نواكشوط –«القدس العربي»: عادت الشراكة بين موريتانيا ومنظومة الأمم المتحدة إلى واجهة الاهتمام من خلال محطة تقييمية جديدة ترصد حصيلة عام 2025 وتستشرف آفاق المرحلة المقبلة، وذلك في سياق إقليمي متقلب تتداخل فيه التحديات الأمنية مع الضغوط الاقتصادية والاجتماعية.
ويأتي هذا المسار في ظل سعي متزايد إلى تحويل برامج التعاون من مجرد تدخلات قطاعية إلى مقاربة منسجمة تُعزز الأثر التنموي وتستجيب لأولويات البلاد، خصوصًا في مجالات الحماية الاجتماعية، وتنمية رأس المال البشري، وترسيخ الاستقرار.
وبين ما تحقق خلال العام المنصرم وما يُخطط له للفترة 2026–2027، تتشكل ملامح مرحلة جديدة من التعاون بين الطرفين، تراهن على تسريع وتيرة الإنجاز وتعزيز صمود موريتانيا في محيط إقليمي بالغ التعقيد.
وجرت هذه المراجع خلال اجتماع بين مسؤولي وزارة الشؤون الاقتصادية والتنمية الموريتانية ومسؤولي منظومة الأمم المتحدة، خُصص أمس، لتقديم وتقييم التقرير السنوي لتدخلات الأمم المتحدة في موريتانيا لعام 2025، إلى جانب استعراض خطة العمل المشتركة للمدة 2026–2027، في خطوة أكد الجانبان أنها تعكس حرصهما على تعزيز التنسيق وتكثيف الجهود التنموية في مرحلة توصف بالحاسمة.
وتمثل خطة العمل الجديدة المرحلة النهائية من تنفيذ إطار التعاون للتنمية الشاملة للفترة ما بين 2024–2027، وتهدف إلى تسريع الأثر الجماعي لتدخلات وكالات الأمم المتحدة، بما ينسجم مع الأولويات الوطنية ويستجيب للتحديات الاقتصادية والاجتماعية الراهنة.
في هذا السياق، أكد الأمين العام لوزارة الشؤون الاقتصادية والتنمية يعقوب أحمد عيشه، أن إطلاق التقرير السنوي لسنة 2025 وخطة العمل للفترة المقبلة يشكلان محطة مفصلية في مسار الشراكة بين موريتانيا والأمم المتحدة، ويجسدان التزامًا مشتركًا بدعم تنمية شاملة ودائمة.
وأشار إلى أن موريتانيا، ورغم التحديات التي تعرفها منطقة الساحل، تمكنت خلال العام المنصرم من الحفاظ على استقرارها، وتحقيق تقدم ملحوظ في مجالات النمو الاقتصادي، وتوسيع الحماية الاجتماعية، وتنمية رأس المال البشري، إلى جانب تعزيز تمكين المرأة وتحسين الحوكمة.
وأضاف أن خطة العمل 2026–2027 ترتكز على جملة من الأولويات الاستراتيجية، تشمل تعزيز النمو الشامل، وتطوير الموارد البشرية، وتمكين النساء والفتيات، وترسيخ مبادئ الحكامة الرشيدة، مع اعتماد مقاربات مبتكرة لتمويل التنمية، من خلال توسيع الشراكات مع القطاع الخاص والمؤسسات الدولية.
من جانبه، أوضح المنسق المقيم لمنظومة الأمم المتحدة في موريتانيا، أنطونيو أرانيبار، أن خطة التعاون الجديدة بين موريتانيا والأمم المتحدة تتضمن 28 تدخلًا مشتركًا، تُنفذ في إطار التعاون من أجل التنمية المستدامة، وبما يتماشى مع الاستراتيجيات الوطنية، خاصة برنامج النمو المتسارع والرفاه المشترك.
وأكد أن هذه المقاربة تقوم على تعزيز التكامل بين وكالات الأمم المتحدة لضمان نجاعة أكبر في تنفيذ البرامج وتحقيق نتائج ملموسة على أرض الواقع.
كما استعرض أرانيبار أبرز الإنجازات المسجلة خلال عام 2025، والتي شملت اعتماد الاستراتيجية الوطنية للحماية الاجتماعية للفترة 2025–2035، وتحديث السجل الاجتماعي بما يعزز استهداف الفئات الهشة، فضلًا عن إطلاق الاستراتيجية الوطنية لتعزيز السلام والتماسك الاجتماعي، وتقديم تقرير موريتانيا ضمن آلية الاستعراض الدوري الشامل لدى مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة.
ويأتي هذا الاجتماع في ظل سياق إقليمي معقد، تتزايد فيه التحديات الأمنية والاقتصادية في منطقة الساحل، ما يضفي أهمية خاصة على استمرارية الشراكة بين موريتانيا والأمم المتحدة باعتبارها رافعة أساسية لدعم الاستقرار وتعزيز مسارات التنمية.
وتعكس هذه الديناميكية المشتركة توجهًا نحو الانتقال من مرحلة التخطيط إلى تحقيق أثر تنموي ملموس، خاصة مع اقتراب نهاية إطار التعاون الحالي، حيث تتجه الأنظار إلى مدى قدرة البرامج المشتركة على تحسين ظروف عيش المواطنين وتعزيز صمود البلاد في مواجهة التحولات المتسارعة في محيطها الإقليمي.
ووفقا لرئيس مكتب الأمم المتحدة في موريتانيا، فإن مراجعة حصيلة التعاون لعام 2025 ورسم ملامح المرحلة المقبلة من التعاون بين موريتانيا ومنظومة الأمم المتحدة، تعكس انتقال الشراكة من منطق الدعم التقليدي إلى مقاربة أكثر تكاملًا وارتباطًا بالأثر الفعلي على حياة المواطنين.
وبين ما تحقق من إصلاحات وما يُرتقب من برامج خلال 2026–2027، تبدو الرهانات مركزة على تسريع الإنجاز وتعزيز النجاعة، بما يضمن شمولية المكاسب وتوسيعها.
وفي ظل تحديات إقليمية متصاعدة، تظل هذه الشراكة إحدى أبرز ركائز دعم الاستقرار ودفع مسار التنمية في موريتانيا، بشرط ترجمة الخطط المعلنة إلى نتائج ملموسة تلامس واقع السكان وتستجيب لتطلعاتهم.