في تجربة القاص والباحث العراقي ميثم الخزرجي يتقاطع هاجسان معرفيان عميقان؛ فهوَ من جهة يشتغل على تخوم السرد القصي بمخيلة تتأمل الوجود الإنساني بأبعاده المأساوية والعبثية، ومن جهة أخرى يغوص في تفكيك اشتغالات البيئة الرقمية والذكاء الاصطناعي بوصفه متخصصاً في علوم الحاسبات. في هذا الحوار، نفتح نافذة على عوالم الإبداع والتأليف لديه، لنتلمس كيف تتناسل الأسئلة الفلسفية من تفاصيل البيئة والذاكرة والنص.
* كيف حملت القلم، وما هي المؤثرات التي ساهمت في بلورة تجربتك على صعيد الكتابة والتأليف؟
ـ سأبدأ أولاً من المؤثر الذي جعلني أزاول فعل الكتابة. حقيقة الأمر، إن البيت كان له القدح المعلى في تنشئتي الثقافية وصياغة هويتي الأدبية؛ فقد كان والدي -رحمه الله- يمتلك مكتبة فخمة مؤثثة بجملة من النتاج الفكري والشعري على وجه التحديد، مكتبة فيها المثمر الذي يحرك الساكن ويثير ذائقتك نحو السؤال. كان يتوقف كثيراً عند الشعر، لتجده مأخوذا بجمل معينة محاولاً أن يعين تركيبها البلاغي وصياغتها اللغوية. كنت قريباً منه، باشرت بقراءة مدونات فكرية في عمر مبكر، غير أني لم أستطع أن أحدد ما أريد، بل لم أفهم ما الذي أرومه على وجه التحديد، لألتجئ إليه على الدوام فيبسط لي المصطلح ويفكك المفهوم. شيئاً فشيئاً، سحبتني لغة الفلسفة وعوالمها الإشكالية، فصرت أتأمل الأسئلة الديالكتيكية والقضايا الكبرى التي تحيط بإنسان هذا العالم في ظل الحتمي والمتوارث والسائد الذي يهيمن على البنية الثقافية للمجتمعات.
دنوت كثيراً من الشعر، حسب الطقس الذي تربيت فيه والحاضنة التي ألهمتني هذه الرغبة، ورحت أحفظ ما أجده متناغماً مع ذائقتي، لكني ملت إلى النصوص التي تحمل همّاً كونياً في جوهرها ورؤية إنسانية في هيئتها. الغريب أني لم أقترب من القصة سوى بعض النصوص التي تظهر لي هنا وهناك عبر الدوريات العراقية والعربية؛ لكنني ما إن انجذبت إلى فضاء القص حتى وجدت أنه يستطيع استيعاب متبنياتي الجدلية ونظرتي للحياة. وبقيت حفاوة البيت ومحيطي تحرضني على إخلاص الولاء لمشروع الكتابة، عبر متابعة القراءة والانهماك في تدوين الأفكار لأضمنها في مقال أحاول عن طريقه سحب بعض الأسئلة الإشكالية الموصدة بعلامة استفهام ساعياً لتفكيك محتواها، علَّ المقال الجدلي كان العتبة الأولى لكتابة القصة، أو لعل محنة السؤال المعرفي قادتني نحو فضاء السرد.
أحلام مؤجلة
* في قصة «جمال مضمر» بمجموعة «النزوح نحو الممكن» الصادرة عام 2020، تتحول «غرفة رقم 12» في القسم الداخلي إلى ما يشبه الوطن المصغر، الذي يجمع التناقضات والأحلام المؤجلة وسط بيئة قاسية. إلى أي مدى تقصدت جعل الأمكنة المغلقة أو المهمشة مساحات رمزية للخلاص الفردي والجماعي؟
ـ قصة «جمال مضمر» إشارة واضحة وجلية إلى المحنة التي تعرض لها بلدي العراق من أحداث طائفية. فالعراقي بطبعه كائن ينبذ التعنصر والتمايز الديني ومتصالح مع الآخر، وهذا ما شهدناه عبر تاريخه الحضاري. أردت أن أقول إن الغرفة رقم (12) بمساحتها الصغيرة استطاعت أن تجمع الكادر التربوي على اختلاف انتماءاته الطائفية، فمن غير المعقول أن تضيق بنا مساحة البلد الشاسعة. ولعلي أجد أن عتبة العنوان كفيلة بأن تمنح لنا فضاءً ثقافياً يبيّن طبيعة المجتمع العراقي وحقيقته الإنسانية، وهذا التنويه هو إحالة جوهرية إلى مركزية العلاقة في ما بينهم، وتصعيد لسمة الألفة والتعايش السلمي الذي سعيت إلى توظيفه في القصة.
