرر أو عطلت مصلحة لعائلتي، نظر في عيني وما زاد عن أن قال: لو كنتِ غير ذلك لما عرفتك. نزع مباشرة بيديه شوك محاسبة النفس وزرع مكانه لحظياً ورد الرضا والفخر والسعادة. وهكذا كانت الحياة معه وبه دوماً، هكذا برمج عائلته وعلمها وفرش لها من مساحات صبره وقلبه، برمجها لأن تكون واضحة وصادقة، وصاغها لأن تكون مقتنعة وراضية. وهكذا حاوَلنا كلنا، وإن بإخفاقات لا مناص منها على طريق الحياة، أن نكون وأن تكون حياتنا.
وحين احتفلنا في 23 مايو الماضي بعيد زواجنا السادس والثلاثين، كان لا بد من مواجهة النفس والاعتراف بالواقع، نحن زوجان كلاسيكيان بلا شك، وأنا امرأة من الزمن الجميل بلا جدال، إن لم تشهد على كل ذلك التجاعيد الرقيقة وهبات الحرارة الجسدية وأرق الليل وأوجاع الجسد، ستشهد عليه صور «الزمن الجميل» التي تحكي حكاية فستان عرس قديم لامع وتسريحة غابرة ووجه ممتلئ بالصبا وضحكة ظاهرة صافية خالية من الهموم والأوجاع ومما كان سيتراكم، بعد التقاط هذه الصور بسنوات، جنباً إلى جنب مع السعادة والمحبة والإنجاز والنجاح، من تجارب وأوجاع وخسارات وخيبات أمل.
العام الماضي كان عيد زواجنا الخامس والثلاثين، وكنا قد وعدنا أنفسنا والأبناء بحفل كبير نغني ونرقص ونأكل فيه حتى ساعات الصباح الباكر. إلا أن دماء غزة صبغت أيامنا وأوجاع السودان ملأت أسماعنا، والقتل الجماعي للأطفال والاغتصاب والتعذيب العصابيان للكبار في حروب الإبادة على المنطقتين والتي لم ير العالم المعاصر مثيليهما، وما صاحب كل ذلك من تجاهل عالمي وعته سياسي وغرابة بشرية وموت كامل وتام وجماعي للضمير بل وللفطرة الطبيعية، كل ذلك جعل الاحتفال ليس فقط متعذراً، ولكن مستقبحاً، كريهاً؛ فكان قرار التأجيل. لربما مرور خمس سنوات، وصولاً إلى حفل زواجنا الأربعين، كفيل بأن يخلصنا من بعض مجانين العالم، وأن يعيد ترميم الفطرة والضمير. لا ندري، ولكننا ننتظر ونأمل ونشتاق لفرح كبير كهذا.
هذه السنة، وعلى عادة كل سنة، احتفلنا في البيت في حفل صغير رائع مع الأولاد، تقام إبانه المسابقات التي تقيس مدى معرفة أحدنا بالآخر، وهي المسابقة التي أخسرها أنا كل سنة وبتفوق. هذه السنة فزت فوزاً ليس عظيماً، وحصلت على درع وميدالية من الأولاد، وضحكت كثيراً وعميقاً، ضحكاً لم يصعد قفصي الصدري منذ زمن، ولا يجب أن يفعل في ظل الظروف الراهنة. ولكنها الحياة التي تستمر، والنسيان الذي يساعد على استمراريتها، والأنانية البشرية التي تدفع بتلك الاستمرارية حتى حين يكون التوقف عن كل الحياة هو الموقف الأكثر شرفاً واستحقاقاً.
كل عام وأنت المعنى الحقيقي لهذه الدنيا، القيمة الماضية والباقية لأيامها، العقل الذي يحب والقلب الذي يحنو والروح التي تفتح أبواب الحياة على مصراعيها. معك لم نشعر سوى بالحرية، هذه العملة النادرة التي شحت في سوق الحياة وفاضت في قلبك وبيتك. نحبك ونشكرك وكل عام وأنت بخير.