الرباط – «القدس العربي»: كشفت معطيات رسمية أن السجون المغربية باتت تشكو من اكتظاظ مهول، بسبب الارتفاع المتزايد في عدد السجناء، ما قد يؤثر على ظروف أماكن الاعتقال وطبيعة الخدمات المعتمدة فيها، وكذا الإمكانات البشرية والمادية المرصودة لذلك، ويطرح ضرورة تطوير قانون «العقوبات البديلة» الذي شرعت الحكومة المغربية في تنفيذه أواسط العام المنصرم.
في هذا الصدد، أفاد المندوب العام لإدارة السجون وإعادة الإدماج محمد صالح التامك، خلال تقديمه مشروع الميزانية الفرعية لإدارته برسم سنة 2027 أمام لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان والحريات في مجلس النواب (الغرفة الأولى في البرلمان المغربي)، بأن عدد السجناء في المغرب ارتفع مجددا ليبلغ، مع نهاية شهر تشرين الأول/أكتوبر المنصرم، ما مجموعه 102 ألف و941 سجينا، مقابل 98 ألفا و692 سجينا خلال الفترة نفسها من سنة 2025، بزيادة تفوق 4 آلاف سجين، فيما وصل معدل الاكتظاظ في السجون إلى 158 في المئة، متجاوزا 300 في المئة في بعض المؤسسات السجنية.
واعتبر المسؤول المغربي أن هذه المؤشرات تبرز تفاقم مشكلة الاكتظاظ، محذرا من أن استمرار ارتفاع عدد السجناء، بمعدلات نمو سنوية تصل أحيانا إلى 5 في المئة، من شأنه أن يجهض الجهود المبذولة لتحسين ظروف الاعتقال والارتقاء بالخدمات المقدمة للنزلاء، مهما تعددت مشاريع بناء المؤسسات السجنية وتوسيع طاقتها الاستيعابية.
وفي تشخيصه لأسباب تفاقم الاكتظاظ، سجل التامك أن معدل الاعتقال في المغرب يبلغ 280 سجينا لكل 100 ألف نسمة، وهو مستوى مرتفع مقارنة بعدد من دول المنطقة، كما يتجاوز المعدلات المسجلة في عدد من الدول الأوروبية، مثل إسبانيا (121)، وفرنسا (129)، وبلجيكا (113). ونبه في هذا السياق إلى محدودية أثر تطبيق قانون «العقوبات البديلة»، معتبرًا أن حصيلته ظلت، حتى الآن ضعيفة جدا، بالنظر إلى محدودية عدد المحكوم عليهم بهذه العقوبات. وأوضح أن إدارته تقدمت بـ 12 ألفا و489 طلبا ومقترحا إلى السلطات القضائية من أجل استبدال العقوبات السالبة للحرية، غير أن عدد الأحكام الصادرة بعقوبات بديلة لم يتجاوز 3 آلاف و484 حكما.
كما أشار إلى أن التخفيض التلقائي للعقوبة، رغم تسجيل 152 ألفا و487 حالة استفادة منه، وما ترتب عليه من الإفراج عن 12 ألفا و546 سجينا، لم يؤد إلى إحداث انخفاض مستدام في أعداد السجناء.
وبحسب التامك، فإن معالجة الاكتظاظ لا يمكن أن تظل مسؤولية المندوبية العامة لإدارة السجون وحدها، داعيا إلى اعتماد مقاربة بنيوية تقوم على الحد الفعلي والدائم من تدفق السجناء، من خلال ترشيد اللجوء إلى الاعتقال الاحتياطي ومراعاة الطاقة الاستيعابية للسجون عند اتخاذ قرارات الإيداع، مع التأكيد على ضرورة احترام استقلالية السلطة القضائية.
وتوقف المندوب العام لإدارة السجون عند الإمكانيات المرصودة لتدبير القطاع، وحجم الميزانية الفرعية المخصصة له ضمن الموازنة العامة لسنة 2027. وفي هذا الإطار، تحدث عن الموارد البشرية، مشيرا إلى تخصيص 1500 وظيفة جديدة في المندوبية برسم سنة 2027، مقابل 1980 وظيفة خلال سنة 2026، وهو ما يطرح، بحسب المعطيات المقدمة، تحديا إضافيا في ظل الارتفاع المتواصل لعدد السجناء.
وحذر التامك من تداعيات اختلال التوازن بين النمو المتسارع لعدد السجناء والإمكانيات البشرية المتاحة، وما يفرضه ذلك من ضغط مهني ونفسي على موظفي القطاع، وينعكس سلبا على ظروف العمل وجودة خدمات الحراسة والتأطير. وتطرق المسؤول المغربي أيضا إلى مجموعة من الصعوبات اللوجستية والتدبيرية، من بينها التأخر الناجم عن التعقيدات الإجرائية وتعثر بعض الشركات في تنفيذ صفقات البناء والتوسعة، إضافة إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية وتكاليف استهلاك الطاقة، وما تشكله من أعباء إضافية على ميزانية التسيير. وفي إطار تثمين الذاكرة السجنية الوطنية، أعلن التامك عن مشروع لتحويل السجن القديم في «غبيلة» بالدار البيضاء إلى متحف تاريخي وثقافي، بهدف حفظ الذاكرة السجنية واستحضار ارتباط هذا الفضاء بتاريخ المقاومة المغربية.
وبخصوص الرعاية الصحية، أشار عرض المندوب العام إلى تقديم ما يقارب 500 ألف خدمة طبية، من بينها 380 ألف فحص طبي، إلى جانب افتتاح وحدات جديدة لتصفية الدم في كل من الرشيدية والداخلة، واستفادة 193 سجينا من برنامج علاج الإدمان بواسطة الميثادون.
غير أن التامك نبه، في المقابل، إلى استمرار النقص الحاد في الكوادر الصحية، ولا سيما الأطباء، والصعوبات المرتبطة باستقطابهم للعمل داخل المؤسسات السجنية، داعيا إلى تعزيز تدخل وزارة الصحة والحماية الاجتماعية وإدماج السجون ضمن خريطة المجموعات الصحية المحلية.
وعلى مستوى التعليم والتدريب، سجلت المؤسسات السجنية 9475 سجينا مسجلا في مختلف أسلاك التدريس، بزيادة بلغت 6.95 في المئة، فيما بلغ عدد الطلبة السجناء في التعليم الجامعي 2495 طالبا، واستفاد 8730 سجينا من برامج التكوين المهني.
كما استعرض التامك حصيلة برنامج «مصالحة»، الموجه للسجناء المدانين في قضايا التطرف والإرهاب، حيث نظمت ثلاث دورات خلال السنة، استفاد منها 48 سجينا، ليرتفع العدد الإجمالي للمستفيدين منذ إطلاق البرنامج سنة 2017 إلى 480 سجينا، أفرج عن 359 منهم، من بينهم 234 بموجب عفو ملكي.