سادن المقبرة
* في نص «سادن المقبرة»، يتحول الموت من فاجعة إلى جزء من إيقاع الحياة اليومية ومنظر مألوف يتأمله الحارس. والسؤال كيف استطاع ميثم الخزرجي المزج بين السخرية السوداء والفجيعة الوجودية في التعامل مع الموت والمقابر؟
ـ في هذا الأوان المزدحم بالصراع على اختلاف طبقاته الفكرية ونوازعه الإثنية والعقدية، تعالى صوت السادن من داخل المقبرة. ولعلّي أجد أن أفدح فجيعة يعيشها الكائن البشري هي محنة التشظي وغياب الهوية وضياع الطمأنينة والاستقرار، لذا فضل «عناد الدفان» اللجوء إلى المقبرة بوصفها الملاذ الآمن الذي يبتعد به عن زعيق الساسة وبراثنهم الكبيرة. ثمة أزمة كائنة يعيشها البطل/ الإنسان المعاصر في ظل مهيمنات الواقع المعيش وما تفرزه السياسة من مردود سلبي بدا أثره جلياً على طريقة تفكيره وتعاطيه مع الموجودات.
*ماذا يُقصد بـ»فلسفة البطل رؤوف» في قصة «الغرفة»؟
ـ ينحى البطل الإشكالي «رؤوف» في قصة «الغرفة» منحى وجودياً صرفاً؛ فهو يحاول أن يبحث عن الخلاص في هذا العالم المنغرس بالعدم، ساعياً إلى إضاءة هويته الإنسانية التي تشظت في ظل الصراع الدائر. كانت فرشاته بوحاً وجودياً صادقاً وتعبيراً صريحاً عن إصْراره على تعيين كينونته، غير أن ملامح الآخرين التي رسمها باتت سائلة، وما النافذة التي استقر عندها إلا سبيلا نحو الحرية والأمل. وعلى الرغم من ذلك، كان يدور في فلك البحث عن ذاته، مشيراً: (ما الداعي لأن أصفع وجه الغرفة بالباب إن كان العالمُ لا يتقي خفاياه).
الدائرة القصية
* ما الرسالة التي أرادت إيصالها البطلة (ويكهام) في قصة «الدائرة القصية»؟
ـ استقرأت في هذه القصة الجانب الماهوي للكائن البشري، وتحديداً المرأة التي تعاني من تصدع في جنسانيتها. أردت أن أضيء التداعيات الجوهرية التي تصاحب الأنثى حال تعرضها لتعسف قسري يبدد شيئاً من حيويتها، فضلاً عن الإحاطة الشاملة بنظرة المجتمع لها وبيان الأنساق الثقافية التي صيّرت المجتمع إلى سياق متخبط كهذا. تُعدّ «ويكهام» عينة جلية وصريحَة على وهن المرأة والإطاحة بحقيقتها الوجودية وقيمتها الاعتبارية، في ظل عالم ينظر نظرة أحادية للمرأة، كونها لا تمتلك مؤهلاً لتعريف الخطأ. غير أنها سعت لأن تظهر شاهداً واحداً على ما فعله زوجها، فقد طالبت أن يكون القمر، بل الموجودات جميعها محلاً لبيان الأمر لما ارتكبه لحظتها، وهنا إشارة واضحة على بيان المخاض النفسي العنيف الذي لحق بها.
* ما الذي دعاك لأن تتوقف عند الصوت في قصة «الماثل في الفراغ»؟
ـ في قصة «الماثل في الفراغ»، كان الصوت فاعلاً جوهرياً له تداعياته النفسية المنعكسة على طبيعة البطل «حميد الجبران» الذي تعرضت مدينته لزلزال راح أغلب سكانها جرّاء الكارثة التي حلت بهم. الجبران – رسام الكاريكاتير المعروف- أصيب بمحنة الفقد، ما أثر تأثيراً واضحاً على سلوكه وتعاطيه مع الآخر. وقد استحدثت الشركات المصنعة أجهزة متطورة تعيد الأصوات السائبة في الفضاء لتعيد إليه أصوات أولاده من جديد، حسب السعة الموجية والترددات المعنية بهم. ولعل السؤال الأكثر أهمية في هذا النص: بما أن الصوت مادة لا تفنى تبعاً لمقررات المباحث العلمية، فهل ثمة فراغ يتشكل في ما بعد، أم أن سمة الفراغ اعتبارية في ذهن الإنسان، وأن مزية الوجود بمعناه العام هي للمادي فقط أي لما تبصره العين؟
الإنسان ابن واقعه
*في كتابك «البيئة الرقمية وتداعيات الإنسان المعاصر»، ترى أن تشكيل البنية المجتمعية للبلدان يأتي عن طريق التعاطي مع مستحدثات الحياة بتفاصيلها المعرفية والعلمية والجدلية. كيف توضح ذلك؟
ـ بالتأكيد، فالإنسان ابن واقعه بحمولته الثقافية، ومن غير المعقول أن ينفك عنه ويسير من دونه. وإذا تتبعنا النمو الثقافي للكائن البشري من الناحية الأنثروبولوجية، لوجدنا ثمة تغيرات لحقت به أثرت تأثيراً واضحاً على البنية الثقافية المعنية بتشكيل خطابه على المستوى الإنساني والأخلاقي.
فنظريات المعرفة بأسئلتها الإشكالية والآلة التقانية الذكية استطاعت أن تستحدث لنا سمات جوهرية انعكست على طبيعة النفس البشرية. ولعل البيئة الرقمية في هذا الأوان المعلوماتي استطاعت أن تندمج خوارزمياتها مع حقيقة الإنسان وكيفية صناعة قراره لتشترك في تعيين وحدته الثقافية. ولا أريد أن أتطرق إلى التداعيات النفسية والأخلاقية التي لحقته، فلعل الكتاب أوفر حظاً في بيان هذه الحقائق.
*هل تعتقد أن الذكاء الاصطناعي أسس لعصر ذهبي جديد في فن القص عبر توسيع آفاق الخيال البشري، أم أنه أدى إلى تراجعه واختزاله في قوالب نمطية باردة تفتقر إلى الروح والعمق الإنساني؟
ـ السمة الأدبية هي نتاج بشري يخضع لمجموعة من المفاهيم الإنسانية والتصورات النفسية التي تُبوّب بجنس أدبي قارٍ. أما خوارزميات الذكاء الاصطناعي فتتثاقف عبر حمولة البيانات التي يقوم الكائن البشري نفسه برفعها لها.
وقد اعتمد أشباه الأدباء على هذه الخوارزميات فألصقوا لأنفسهم جملة من النعوت الأدبية الباهتة، فضلاً عن أن كثيراً من بحوث الترقية ورسائل الدراسات العليا أخرجتها برامج الاستلال، وهذا يدخل في خانة الجرم الثقافي والعلمي أيضاً. لذا من غير المعقول الاتكاء على هذه الخوارزمية في كتابة مدونة بشرية، ولعلي أجد أن الحل الوحيد لمشكلة مثل هذه هو منح حقوق ملكية واضحة للذكاء الاصطناعي، حتى نؤصل لحقيقة الإنسان الجوهرية في واقع تداخل فيه الواقعي بالافتراضي.
* كاتب وصحافي سوري