«مزن النيل» ووجعة شباب السودان


في عام 2006، وانسجاماً مع نهجه الرامي إلى بثّ الوعي وإذكاء جذوة التنوير، تمكن الدكتور حيدر إبراهيم، مدير مركز الدراسات السودانية، من جعل زيارة الفنان مارسيل خليفة لأرض السودان ممكنة. فكانت ليلةً خالدةً في ذاكرة المسرح القومي بأم درمان. كنا نظنّ أن التفاعل مع أهازيج هذا المبدع وهو يغني للثورة والوطن، سيكون حكرا على جيل السبعينيات وبدايات الثمانينيات، لكن المفاجأة الكبرى كانت في شباب وشابات التسعينيات، وهم وقوفا يرددون معه كلمةً كلمة، ويغرفون من موسيقى وكلمات: “بين ريتا وعيوني بندقية”، “أحن إلى خبز أمي”، أنا أحمد العربي”…..، وغيرها من درر محمود درويش المتفردة. كان جلياً لكل ذي بصيرة، ولكل عقل يؤمن بغدٍ مشرق، أن هؤلاء الفتية سيكون قولهم هو الفصل الأخير في معركة التغيير، وأن نموهم في ظل نظام الإنقاذ كان يسير في عكس اتجاه ريحه، بل وتشتد معه معاول هدمه. تلك كانت دهشتنا الأولى. أما هي، ذات العشرين ربيعا، بقامتها القصيرة، وبجسدها النحيل، وبابتسامتها الوضيئة، فكانت في طليعة ذلك الرهط الشاب.
دهشتنا الثانية، كانت في اليوم التالي، حين احتضن الصديق الدكتور صلاح عوض في منزله العامر بحب الناس، تكريماً للضيف المبدع، جمعاً غفيراً من أهل الفن والأدب والسياسة، ومن شباب ثورة ديسمبر لاحقاً، بعد إثني عشر عاما. وإلى جانب المحتفى به، ازدان الحفل وازداد بهاءً بحضور قمّة الفن والغناء محمد وردي، وقمّة الشعر والنبض محجوب شريف. وكنتُ من المحظوظين الذين شهدوا ذلك اللقاء. لقد كانت، بحق، ليلة ثقافية فنية سياسية، دار فيها حوار عميق حول الفن والمقاومة والتغيير، وتخللتها إبداعات العملاقين الراحلين محمد وردي ومحجوب شريف. أما من أدار الحوار وأضفى عليه رونقا جذلا، فكانت هي، ذات العشرين ربيعا، بقامتها القصيرة، وبجسدها النحيل، وبابتسامتها الوضيئة، تنتقل كالفراشة المثقفة بين مارسيل ووردي ومحجوب، تطرح أسئلة في جوفها أفكار ورؤىً، وتُبرز كاريزما تطمئنك على مستقبل الوطن، وإن طال السفر. إنها “مزن النيل”، أو مطر الحياة المنبثق من صميم الوطن، التي رحلت عن دنيانا في الذكرى الثالثة لحرب كريهة، ظلت ترفضها وتدعو لمقاومة اختطاف الوطن. رحلت وهي في نضارة العمر وربيع الشباب، تاركةً وراءها حسرةً لا تُجبر، وألماً لا يبرح.
لم تكن “مزن النيل” مجرد اسم عابر في سجلات الحراك الثقافي أو السياسي، بل كانت نذيراً آخراً لتحول عميق ظل يتشكل في جسد ووجدان شباب السودان. ذلك الجيل الذي بدا لناظريه محاصراً بقبضة الواقع وضيق أفق الحاكم، كان في الحقيقة يعيد تعريف الممكن، ويبتكر لغته الخاصة في مقاومة الجور، لغة تمتزج فيها الأغنية بالشعار، والشعر بالفعل، والحلم بالعمل الجماعي الذي لا يلين ولا يتوقف حتى يصل عتبة التغيير.

