لندن – «القدس العربي»: أظهر النص الرسمي لمذكرة التفاهم النادرة بين الولايات المتحدة الأمريكية توجهاً أمريكيا جديدا، هلّلت له إيران، فوصفته «نصرا مؤزرا»، وذُهلت منه إسرائيل، فاعتبرته كارثة سيئة.
وأصدر الزعيم الأعلى الإيراني مجتبى خامنئي رسالة أبدى فيها تحفظه لكنه قال فيها إنه كانت لديه وجهة نظر مختلفة بشأن مذكرة التفاهم مع أمريكا لكنه وافق عليها لالتزامه تجاه الرئيس الإيراني وأعضاء مجلس الأمن القومي الأعلى. وإن المفاوضات المباشرة التي ستجرى مستقبلا لا تعني قبول «وجهة نظر العدو».
وحول مذكرة التفاهم، ففي الشكل أصرّ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على التوقيع شخصيا على المذكرة ولو عن بُعد، مغتنما فرصة وجوده في قصر فرساي الفرنسي التاريخي الشهير، وإلى جانبه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي صفّق بحرارة عندما أنهى ترامب توقيعه على النسخة الورقية ، وقال له : أحسنت، إنه عمل عظيم».
وفي المقابل كان الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان جالساً في مكتبه الرئاسي في طهران، حيث قام بتوقيع التفاهم على نسخة تحمل توقيع ترامب ، لكن دون أن يرى أحدهما الآخر، وهكذا أصبحت مذكرة التفاهم نافذة اعتبارا من مساء الأربعاء 17 حزيران/ يونيو 2026.
أما في المضمون فتحدثت المذكرة في مقدمتها عن «حُسن نيّة» مشتركة بين طهران وواشنطن، وهذه الجملة أبعدت لغة التهديد والوعيد وحققت الندّية والمساواة بين الدولتين. لكن المادة الأولى بلورت أطراف التفاهم وهم :»جمهورية إيران الإسلامية والولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤهما في الحرب الحالية».
ورغم أنه لم يتم ذكر أسماء الحلفاء فإنهم معروفون، حيث إن إسرائيل هي حليفة الولايات المتحدة، بينما «حزب الله» اللبناني و»أنصار الله» الحوثيون في اليمن، وفصائل المقاومة العراقية، هم حلفاء إيران الذين خاضوا الحرب إلى جانبها.
واللافت أن موافقة واشنطن على استخدام كلمة حلفاء يعني أنها تتحدث نيابة عن حليفتها إسرائيل، كما يعني تراجعا قانونيا عن وسم حلفاء طهران بالإرهاب أو وصفهم بأنهم وكلاء لإيران، كما يشكل اعترافا بدورهم في الساحات التي ينشطون فيها من شاطىء المتوسط إلى باب المندب وشط العرب، علماً أن أحد الأهداف الأمريكية والإسرائيلية كان قطع العلاقة بين إيران وحلفائها.
ونص الاتفاق على وقف فوري ودائم للعمليات العسكرية على جميع الجبهات، بما فيها لبنان، الذي برز في قلب وجوهر التفاهم.
أما خريطة الطريق فمسيرتها ستستغرق 60 يوما كحد أقصى، قابلة للتمديد بالتراضي.
وحملت المذكرة نوعين من الإجراءات: فورية عاجلة، وتفاوضية آجلة.
الإجراءات تحدثت عنها المادة الرابعة التي نصت على أن «تبدأ الولايات المتحدة الأمريكية برفع الحصار البحري المفروض على جمهورية إيران الإسلامية…».
كما «تتعهد الولايات المتحدة الأمريكية بسحب قواتها العسكرية من المنطقة المحيطة بجمهورية إيران الإسلامية في غضون 30 يومًا من تاريخ الاتفاق النهائي».
ومقابل الخطوة الأمريكية تأتي خطوة إيرانية في المادة الخامسة حيث نصت على فتح مضيق هرمز.
واللافت أن إدارة المضيق ستكون إيرانية ـ عمانية.
وفي الحديث عن تعويض الخسائر، تمحورت المادة السادسة على إرضاء إيران حيث:» تلتزم الولايات المتحدة الأمريكية، بالتعاون مع شركائها الإقليميين، بوضع برنامج نهائي متفق عليه لإعادة الإعمار والتنمية الاقتصادية لجمهورية إيران الإسلامية، بمبلغ لا يقل عن 300 مليار دولار أمريكي».
ثم جاءت المادة السابعة لتعلن:» تتعهد الولايات المتحدة الأمريكية برفع جميع العقوبات المفروضة على جمهورية إيران الإسلامية».
بعد كل تلك الامتيازات جاء أبرز تعهد إيراني في المادة الثامنة حيث «تُؤكد جمهورية إيران الإسلامية مجددًا أنها لن تُنتج أو تحصل على أسلحة نووية… كما اتفق الجانبان على مناقشة مسألة التخصيب، وغيرها من المسائل المتفق عليها والمتعلقة بالاحتياجات النووية لجمهورية إيران الإسلامية».
وكان لافتا أن المادة 13 ربطت البدء بمفاوضات الاتفاق النهائي بتطبيق ما سبقها من مواد التفاهم، وهذا يعني تأجيل البحث في الملف النووي والتخصيب إلى ما بعد رفع الحصار والحظر المالي والاقتصادي، على أن يتم اعتماد الاتفاق النهائي بقرار ملزم من مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، كما جاء في المادة الأخيرة رقم 14.
أما الغائب الأكبر عن أي تلميح أو تصريح فهي القدرات الدفاعية الإيرانية وخاصة الصاروخية بكل أنواعها بما فيها الباليستية والفرط صوتية، وهذا ما اعتبرته إسرائيل كارثة سيئة تضاف إلى جانب احتفاظ إيران بمحورها من الحلفاء.
وندد نائب الرئيس الأمريكي جاي دي فانس الجمعة بأعضاء الحكومة الإسرائيلية الذين ينتقدون التفاهم بين واشنطن وطهران، قائلا إن عليهم أن «يصحوا» ويعوا «الواقع».
وقال فانس في مؤتمر صحافي بالبيت الأبيض «لو كنت في الحكومة الإسرائيلية، لما هاجمت الحليف الوحيد القوي المتبقي لي في العالم بأسره».