لم تكن “مزن النيل” مجرد اسم عابر في سجلات الحراك الثقافي أو السياسي، بل كانت نذيراً آخراً لتحول عميق ظل يتشكل في جسد ووجدان شباب السودان

وفي الحقيقة، فإن شباب السودان ليسوا نسقاً منفرداً، ولا طيفاً يخيّم في فراغ، بل نسيج حي يتخلق في نار الصراع السياسي والاجتماعي، ويرتوي من نبض مؤسسات المجتمع المدني والأهلي والتنظيمات السياسية والنقابية والاجتماعية. وكان يعاني حد التمزق من استبداد وفساد نظام الإنقاذ، ثم اجتاحته وجعة انفصال الجنوب، مثلمل ظلت تجتاحه وجعة أسر تعيش الكفاف، ومع ذلك تقتطع من لحمها ودمها لتعليم أبنائها. فأيقنوا أن لا خيار إلا التغيير، كي لا يرهنوا حياتهم للمنافي أو الدروب المظلمة، فخرجوا إلى الشوارع في ديسمبر/كانون الأول 2018. خروجهم لم يكن ثورة جياع، بل انتفاضة جيل بأكمله من أجل تحطيم جدار الأفق المسدود الذي بناه نظام الإنقاذ. وظلوا يقدمون الشهيد تلو الآخر، لا باسم حزب ولا طمعاً في كرسي، بعضهم قريب من السياسة وأكثرهم بعيد عنها. وهم، كما كتبنا من قبل، ذات شباب “النفير” الذي هب يومها لدرء كارثة السيول والأمطار، وشباب “شارع الحوادث” لتوفير الدواء للمرضى المحتاجين في أقسام الطوارئ بالمستشفيات، وشباب “صدقات” لإفطار الجوعى والمعوزين، وشباب جلسات التلاوة والمساجد عقب صلاة الجمعة، وشباب الكنائس عقب القداس، وذات شباب “عديل المدارس”، وشباب الأندية والجمعيات الثقافية، وشباب فرق “الكورال” الموسيقية والفرق المسرحية، وشباب الهامش والأحزاب…، تنادوا من كل فج عميق متخطين الثنائيات الكلاسيكية، اليمين واليسار، الرجعي والتقدمي، العلماني والديني، ومطالبين بالحرية والسلام والعدالة، وليؤكدوا أن غد السودان لن يكتبه إلا من عرفوا كيف يموتون من أجل الحياة.
ومثلما اجتاحته من قبل وجعة مذبحة فض الاعتصام والقتل العمد في الشوارع عقب إنقلاب 25 أكتوبر 2021، تجتاح شباب السودان اليوم وجعة الحرب الخبيثة وهي تسطو على حاضره ومستقبله، في زمن تهاوت فيه مؤسسات الدولة، واختلط فيه حابل صوت الرصاص بنابل أزيز المسيرات، فلم يبقَ إلا فتية آمنوا أن الوطن لا يُحمى إلا بمن يهبون حين يخذله الجميع، وبعقول تدير التفاصيل في لحظة انهيار كل التفاصيل. فأطبقت سواعدهم على خيوط الأمل لترسم للعيش خريطة بديلة حين ضاعت الخرائط الرسمية في دهاليز الفساد وجنون الاقتتال، وحوّلوا “لجان المقاومة” من أداة لإسقاط نظام إلى عمود فقري لصمود شعب، وبنوا “غرف الطوارئ” نموذجا حيا للإدارة الذاتية الأكثر كفاءة ونزاهة من أي مؤسسة رسمية.
و”مزن النيل” وأقرانها، هم جيل لم تهنئه المنافي، ولم تخدعه الوعود، ولم يسلم أمره للوساطات ولا المجتمع الدولي، بل أخذ بيده مطرقة الإرادة وأوتاد الصبر، ليعلو فوق أنقاض الحرب جسراً من إنسانية لا تعترف بالهزيمة. وليثبتوا أن الدولة حين تغيب، يبقى الوطن حاضراً في عقول من يتعبّدون خدمة أهاليهم، الذين يكتبون بدمائهم وإصرارهم فصلاً جديداً في معنى المواطنة التي لا تسأل عن انتماء عرقي أو جهوي أو ديني، بل عن يد تمد، وصدر يتسع، وقلب لا يعرف اليأس. فيا أيها الذين تصورت الحرب أنهم غبارها، لقد كانوا قمحها الذي ينبت تحت الرماد.

٭ كاتب سوداني



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *